تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 7

تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 7

الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب المجالس وأهميتها في الإسلام

تناولت الآيات والسنة النبوية آداب المجالس وأحكامها، مبينة أهمية التفسح والتوسع في المجالس وتأثير ذلك على المحبة بين المسلمين. كما أوضحت أن هذه الآداب ليست مقتصرة على مجلس واحد بل تتسع لتشمل التعاون بين الناس لإيجاد سعة لإخوانهم.

أثر تقارب الأجساد في الألفة والمحبة

المقطع يشرح أهمية تقارب الأجساد وتأثيره على تقارب القلوب والأخلاق بين المسلمين، ويستدل على ذلك بأحكام شرعية مثل المصافحة والتقارب في مجالس العلم والخير. كما يشير إلى أن الجزاء من جنس العمل في التوسعة والرفعة في المجالس.

أحكام وتقدير أهل العلم والإيمان في المجالس

يتناول أهمية إكرام أهل العلم والإيمان وتقديرهم في المجالس، ويشرح بعض الأحكام المتعلقة بالمجالس مثل التفسح لأهل الفضل والقيام لمن يستحق. يبين أن هذه الأحكام ترتكز على تجنب ما يورث الحزن والشحناء وتعزيز الألفة والمحبة وتنزيل الناس منازلهم.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم، وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، والله بما تعملون خبير. قال لهم: فسلوا، رحمه الله. يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم توسعوا في المجالس ففسحوا، يفسح الله لكم في الجنة، وإذا قيل انشزوا قوموا إلى الصلاة وغيرها من الخيرات فانشزوا، في قراءة بضم الشين فيهما، يرفع الله الذين آمنوا منكم بالطاعة في ذلك، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات في الجنة، والله بما تعملون خبير. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة التي تتابعت فيها عدد من المسائل والأحكام، وفي هذه الآية كذلك مجموعة من الأحكام ناسب ذكرها بعد ذكر آيات المناجاة، لما فيها من اجتماع مراعاة ما بين المسلمين، ودفع كل ما يورث بينهم سوء الظن والحزن والسوء. فلما ذكر المناجاة وما قد تورثه من الظنون السيئة ودخول الحزن في قلوب بعض المؤمنين بإسرار كلام دون غيرهم، ناسب أن يذكر كذلك آداب المجالس وما قد يورثه من تصرفات الناس فيها من حزن وسوء ظن بعضهم ببعض. وهذا من حكمة الله عز وجل، وفيه كذلك كمال هذا الدين، فما من صغير ولا كبير يكون به صلاح حال هذا الإنسان في ظاهره وباطنه إلا وأنزل الله عز وجل لنا فيه حكمًا. والأمر كما قال سبحانه: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. فالذي خلق الخلق سبحانه علم ما يصلحهم، فجعل لهم من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة ما هي كفيلة بإصلاح أحوالهم في أنفسهم ومع إخوانهم وفي مجتمعاتهم. ومن ذلك هذه الآية التي تناولت عددًا من أحكام وآداب المجالس، واستفتحت الآية بالنداء الإيمان. وكما روي عن ابن مسعود وغيره: «إذا سمعت يا أيها الذين آمنوا فرع لها سمعك»، يعني لما فيها مما يكمل الإيمان فتعمله أو ينافيه فتتركه. وقد جمعت هذه الآية بين أوامر ونواهي تتعلق بآداب المجالس، وأول هذه الأحكام التفسح والتوسع في المجالس. قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا﴾، قال المفسر رحمه الله: توسعوا. وكما تقدم معنى القاعدة عند أهل العربية: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالتفسح توسع وزيادة، فهو كل توسع يكون برغبة. فينبغي أن يكون بين أهل الإيمان من الحب والتراحم ما يحصل به التوسعة، ولو لم تكن توسعة. ولهذا قال: ﴿تفسحوا﴾، أي حتى لو لم تكن هناك سعة فحاول أن توجد فرجة، فتعين أخاك على أن يجد مجلسًا، فكأنك تزحزح شيء يسيرًا ليكون هناك فسحة في الدخول. ولو كان هناك السعة ليست كافية، ففيه المبالغة في الحرص على إيجاد السعة. فمن باب أولى إذا كان هناك سعة، إذا كان هناك سعة فمن باب أولى. يعني في المجالس التي يكون فيها الزحام ينبغي للإنسان -كما يقول العامة- لا تجلس نفرين، يجلس نفر نزيد، نقول: إيش يجلس نص نفر؟ لأجل أن تفسح لإخوانك، لأن السعة الحقيقية في القلوب. السعة الحقيقية في القلوب، إذا صارت القلوب فيها سعة وحب لإخوانك، فإنك ستفسح له من مكانك الخاص. كنت متربعًا أو جدت فسحة جديدة، كيف تجلس جلسة الإقعاء؟ حصلت فسحة. كنت متربع مرتاح، ولكن حبًا لأخيك أن يكون بجانبك، جلست نصف نفر، رضيت بأن تجلس جلسة الإقعاء مقابل أن تفسح لأحد إخوانك أن يجلس بجانبك. وهذا من معاني تفسح الذي هو أبلغ من معنى ماذا؟ توسع، فتفسح أبلغ من توسع. وهكذا كذلك هنا قراءتان في موضعين من هذه السورة، سبعيتان. القراءة الأولى في المجلس وهي -كما أشار رحمه الله- قراءة السبعة عد عاصم، وقراءة عاصم: «المجالس»، وهذه قراءتنا المشهورة. وقراءة البقية: «المجلس»، فالمجلس المراد به الجنس، جنس المجلس صغيرًا كان أو كبيرًا. والمجالس المراد به مجموع المجالس، وكذلك مواضع المجالس. والمعنى الذي ينضاف بإضافة هذا اللفظ أنه يتفسح في المكان الذي يحتاج الإنسان أن يجلس فيه إذا أمكن، وإذا لم يمكن فتسحب السعة من مجموع المجالس. تسحب السعة من مجموع المجالس، يعني مثلاً تطلب من هذا أن يشد نفسه قليلاً، والآخر يشد نفسه قليلاً، والثالث، فإذا به مكان لشخص، إذًا جاء من المجالس أو من المجلس، من المجالس جاءت الفسحة والسعة من المجالس، ليس من مجلس واحد. وكلاً الأمرين حتى عليه الإسلام، وهذا من بلاغة القرآن. فمعناه: تفسحوا وتوسعوا، إن كان بمجلس واحد فتيسر جلوس واحد، فالحمد لله. وإن لم يكن فليتعاون اثنان فأكثر، وأقل الجماعة كم؟ أقل الجمع اثنان، فليتعاون اثنان فأكثر بإيجاد سعة لإخوانه. وهذا كذلك معنى آخر وحكم آخر من أحكام التفسح في المجالس، أن يوسع أهل هذا الدين من قلوبهم ومن أخلاقهم ومن مواقفهم ما يورث المحبة، فإن هذا يورث المحبة بين أهل هذا الدين. فهذه المواقف تعتبر مواقف كريمة نبيلة تبقي الود والقرب بين أهل هذا الدين. ما ظنك بإنسان لما رأاك ناداك وفسح لك وقعدك بجانبه، يقع في نفسك أنه أكرمك؟ أم لا يقع في نفسك المرة القادمة سيأتي هو، سترد له الجميل وتناديه وتفسح له وتقعده بجانبك؟ وهكذا تنتشر بين أهل هذا الدين الأخلاق الكريمة النبيلة التي تزيد في محبتهم وألفتهم وقرب بعضهم من بعض. إضافة إلى ذلك تقدم معنا في مواضع سابقة أن قرب الأجساد سبب لتقارب القلوب، تقارب الأجساد سبب لتقارب القلوب، وأن تلامس الأجساد سبب لتأثير هذه الأجساد بعضها على بعض في الألفة والقرب والمحبة. ولهذا جعلت أحكام كثيرة فيها تماس هذه الأجساد، المصافحة من خصائص أهل هذا الدين، وهي فيها كذلك هذا المعنى، التصافح في الصلاة من خصائص هذا الدين، وفيها هذا المعنى. وهكذا كذلك التقارب في مجالس العلم ومجالس الخير كذلك في هذا المعنى. وقد أثبت أهل العلم الحديث كذلك من الناحية الطبية وجود هذا الأثر، وجود هذا الأثر، بل إنه لا ينقل المعاني الحسية بل حتى المعاني المعنوية، حتى المعاني المعنوية تنتقل. خلطة الإنسان للشجعان يورثه الشجاعة، ولو لم يتعلم منهم الشجاعة بأفعالها، لكنه بخلطته لهم يأخذ هذا الخلق شيئًا فشيئًا. ولذلك تجد الأبناء يشبهون الآباء ليس فقط بما يرثه الابن من الأب من صفات جسدية حسية وأخرى معنوية، ولكن كذلك بما يكون من مخالطة هذا الابن لمن حول ذاك الأب. وكما قيل: «ومن شابه أباه فما ظلم». وكذلك للآخرين. ولذلك إذا تبنى ابنًا أو عاش إنسان بين آخرين فإنه يأخذ من أخلاقهم وصفاتهم، وكل ما كان بهم ألصق كان لأخذه من صفاتهم أكثر. وكما تقدم معنى كان من أخلاق أهل الجاهلية قبل الإسلام أنهم يرسلون أبناءهم للبوادي لماذا؟ ليأخذوا من لغتهم ومن كرمهم ومن شجاعتهم ومن أخلاقهم ما لا يجدونها في المدن. وهكذا الاسترضاع، الاسترضاع نوع من هذا المعنى، يسترضعون الولد أو البنت من الأسرة الكريمة ليأخذ هذا الولد من أثر هذا الرضاع. وهذا مجرب كذلك. وقل مثل هذا في نظائر كثيرة تدلك على هذا المعنى. وهذا كذلك من محاسن ومواضع كمال وجمال هذا الدين، فإن قرب الأجساد سبب لتقارب الأخلاق وتأثير بعضها على بعض. والموضع الآخر قال: ﴿فافسحوا يفسح الله لكم﴾، قال المفسر رحمه الله: في الجنة. وهذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا يفسح الله في الدنيا وفي الآخرة. ﴿فافسحوا يفسح الله لكم﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، حديث ابن عمر، ومعناه في حديث جابر: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل مكان الرجل، أو يفرق الرجل بين الرجلين، فإن ذلك يحزنه»، قال: «ولكن ماذا؟ تفسحوا يفسح الله لكم»، يعني: ابذلوا أسباب السعة سيجعل الله عز وجل لكم السعة. وتفسحوا كما قلنا يشمل الفسحة من الشخص، ويشمل الفسحة من إيش؟ من الجماعة، ويشمل الفسحة من الجماعة. وفيه كذلك أمر الجميع بالتعاون على تحقيق هذا الخلق الذي يورث المحبة ويثبت هذه الأخلاق الكريمة النبيلة التي تزيد في ألفة محبة أهل هذا الدين. وقوله: ﴿وإذا قيل انشزوا﴾، وفي قراءة: «انشروا»، وفي قراءة: «انشزوا»، ثلاث قراءات، ففيها ثلاثة معاني وأحكام. فالانتشار التوسع بالزيادة لأجل أن تكون فسحة. والنشوز بالضم الذي هو التضايق لإيجاد الفسحة، وبالكسر التفسح لإيجاد الفسحة، يعني يتضايق اثنان وتكون الفسحة مثل كما قلنا: إنسان متربع يتحول إلى الإقعاء، فالإثنان هؤلاء الذين تحولوا إلى الإقعاء حصل لهم ماذا؟ تضايق، قصروا ولموا موضعهم، فحصلت الفسحة. فإذن المقصود هو إيجاد الفسحة، سواء بالتوسع في المكان الذي فيه سعة، أو بأن يتلملم بعضهم إلى بعض فيجدون كذلك لإخوانهم الفسحة. وكذلك النشوز، النشوز يعني: ضم وميل يكون به إيجاد فسحة، يعني: مل عن مكانك قليلاً لأجل أن تجد لإخوانك الفسحة ليجلسوا معك، فتفسح عليه فيفسح الله عز وجل عليه. وفي هذه الآية كذلك من الأحكام أن الجزاء من جنس العمل، وهذا كثير في نصوص الكتاب والسنة، فتفسح لإخوانك يفسح الله عز وجل، تيسر لإخوانك يسر الله عز وجل، كما في حديث أبي هريرة: «تستر إخوانك يسترك الله عز وجل»، كما في حديث أبي هريرة. وهكذا كذلك الرحمة تورث الرحمة، «الراحمون يرحمهم الرحمن، يرحم من في الأرض ماذا؟ يرحمكم من في السماء»، حديث عبد الله بن عمر، وغيرها من النظائر الكثيرة التي تدل على هذه القاعدة العظيمة: الجزاء ماذا؟ من جنس العمل. وكذلك قوله سبحانه: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم﴾، قال المفسر: بالطاعة في ذلك. وقد تناولت هذه الآية ثلاثة أحكام من أهم هذه الأحكام ثلاثة أحكام، تناولت عددًا من الأحكام من أهمها ثلاثة. أولها: رفعة أهل الإيمان بالطاعة في أحكامه عامة، وفيء التوسعة خاصة، يعني: يا من نديتم من نداء الإيمان، احرصوا على أن تمتثلوا ما أمركم الله به، لأنه مما يكمل به إيمانكم، فلا تزال تتدرج رفعة في درجات الإيمان بامتثالكم أوامر الله أو اجتنابكم ماذا؟ نواه الله. فإذن: فعل ما أمر الله عز وجل به من أسباب الرفعة. وكذلك ثانيًا: ما يتعلق بهذا الحكم خاصة، وهو التفسح في المجالس. والمعنى الثالث: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، معناه: كما قال بعض أهل العلم ما جاء في السنة: «أنزلوا الناس منازلهم»، فأهل الإيمان الأول لهم منزل في الإسلام، وأهل العلم لهم منزل في الإسلام. ولهذا إذا استوى العلم قد ماذا؟ أسبقهم هجرة، إذا استوى العلم والقرآن قد ماذا؟ أسبقهم هجرة. والهجرة من خصال إيش؟ الإيمان، إذن: صاحب الهجرة له رفع في المنزل عند الله، وله كذلك الاحترام والتقدير عند عباد الله. فينبغي أن يكرم، وهكذا كذلك صاحب العلم له المنزل عند الله. ففي هذا حث يميع المسلمين والمؤمنين على التنافس في تحصيل العلم، ومن حصل هذا العلم ينبغي أن يكرم. وفي الحديث: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»، هذا في الصلاة، وكذلك الصحيح في المجالس. كما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يذني إليه المهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل الرضوان. وجاء كذلك أن أبا بكر كان يجلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر كان يجلس عن يساره، وغير ذلك مما يدل على هذا. وفي هذا كذلك حكم آخر، الأول كما قلنا: احترام وتقدير أهل العلم وأهل الإيمان وأهل السابقة. وفيه كذلك أنه ينبغي على أهل السابقة أن يعملوا، لأن العلم والإيمان فيه من التكليف ما هو أعظم من ماذا؟ من التشريف. ولذلك كان أبو بكر رضي الله عنه يحرص على أن يرافق ويلازم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كاد مجلسه وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يفارقه. ليس لأنه يجعل له هذا الفراغ، ولو أتى آخر الناس، لأنه أصلاً هو يأتي أول الناس، هو كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم من حين أن يخرج من بيته يأتيه إلى بيته، فيخرج معه، فلا يجلس إلا وهو معه، ولا يقوم إلا هو معه، ولا يحضر إلى الصلاة إلا وهو معه. فكان مجلس أبي بكر قريبًا من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله. فإذا صار هذا المجلس بماذا؟ بحرص صاحبه عليه. كما أن أولو الأحلام والنهى حتى هم الإسلام أن يحرصوا على مكانهم من الإمام. فإذا حصل أحيانًا وهذا الحكم الثاني: أن صاحب هذا المجلس تأخر، فينبغي أن يكرمه الآخرون بأن يردوه ويفسح له في ماذا؟ في مكانه. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم»، فسيدهم سعد بن معاذ، قال العلماء: كان ممن يلازم النبي صلى الله عليه وسلم، فله رفعة وسابقة. وفي نفس الوقت كذلك كان مصابًا، فاحتاج من يقوم، فجوبّينه هذا سبب ثاني للقيام له ولإكرامه. والسبب الثالث: أنه كذلك كان له هذا القرب، فلما تأخر بسبب مرضه احتيج أن يعان أن يرجع إلى مكانه الذي هو له. وبه نفهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا، فإنه يتمثل ماذا؟ يتبوأ مقعده من النار، يعني: من ليس له مجلس وليس له فضل، فلا ينبغي أن يتعالى على الخلق. ومثل هذا: أن يقيم الرجل للرجل ليجلس مكانه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل للرجل ليجلس مكانه. فهذا فيه نهي، لكن إذا الرجل نفسه احترامًا وتقديرًا أحب أن يجلس ذاك في مكانه، هل هذا يجوز؟ يجوز. ومتى يتأكد هذا؟ إذا كان ذاك الرجل الذي ضحيت بمجلسك له يستحق هذه التضحية، كأن يكون مثلاً هو من ذوي الأحلام والنهى، دائمًا يصلي خلف الإمام، لكن ذاك اليوم لسبب أو لآخر تأخر، فرأيته، فهنا إيش تفعل؟ تناديه فتفسح له، إن أمكن التفسيح، ويدخل في هذه الآية: تفسح ويفسح الله لكم. أو لم يكن فلا بأس أن تتراجع وتجعله ماذا؟ في مكانك. وليس هذا مما يدخل في النهي أن يقيم الرجل الرجل فيجلس في مكانه، لأنه لم يرضَ أن يقيمك، ولكن أنت أكرمته بالقيام له، وفرق بين الأمرين. سعد بن معاذ لم يطلب أن يقوم له أحد، لكن من الذي طلب منهم أن يقوموا له؟ النبي صلى الله عليه وسلم، ففي هذا دليل على استحباب القيام لمن يستحق أن يقدم في المجلس، فيكون في هذا إكرام له وتنزيله منزلته التي يحبها الله سبحانه وتعالى. وهكذا قل في سائر أحكام المجالس، فإنها على هذه القواعد الثلاثة: القاعدة الأولى: أن لا نفعل شيئًا يورث الحزن والشحناء والبغضاء بين أهل الإسلام. القاعدة الثانية: أن نحرص على أن نبدل كل الأسباب التي تورث المحبة والألفة، ومن ذلك التفسح في المجالس، وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه. الثالثة: أن يحرص على تنزيل الناس منازلهم التي نزلهم الله عز وجل إياها بالضوابط التي دلت عليها الشرع، دون إفراط ولا تفريط. نعم، الإيثار إيش؟ إيثار القربة، الصحيح إذا تساوت لا يؤثر، لكن إذا حصل التفاضل فيستحب ليش؟ الإيثار لهذا. النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقوموا لسعد بن معاذ ليش؟ لأن هنا فيه سبب للتفضيل، يوجد سبب للتفضيل. ولهذا كان الصحيح في مسألة إيثار القربة التفصيل، الصحيح في إيثار القرب التفصيل. فمثلاً: الإبن مع أبيه، هل يقال: لا إيثار في القرب؟ ها؟ الطالب مع العالم، هل يقال: لا إيثار في القرب؟ وهكذا كذلك يعني إذا كانت هناك إمامة، فلا يقال: لا إيثار في القرب، بل ينبغي أن يتراجع ليقف كل إنسان مكانه الذي ينبغي أن يقف فيه. ومن قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم نأخذ هذا الأدب، صلى أبو بكر بالناس، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم والناس بالصلاة ماذا فعل أبو بكر؟ تراجع وهو يصلي بالناس، تراجع فقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فصار النبي صلى الله عليه وسلم الإمام والناس يأتمون بإمامة من؟ بإمامة أبي بكر، وأبو بكر عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، الناس يأتمون بإمامة أبي بكر، وأبو بكر يأتم بإمامة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من العمل بهذه القاعدة. وفيه كذلك أن هذا الدين دين عظيم، قد تناول من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة ما تدل على جماله وكماله ومحاسنه. وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.