كتاب الصلاة 37

كتاب الصلاة 37

الحديث السابع والثلاثون:من( الحديث الثاني والسبعون:عن أبي هريرة رضي الله عنه ... أن يرجع إلى المعنى من تحويل الصورة إلى تحويل النحيرة وذلك بأن يصبح بليداً كالحمار )

أهمية الإمامة وآدابها في الصلاة

يتناول هذا الفصل أهمية الإمامة في الصلاة وآدابها، ويشرح المقاصد السامية لشرع الجماعة مثل حسن الطاعة والاقتداء بالقدوات. يبين كذلك أهمية التزام المأمومين بإمامهم في أفعال الصلاة.

تحريم مسابقة الإمام وآثارها السلبية

هذا الفصل يشرح تحريم مسابقة الإمام في الصلاة مستدلاً بالأحاديث النبوية، ويبين أن الجزاء من جنس العمل وأن المسابقة تدل على الغباء والرغبة في استعجال الخروج من الصلاة. كما يتناول آراء العلماء في حكم ذلك ومدى تأثيره على صحة الصلاة.

عقوبة مخالفة الشرع وآثارها على الفرد

يتحدث هذا الفصل عن عقوبة مخالفة الشرع، حيث قد يبتلى الشخص بسبب كثرة مخالفته للشرع بسوء الفهم والتصور للأمور، مما يجعله صعب المعاشرة في الحياة. يبين أن هذا البلاء يكون نتيجة لعمله السيئ.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى: باب الإمامة، الحديث الثاني والسبعون. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار؟». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي، رحمه الله، هذا الباب وما أورد فيه من أحاديث لما له من تعلق بأبواب الصلاة. فقوله: «باب الإمامة» أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الإمامة كما سيأتي. وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وما أورده ليس هو عين لفظ البخاري ولا مسلم، ولكن أقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري في صحيحه في باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا شعبة عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار؟». فزاد بعد قوله: «أما يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه»، ولم يقل في حديثه لفظ البخاري «الذي يرفع رأسه» مباشرة، بل زاد «أما يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه». الحديث. وفي البخاري: «أن يجعل الله رأسه» وليس «أن يحول»، ولفظة «يحول» هي في مسلم في بعض ألفاظ مسلم. قال الشارح، رحمه الله: هذا باب يذكر فيه آداب الإمام والمأموم، وما يجب على كل منهما ويستحب، وفيه بيان علاقة بعضهما ببعض، أي الإمام والمأموم. وهذا من الحكم التي لأجلها شرعت الجماعة. قال: والإمامة نظام إلهي يرشدنا الله سبحانه وتعالى فيه عملياً إلى مقاصد سنية وأهداف سامية من حسن الطاعة والاقتداء بالقدوات في مواطن الجهاد، ومن حسن النظام والتعبئة لأعمال العسكرية والحركات الحربية، ومن تعود على المواساة والمساواة حتى يقف الصغير مع الكبير والغني مع الفقير والشريف مع الوضيع، إلى غير ذلك من أسرار تفوت الحصر. هذا والمقصد الأسمى هو عبادة الله تعالى والخضوع بين يديه. ولهذا تجد أهل الإسلام بتعودهم صلاة الجماعة في الصلوات الخمس والجمع والأعياد ونحوها، هم متعودون لمثل هذا التنظيم والترتيب، وهم كذلك زالت ما في نفوسهم معاني التفرقة بين الأشخاص بالمعايير الدنيوية الدنيئة. فالجميع يقف في صف واحد، لا فرق بين شريف ولا وضيع، ولا غني ولا فقير. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أما غير المسلمين إذا أرادوا أن يعملوا مثل هذا فهم يتحيرون وينظرون ماذا يجعلون ترتيب الناس، ماذا يفعلون في ترتيب الناس؟ ربما كان هذا من أصعب المشكلات: من يجعلون في الصف الأول، ومن يجعلون في الصف الثاني، ومن يجعلون في الصف الثالث؟ بينما أهل الإسلام تربى الجميع على هذه المعاني التي تسقط تلك المعايير الدنيوية. قال رحمه الله: غريب الحديث، قوله: «أما» قال الشوكاني: مخففة، حرف استفتاح، وأصلها «ما» النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وهي هنا استفهام توبيخ، والمعنى النهي عن هذا الفعل بهذا الاستفهام الذي يقصد منه التوبيخ. قال: قوله: «يخشى» أي يخاف، والمعنى فليخف، لأن الغرض من الاستفهام هنا الإشعار بالنهي عن رفع الرأس قبل الإمام، فيكون المعنى التخويف من أن يعاقب بهذه العقوبة، أي في الآخرة. قال: المعنى الإجمالي: إنما جعل الإمام في الصلاة ليقتدى به ويؤتم به، بحيث تقع تنقلات المأموم بعد تنقلاته، وبهذا تتحقق المتابعة. قال: فإذا سابقه المأموم -عندي المأمون صوابه بالميم وهناك ناقصة- تتحقق. قال: فإذا سابقه المأموم فاتت المقاصد المطلوبة من الإمامة، لذا جاء هذا الوعيد الشديد على من يرفع رأسه قبل إمامه بأن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار، بحيث يمسخ رأسه من أحسن صورة إلى أقبح صورة، جزاء لهذا العضو الذي حصل منه الرفع والإخلال بالصلاة. قال: مع ما فيه من التنبيه في كونه يحول رأسه إلى رأس حمار يوم القيامة، إلى أن فاعل ذلك بليد كما أن الحمار بليد. فالحمار مشهور عند الخلق أنه من أبلد الحيوانات، فكذلك هذا الذي يرفع رأسه قبل الإمام فيه بلادة كبلادة الحمار، لأنه لو رفع رأسه قبل الإمام ماذا يظن؟ هل سيسلم قبل الإمام؟ هو مأموم. بعض الناس يسابق الإمام، ما يكاد الإمام يقول: الله أكبر يرفع إلا ورفع قبله، وما يكاد الإمام يقول: الله أكبر يسجد إلا سجد قبله، وفي كل حركة يسابق الإمام. فمثل هذا صار فيه معنى من معاني بلادة الحمار. وهكذا جاء في بعض الروايات عند ابن حبان وغيره -حسنها بعض أهل العلم- أنه «يحول رأسه رأس كلب»، لكن الصحيح أنها شاذة، ونبه عليها العلامة الألباني رحمه الله في ضعيف الترغيب. وهكذا جاء «رأس شيطان» ولم يصح. قال: اختلاف العلماء في السبق، اتفق العلماء على تحريم مسابقة المأموم للإمام لهذا الوعيد الشديد، ولكن اختلفوا في بطلان صلاته. فالجمهور أنها لا تبطل. قال الإمام أحمد في رسالته: «ليس لمن سبق الإمام صلاة». وأصحاب الإمام يقولون: من سبق إمامه بركن كركوع أو سجود، فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل عمدا حتى لحقه الإمام فيه بطلت صلاته. والصحيح ما ذكره في الرسالة من أن مجرد السبق عمدا يبطل الصلاة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: لأن الوعيد يقتضي النهي، والنهي يقتضي الفساد. الأصل في مثل هذا الوعيد أنه يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم، وهكذا كذلك النهي يقتضي الفساد إذا تعلق بماذا؟ إذا تعلق بذات العبادة أو شرطها. قال: الاستنباطات من الحديث: أولا: تحريم رفع الرأس في السجود قبل الإمام، والوعيد فيه دل على منعه، إذ لا وعيد إلا على محرم، وقد أوعد عليه بالمسخ، وهو من أشد العقوبات. وليس خاصا بالسجود، لكن هذا يدل أن أشده السجود، وهو أكثر ما يحصل فيه الرفع. أكثر ما يحصل فيه المسابقة السجود. وفيه كذلك استحباب الصبر في السجود وعدم التعجل. إذا أطال الإمام السجود بعض الناس فيه فضول، إذا أطال الإمام بالسجود يرفع رأسه يشوف إيش وصل حال الإمام وينزل رأسه مرة أخرى، هذا يلحق فيه هذا الحديث. نعم، إلا إذا أطال إطالة يخشى معها الضرر فيجوز، كما فعل الصحابة حين تأخر النبي عليه الصلاة والسلام بأحد الصلوات في سجوده بسبب وقوع عمامته فوق رأسه أو فوق كتفه. ثانيا: يلحق بذلك مسابقة الإمام بكل تنقلات الصلاة، وليس هذا من باب القياس وحده، فزيادة على القياس الصحيح أخرج البزار من حديث أبي هريرة مرفوعا: «الذي يخفض يرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشيطان». وهذه الرواية حسنها بعض أهل العلم، وفيها ضعف، لكن صحت كذلك. وفي هذا اللفظ كما نرى في أيدينا: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام»، وفي رواية: «أما يخشى الذي يرفع قبل الإمام» بدون «رأسه». فقول: «يرفع قبل الإمام» يتناول الرفع من السجود أو القيام من الجلوس إلى القيام، فكله يسمى رفعا. وهذا خرج مخرج الغالب، فيكون غيره من باب أولى، وهو أشد. ثالثا: وجوب متابعة المأموم للإمام في الصلاة، ومن معاني المتابعة عدم المسابقة، ومنه في المقابل عدم التأخر، كما لا يجوز المسابقة لا يجوز التأخر. بعض الناس يتأخر، فإذا كان تأخره لأجل واجب فرط فيه الإمام لا بأس، مثل استعجال بقراءة الفاتحة، فلا بأس أنك تقرأ الفاتحة ولو سبقك الإمام قليلا. وأما إذا كان لمستحب الإمام رفع وصاحبنا ما شاء الله أخذه الخشوع ومستمر بالدعاء في السجود، الآن يفعل هو ماذا؟ مستحب أو محرم؟ هو يطلب المستحب بفعل المحرم. يطلب المستحب بفعل المحرم: التخلف عن الإمام والتأخر عنه محرم، وتطويله في السجود لأجل الدعاء مستحب، لكنه إذا كان إماما أو منفردا. أما إذا كان مأموما فالواجب عليه متابعة الإمام، عدم التأخر عنه. رابعا: أن الجزاء من جنس العمل، فحين كان الرفع في الرأس جوزي بالوعيد بالمسخ أي في الرأس. وهذا يدلنا على عموم التشريع في مثل هذا، فمن سنة الله الشرعية وأحكامه فيها، وسنته وأحكامه القدرية الكونية أن الجزاء دائما وغالبا يكون من جنس العمل. ومن تأمل وتتبع الأحكام الشرعية وجد ذلك، ومن نظر في أحوال الناس القدرية والأمم السابقة وجد معنى ذلك. خامسا: توعد المسابق بالمسخ لصورة الحمار لما بينه وبين الحمار من المناسبة والشبه في البلادة والغباء، لأن المسابق إذا كان يعلم أنه لن ينصرف من الصلاة قبل إمامه فليس هناك نتيجة في المسابقة، يعني لا فائدة من ذلك، فدل على غبائه وضعف عقله. سادسا: تدل مسابقة الإمام على الرغبة في استعجال الخروج من الصلاة، وذلك مرض، داؤه أن يتذكر صاحبه أنه لن يسلم قبل الإمام، وهذا ظاهر. بل عليه أن يتذكر الوعيد الشديد الذي ورد فيكون زاجرا له. سابعا: الوعيد بتغيير صورته من يرفع رأسه قبل الإمام لصورة حمار أمر ممكن، وهو من المسخ، والمسخ معناه ما يجعله الله عز وجل من تغيير الخلقة، وهو على كل شيء قدير. قال: ولكنه لم ينقل وقوعه، ويحتمل أن يرجع المعنى من تحويل الصورة إلى تحويل النحيزة. والمعنوي ممكن أن يكون في الدنيا، وهذا شيء يكاد يكون محسوسا ملموسا. أغلب هؤلاء الذين يسابقون الإمام تجد فيهم بلادة، يعني ينطبق عليهم الغباء، حتى لو كان ذكيا في حياته، لكن تجد فيه مواضع تدل على غبائه وبلادته. ولعل ذلك يصاب به بسبب كثرة مخالفته للشرع، فيبتل بعضهم بسبب كثرة مخالفة الشرع بسوء الفهم والتصور للأمور، ويكون مثل هذا صعب المعاشرة في الحياة، وهذا من جنس عمله، ابتلي بما كان من جنس عمله. قال: وذلك بأن يصبح بليدا كالحمار، هذا المعنى المعنوي. والمعنى الحسي في الدنيا محتمل، ولكنه لم ينقل الوقوع كما قال. والظاهر أن المراد به ليس في الدنيا وإنما في الآخرة. والله تعالى أعلم.