الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 13، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع باب "إذا نوى بالنهار صوما" مبيناً أن النية شرط لصحة الصوم مستدلاً بالآيات والأحاديث. وتجب النية قبل طلوع الفجر مع وجوب تعيينها لتمييز العبادات.
يكفي في صوم رمضان نية القلب دون التلفظ بها والتلفظ بدعة. أما صوم النافلة فيشترط له النية ويجوز إنشاؤها نهاراً قبل الزوال.
يناقش المقطع اشتراط النية قبل الفجر في التطوع ويرد استدلالات الجمهور بحديثي سلمة وعائشة. ويخلص إلى جواز استدراك النية نهاراً لمن لم يعلم بوجوب الصوم إلا بعد الفجر.
كان صيام يوم عاشوراء واجباً في بداية الإسلام وأمر النبي من لم يصمه بالإمساك بقية اليوم. ولم يأمرهم بقضائه لاحقاً وهذا هو الراجح.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. على باب: إذا نوى بالنهار صوما، وقالت أم الدرداء: صام عام، فإن قلنا: لا، قال: فإني صائم يومي هذا. فعلى أبي طلحة، وأبي هريرة، وأبي عباس، وخارجة رضي الله عنهم. قال رحمه الله: حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: أن من أكل فليتم صومه، ومن لم يأكل فلا يأكل. هذا الباب فيه إشارة إلى اشتراط النية لصحة الصوم، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، ومعلوم أن الصوم من أجل العبادات، فيشترط في العبادات أن تكون بنية. وأيضا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». ويقول الله عز وجل في شأن الصوم: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾، أي سيروه تاما، وهذا لا يكون إلا بنية. هذا لا يكون إلا بنية، فيشترط في الصوم أن توجد فيه النية، نية الصوم. وهذه النية تكون قبل الفجر، متى ينوي الصوم؟ يكون قبل الفجر، لأن الصوم محله ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فيشترط في صحة الصوم أن ينويه قبل طلوع الفجر. ويشترط أن يعين النية: إذا كان في رمضان، أو كان في قضاء، أو كان في كفارة، أو كان في نذر، فيشترط تعيين النية؛ لأن النية تميز العبادات عن العادات، وأيضا تميز العبادات بعضها عن بعض. وأيضا نحن في شهر رمضان يكفي في النية النية الأولى، نية حلوى القلب، فمن عزم على الصوم فإنه يكون قد نوى، فلا يشرع أن يتلفظ بنية الصوم كما يفعله كثيرا من الناس، هذه من البدع، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، بل يكفي أن ينوي بقلبه، ولا يشرع له أن يتلفظ بلسانه بما عزم عليه بقلبه. ويشترط يعني أيضا في صوم النافلة، يشترط فيه النية أيضا، صوم النافلة يشترط فيه النية. الإمام البخاري بوب: باب: نوى بالنهار صوما، ثم استدل بهذه الآثار على أن النية بالنسبة للصوم التطوع ممكن أن تكون في النهار. وهذه مسألة مختلف فيها، هذه مسألة مختلف فيها: هل يشترط في صوم التطوع أن ينوي له قبل طلوع الفجر، أو أنه يجزئ صوم التطوع بنية ينشئها في النهار قبل الزوال أو بعده؟ على اختلاف بين أهل العلم في ذلك. فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا بأس أن ينوي الصوم في التطوع ولو بعد طلوع الفجر. رجل أصبح في الصباح بدون نية الصوم، تعرفون توضأ وانطلق إلى المسجد، ثم مثلا قد يكون نام فاستيقظ الساعة التاسعة، فبدا له أن يصوم، بدا له أن يصوم، هل هذا مجزئ؟ هل هذا صوم مجزئ؟ الجمهور من أهل العلم على أنه صحيح ومجزئ. ما هو دليلهم؟ دليلهم حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم فقال لها: هل عندكم من طعام؟ قالت: لا. قال: فإني إذن صائم. ثم دخل عليها في يوم آخر فقالت له: أهدي لنا حيس، نوع من الطعام، فقال: أريني، فلقد أصبحت صائما، ثم أكل. فاستدل الجمهور بهذا الحديث على أن صوم التطوع لا بأس باستدراك النية أو بإنشاء النية ولو بعد طلوع الفجر، قبل الزوال أو بعد، على خلاف بينهم. واستدل أيضا بهذا الحديث الذي استدل به الإمام البخاري، وهو حديث سلمة بن الأكوع في شأن عاشوراء. ما هو وجه الدلالة من الحديث؟ وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أصبح صائما أن يتم صومه، ومن أصبح مفطرا أنه يمسك من ذلك الوقت، وكان صوم عاشوراء واجبا. هكذا استدل الجمهور. الراجح أن صوم التطوع لا بد فيه من نية قبل طلوع الفجر، لعموم الأدلة المتقدمة. والجواب عن حديث عائشة الذي يرواه الإمام مسلم، الذي تقدم ذكره: الجواب أنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينو الصوم قبل طلوع الفجر، لأنه جاء إلى عائشة وقال: هل عندك من طعام؟ قالت: لا. قال: فإني إذن صائم. قوله: فإني إذن صائم، لا يدل على أنه لم ينو الصوم، بل قد يكون قد نوى الصوم ثم عزم على الفطر، فجاء يبحث عن طعام فلم يجده فواصل الصوم. وأما حديث عائشة ففيه دلالة على أن من لم يعلم بالصوم الواجب إلا بعد مضي شيء من النهار، أنه لا بأس أن يستدرك النية ولو في شيء أو جزء من النهار. يعني مثلا اليوم لو ما علمنا، ليس هذا اليوم، أقصد الشهر، شهر رمضان، لو لم نعلم بدخول رمضان إلا في وسط النهار، كنا في بادية، أو كنا غافلين، سهرنا مع الإذاعات ولم يعلنوا برمضان إلا في ساعة متأخرة، وقد نمنا مثلا، أهل البيت قد ناموا، أو أهل المسجد ما شعروا، ما عرفوا إلا بعد صلاة الفجر، ومنهم من شرب، ومنهم من أكل، وأكثرهم لم ينو على الصوم، أخبروا بأن هذا اليوم هو رمضان الساعة التاسعة أو العاشرة أو في الظهر، فما الحكم؟ الجواب: أنهم ينوون الصوم في ذلك الوقت، ويكون صوم ذلك اليوم صحيحا، ولو كان في رمضان. ما هو الدليل؟ حديث عاشوراء، فقد كان صوم عاشوراء واجبا، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم من لم يمسك أن يمسك، ولم يأمرهم بالقضاء، مع أن صوم عاشوراء كان واجبا. فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم. نكتفي بهذا القدر، والحمد لله.