تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 9

تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 9

الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير المؤمنين من المنافقين

تتحدث الآيات عن المنافقين وصفاتهم، ويحذر الله المؤمنين منهم ومن ولايتهم لغير المؤمنين. يبين المفسر معاني الآيات وصفات المنافقين.

درجات النفاق وصفات المنافقين العملية

يناقش المقطع درجات النفاق وصفات المنافقين، موضحًا أن النفاق ينقسم إلى اعتقادي وعملي، ويشرح صفاتهم مثل الحلف على الكذب والخيانة. المنافقون ليسوا على درجة واحدة.

عواقب المنافقين يوم البعث

يوم البعث هو يوم فضح المنافقين وتعذيبهم، حيث يحلفون لله كاذبين ويظنون أنهم سيفلحون. الله يبعث الإنسان على ما كان عليه من إيمان أو نفاق.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ألم تر إلى الذين تولوا قوما عظم الله عليهم ما هم منكم ولا منهم، ويحلفون على الكذب وهم يعلمون، أعد الله لهم عذابا شديدا، إنهم ساء ما كانوا يعملون، اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله، فلهم عذاب مهين، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء، ألا إنهم هم الكاذبون. قال المفسر رحمه الله: ألم تر تنظر إلى الذين تولوا، هم المنافقون، قوما هم اليهود، غضب الله عليهم، ما هم أي المنافقون منكم من المؤمنين ولا منهم من اليهود، بل هم مذبذبون، ويحلفون على الكذب، أي قولهم إنهم مؤمنون وهم يعلمون أنهم كاذبون فيه، أعد الله لهم عذابا شديدا، إنهم ساء ما كانوا يعملون من المعاصي، اتخذوا أيمانهم جنة، سترا على أنفسهم وأموالهم، فصدوا بها المؤمنين عن سبيل الله، أي الجهاد فيهم بقتالهم وأخذ أموالهم، فلهم عذاب مهين ذو إهانة، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله من عذابه شيئا من الإغناء، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. أذكر يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له أنهم مؤمنون كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا، ألا إنهم هم الكاذبون. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة سورة المجادلة، وما فيها من أحكام، وفي هذه الآيات ذكر شيء من أخبار وأحوال المنافقين، ولما ذكر الله عز وجل اليهود وما كانوا عليه من المكر، وكذلك التعامل بشيء من الكذب والخيانة وإبطان ما لا يظهرون، ذكر المنافقين، والمنافقون فيهم شبه من اليهود، ووجه شبههم أنهم يظهرون ما لا يبطنون. فذكر الله عز وجل في هذه الآيات المنافقين وما كانوا عليه، وفي هذا تحذير المؤمنين من المنافقين، كما سبق تحذيرهم من اليهود، وقوله سبحانه: «ألم تر» قال: تنظر، وقد تقدم معنى أن الرؤية غير النظر، فإن القاعدة اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالرؤية فيها معنى النظر وزيادة، وقد تقدم الكلام على هذا فيما سبق. وقوله: «إلى الذين تولوا» قال: هم المنافقون، وهذه صفة من صفات المنافقين الكثيرة، أن ولايتهم ليس لأهل الإيمان، وهكذا كل من كانت ولايته لغير المؤمنين، فقد شابه أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى والكافرين والمشركين والمنافقين، وهي علامة عظيمة من علامات العداوة لأهل هذا الدين. ولهذا كان من أعظم علامات أهل الإيمان الحب والبغض في الله، والولاء والبراء، أن يتولى أهل الإيمان والتوحيد والسنة، وأن يتبرأ مما ينافي ذلك من أهل الشرك والكفر والنفاق والبدع والضلالة، ولذلك صار النفاق درجات. فإن من والى العصاة وأهل البدع، ولو كان عنده أصل الإيمان، فإنه عنده شبه بالمنافقين، لأنه وافق ووالى أهل المعصية والبدعة على أهل الطاعة والتقوى والسنة، فصار النفاق نفاقان: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي، لأن وجود هذا الشبه جعل هذا الحكم. وقد جاء في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى ذلك في عدة أحاديث، فإن صفات المنافقين لا تنحصر بصفات المنافقين الاعتقادية، بل كذلك بعضها عملية، فمن فعلها ممن ينتسب إلى هذا الدين، صار فيه شبه في أعماله بالمنافقين، ومن ذلك الخيانة والكذب والغدر ونحو ذلك، كما جاءت به أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا»، وذكر بعض هذه الصفات. وقوله: «قوما» قال: هم اليهود، أي أن المنافقين تولوا اليهود، غضب الله عليهم، ما هم أي المنافقون منكم أي من المؤمنين، ولا منهم أي من اليهود، بل هم مذبذبون، وفي هذا دليل أن أهل النفاق لم يكونوا أهل كفر خالص. ولهذا كان الصحابة يخافون على أنفسهم من النفاق، وهم أبعد الناس عنه، ولكن لم يكن ذلك من فراغ، لأن بعض المنافقين حقيقة كان عندهم شيء من الإيمان، ولكنه إيمان ضعيف ناقص، وفيه شك، فالنفاق الاعتقادي درجات، كما أن النفاق العملي درجات، فلم يكن كل المنافقين على درجة واحدة، بل كانوا على درجات. ولذلك في وقت الرخاء يكون بعض المنافقين مع المؤمنين، وفي وقت الامتحان والبلاء يتميز أهل الصدق من أهل الكذب، وأهل اليقين من أهل الشك، وهذه الآية وآيات أخرى كثيرة، وأحاديث أكثر تؤكد وتبين وتوضح هذا المعنى. فيبين ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أن هؤلاء المنافقين ليسوا من المؤمنين لنفاقهم وشكهم، وليسوا من اليهود لأنهم ليسوا مثلهم في كفرهم وعقيدتهم، فلم يكونوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. قال: «ويحلفون على الكذب» أي قولهم إنهم مؤمنون، لعلمهم في قرارة أنفسهم أنهم ليس عندهم يقين، وأنهم يحقدون ويكنون العداء لأهل الإيمان، وهذه صفة أخرى من صفات المنافقين الحلف بالكذب، ولذلك صار من صفات المنافقين النفاق العملي الحلف بالكذب، فمن حلف على كذب ففيه خصلة من خصال المنافقين، ولو انتمى إلى هذا الدين. قال: أي قولهم إنهم مؤمنون، وهم يعلمون أنهم كاذبون فيه، أي في هذا الادعاء، لماذا؟ لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن عندهم من الشك، وكذلك عدم الصدق ما يكذب هذه الأيمان التي يحلفونها. وأشار في التعليق إلى حديث عن ابن عباس يحسنه بعض أهل العلم، وفيه وجه كذلك من أوجه كثيرة لمشابهة المنافقين لليهود، ومن ذلك اليمين الكاذبة، وقد أخبر في هذا الحديث عبد الله بن عباس عن حال بعض هؤلاء، وكيف أنهم حلفوا الأيمان الكاذبة إنهم لصادقون، وهم كاذبون، والله يعلم أنهم من الكاذبين. وقوله سبحانه: «أعد الله لهم عذابا شديدا، إنهم ساء ما كانوا يعملون» قال: من المعاصي، والصحيح أنه من النفاق وخصاله، العذاب الشديد عذاب المنافقين، إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، أشد العذاب للمنافقين، لما كان منهم من المكر والخيانة والكذب، ولذلك هم في أشد العذاب يوم القيامة، فشد العذاب ليس لأجل المعاصي، ولكن لأجل النفاق. اتخذوا أيمانهم جنة، وهذا يؤكد الآية التي قبلها، ويفسرها، أي اتخذوا الحلف وقاية، قوله: سترا على أنفسهم وأموالهم، الجنة أوسع من الستر، ففيه معنى الستر وزيادة، فهي فيها ستر ووقاية، فهم اتخذوا هذه الأيمان سترا يتسترون بها، ووقاية يهتفون بها من عقوبة الدنيا، حتى لا يكشفوا أنهم ليسوا من المؤمنين. ووجه ذلك أنهم يظنون أنهم إذا حلفوا هذه الأيمان صاروا من المؤمنين، ولأن أهل الإيمان يقبلون منهم هذا الحلف، وهذه هي طريقة المؤمنين تصديق من حلف بالله تعظيما لله، وفيه كذلك أن كل من اتخذ يمينه جنة فقد شابه المنافقين. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف في البيع والشراء، ولو كان الإنسان صادقا، لماذا؟ حتى لا يتخذ الحلف جنة لإنفاق بضاعته، يعني سترا ووقاية، فينفق البضاعة باليمين، فإذا أنفقها وهو كاذب استحق الإثم مرتين، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، أنه لا يجوز الحلف في البيع والشراء، وإذا حلف كاذبا في بيعه والشراء استحق الإثم مرتين، أولا لكذبه، وثانيا لكونه استخدم الحلف في بيعه والشراء. قال: «فصدوا بها» قال: بها المؤمنين عن سبيل الله، أي هؤلاء المنافقون استخدموا هذه الأيمان الكاذبة في الصد، أي الوقاية من العقوبة في الدنيا، وكذلك إبعاد أهل الحق عما يجب، قال: «عن سبيل الله» قال: أي الجهاد فيهم لقتلهم وأخذ أموالهم، لأنهم لو كانوا كفارا استحقوا هذه العقوبة في الدنيا، لكنهم جعلوا الأيمان الكاذبة تقيهم من ذلك، فلهم عذاب مهين، قال: ذو إهانة، أي في الآخرة، وكذلك عذابهم في الدنيا بهذه الشكوك التي تتعبهم، ويفضحهم الله عز وجل بها، كما فضحهم في هذه الآيات. وقوله سبحانه: «لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا» قال: من الإغناء، يعني لا قليل ولا كثير، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، مصيرهم كمصير غيرهم من أهل النار المخلدون الذين يخلدون فيها، لأنه لا فرق بين المنافق والكافر، بل المنافق أشد كما تقدم. يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له، أي أنهم مؤمنون كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء، قال: من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا، هذه طريقتهم، ويبعث الإنسان على ما كان عليه، يظنون أنهم في الآخرة سيفلحون بالأيمان كما فعلوا في الدنيا، وما علموا أن الله فاضحهم ومعذبهم، ولهذا ذكر بهذا اليوم العظيم يوم البعث النشور، قال: «ألا إنهم هم الكاذبون»، أي هذه صفة أهل النفاق، فلا يقبل منهم، وهذا هو المقصود أن لا يقبل من المنافقين أيمانهم.