الدرس في شرح تسهيل الفرائض 2، علم الفرائض - حده - موضوعه - ثمرته - حكمه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع بتعريف علم الفرائض وأهميته، حيث يُعرّف بأنه العلم بقسمة المواريث فقها وحسابًا، ويُبين أهميته وفضله الكبير. يُعتبر علم الفرائض من العلوم الشرعية ذات الأهمية البالغة.
يتناول هذا الجزء أهمية تعلم علم الفرائض والحث عليه، ويشرح حكمه الشرعي كفرض كفاية وقد يصبح فرض عين في حالات خاصة، كما يبدأ في شرح الحقوق المتعلقة بالتركة.
يشرح هذا الفصل ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة، بداية من الحقوق المتعلقة بعين التركة مثل أرش الجناية والديون المرتبطة برهن، ثم ينتقل إلى الديون المرسلة وتوزيعها على الدائنين.
يتناول هذا الجزء أحكام الوصية والدين، حيث يُبين أن الوصية تبرع والدين حق واجب، لذا يقدم الدين على الوصية، ويشرح أحكام الوصية للوارث ولغير الوارث.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «تسهيل الفرائض»: «قال علم الفرائض...». قوله: «علم الفرائض» أي هذا مدخل لمعرفة علم الفرائض وما يتعلق به من مباحث مقدمة هذا العلم. وذكر الحد والموضوع والثمرة والحكم؛ لأن ذلك أهم ما يحتاج إلى ذكره في مقدمة هذا العلم. أهل العلم كثيرًا ما يذكرون في مثل هذا المقام بيتًا قاله محمد بن علي الصبان، ذكر فيه ناظم هذا البيت أو هذه الأبيات ما ينبغي الوقوف عليه في مقدمة كل علم يحتاج لتعلمه، فذكر عشرة مباحث، قال في نظمه: «إن مبادئ كل علم عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع والاسم والاستمداد حكم الشارع مسائل في البعض بالبعض اكتفى ومن در الجميع حاز الشرف» يروى عن محمد بن علي الصبان أنه نظم المباحث العشرة التي ينبغي أن يقف عليها لكل دارس لعلم من العلوم، وتسمى بمقدمات العلم أو مقدمة العلم. قال في نظمه: «إن مبادئ كل علم عشرة...» إلى آخره. فقد احتوت هذه الأبيات الثلاثة على عشرة مباحث هي من مقدمات كل علم ينبغي أن يدخل ويتعلم أن يطلع عليه. ونلاحظ أن الشيخ رحمه الله ذكر من هذه العشرة هذه الأربعة: الحد والموضوع والثمرة والحكم؛ لأن هذا أهم ما ينبغي الوقوف عليه في هذا العلم. أولًا؛ لأن السير بما سار عليه أهل العلم، أو الكثير من أهل العلم، بالالتزام بهذه العشرة المباحث وذكرها في مقدمة كل علم، ربما يكون فيه شيء من الملل على طالب العلم، مع ما فيه كذلك من التكرار، خصوصًا إذا كانت بعض تلك المباحث معلومة ومعروفة، فيكتفى بذكر ما يحتاج إلى ذكره، وما لا يحتاج إلى ذكره للعلم به أو لتكرار التنبيه، لا يعرج عليه. ولعله لهذا اكتفى شيخنا رحمه الله بذكر هذه المباحث الأربعة. أولها: الحد. قال رحمه الله: «حده: العلم بقسمة المواريث فقها وحسابًا». هكذا عرف شيخنا رحمه الله علم الفرائض بأنه العلم بقسمة المواريث فقها وحسابًا. وعرف بتعاريف أخرى. وبعضهم انتقد ما كان من التعاريف بهذا المعنى، وزعم أنه تعريف بالمعنى المصدري، وفيه شيء من الإجمال. والمقصود في التعاريف هو الإظهار والتوضيح، فلا يكتفى بهذا. واستحسن بعض أهل العلم تعريفًا آخر، قالوا: «هو علم يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث». علم يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث. وهذا التعريف وإن كان فيه شيء من التفصيل كما نرى، إلا أنه كذلك قد يقال فيه شيء من الإجمال؛ فلم يذكر فيه الحساب إلا أن يدخل ضمنًا. وكذلك يقال في التعريف الذي ذكره الشيخ، وما كان بمعناه مما ذكره أهل العلم، يدخل فيه العلم بمن يرث ومن لا يرث كذلك بالتضمين. فالمسألة في هذا واسعة. فالمقصود هو تقريب المعنى للناظر، وكذلك الواقف على مقدمة هذا العلم. فسواء قيل بالأول أو الثاني، فالأمر سهل. ولو قيل: «العلم بقسمة المواريث بالكتاب والسنة والإجماع فقها وحسابًا»، لا كان أحسن. إشارة إلى أن هذا الباب يقتصر فيه على ما ورد من الكتاب والسنة والإجماع. والأمر في هذا واسع. وأما معناه في اللغة، أي الفرائض، فقال بعض أهل العلم: «أن الفرائض جمع فرض». ولهذا اللفظ معاني كثيرة، حتى أوصلها بعضهم إلى أكثر من سبعة معاني. وأهم هذه المعاني: أن الفرض يأتي بمعنى الواجب، ويأتي بمعنى القطع والحز، فتقول: «فرضت له» وهكذا. ويأتي بمعنى التقدير، كما قال سبحانه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. وهذه المعاني الثلاثة أهم المعاني التي يدور حولها هذا اللفظ في هذا العلم. فهذا العلم يتعلق بما يقطع لكل وارث فرضا وتعصيبا، وما كذلك يقدر في القسمة، وهكذا ما فرضه الله، أي أوجبه، وقسمه في هذا الباب. وهذه المعاني الثلاثة، كما قلنا، تدور حول ما جاءت به الأدلة في هذا العلم، في لفظة الفرض أو الفرائض في هذا العلم. قال رحمه الله تعالى: «موضوعه: التركات، وهي ما يخلفه الميت من أموال وحقوق واختصاصات». ومعنى الموضوع يعني: في أي شيء يخوض هذا العلم؟ كما قال الناظم: «مبادئ كل علم عشرة، الحد والموضوع...» ينبغي أن تعرف الحد، وأن تعرف الموضوع، ما هو موضوع هذا العلم؟ موضوعه كما قال الشيخ: «التركات، وهي ما يخلفه الميت من أموال وحقوق واختصاصات». فالمقصود هو التركات. والتركات كما أشار الشيخ: أنه ما يخلف بعد الميت من هذه المعاني الثلاثة: أموال، وحقوق، واختصاصات. الأموال قد يكون عقار، قد يكون نقدين، قد يكون بهيمة أنعام، أو غير ذلك من الأموال المتنوعة. والحقوق كذلك له أو عليه، كما سيأتي معنا من مباحث هذا العلم، ما يتعلق بالتركة من ديون أو مؤن تجهيز، أو نحو ذلك. واختصاصات كذلك ما يختص، إما للميت، أو على الميت. وكل هذا يتعلق بهذا العلم، فموضوعه التركات، ويدخل في هذا المعنى هذه المعاني الثلاثة. قال رحمه الله تعالى: «ثمرته: إيصال كل وارث ما يستحقه من التركة، ومن ثم نعرف أهميته وحكمه». ثمرة هذا العلم كما قال: «إيصال كل وارث ما يستحقه من التركة، إن كان يعطى أو كان لا يعطى، أو كذلك إن كان يعطى فبفرض أو بعصبة، وكم الذي يعطى، كل ذلك هو ثمرة هذا العلم؛ حتى تصل الحقوق إلى أهلها». ثم قال رحمه الله: «ومن ثم نعرف أهميته وحكمه»، يعني نعرف أهمية هذا العلم. أهمية هذا العلم لماذا؟ لأنه إذا كان فيه إيصال الحقوق إلى ذويها، ووضع كل شيء في موضعه، فإذا هذا يدل على أهمية هذا العلم. وفي هذا إشارة منه رحمه الله إلى فضل هذا العلم، وهو الخامس الذي أشار إليه بقوله: «ونسبة وفضله والواضع». أما نسبة هذا العلم، فينسب أنه من العلوم الشرعية. وأما فضل هذا العلم، فقد جاء في فضله أدلة عامة وخاصة. أما الأدلة الخاصة، فأكثرها -إن لم يكن كلها- ضعيف، لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأكثر الفقهاء من ذكر تلك الأدلة، ولم يصح في ذلك شيء صحيح صريح، أي في فضل علم الفرائض. وأما ما جاء من عمومات، فكثيرة، منها: فضل العلم الشرعي، فيدخل في فضل العلم الشرعي، وفضائل العلم كثيرة، يدخل فيه تعلم الفرائض. ومن فضائل هذا العلم: أن الله عز وجل تكفل بقسمة هذه المواريث بنفسه، فيدل على عظم هذا العلم وأهميته. ومن ذلك: أن الله عز وجل، كما مر معنا في الآيات السابقات، وعد من أطاعه بالجنة، وتوعد من عصاه وتعد حدوده في هذا الباب بالنار، وهذا يدل على أهمية هذا العلم. وكذلك من هذه العمومات: الحث عليه، كقول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». ولا يمكن أن يلحق إلا لمن تعلم هذا العلم، ففي هذا ضمنًا الحث على تعلم علم الفرائض. وهكذا قصة ابن أبزى حين سأل عمر رضي الله عنه عبد الرحمن بن عوف: «من استخلف على أهل الوادي؟» أي وادي فاطمة، فقال: «ابن أبزى». قال: «مولى من الموالي؟» فقال: «إنه قارئ لكتاب الله، وعالم بالفرائض». فقال عمر رضي الله عنه: «إن الله يرفع بهذا...» الحديث. الشاهد: هذا يدل كذلك على فضل تعلم علم الفرائض وأهميته. قال رحمه الله تعالى: «حكمه: فرض كفاية، إذا قام من يكفي صار في حق الباقين سنة». وهذا هو المبحث الرابع الذي نبّه عليه من مقدمات هذا العلم: حكم هذا العلم، أي تعلمه. قال: «أنه فرض كفاية، إذا قام من يكفي...» أي قام من تعلم بهذا العلم من يكفي تعلمه. وننتبه لقوله: «من يكفي»؛ لأنه قد يقوم بتعلمه من لا يكفي تعلمه، من لا يكفي تعلمه. فإذا كان كذلك، فإنه يجب على المسلمين أن يجعلوا من يتعلم هذا العلم؛ حتى يحقق هذا الواجب في الناس، فهو من فروض الكفايات. وقوله: «في حق الباقين سنة» يعني: إذا أدي هذا الواجب الكفائي، صار تعلمه على الباقين سنة. وبه يسقط الإثم عن البقية. وإذا كان الأمر كذلك، ونحن لا نعلم في الحقيقة: هل أدي هذا الفرض، ووجد من يقوم بكفايته أم لم يكن؟ فعند ذلك قد يتعين على بعض طلبة العلم أن يتعلمه؛ لعدم علمه بأن هذا العلم قد كفي الناس فيه. فكيف إذا تحقق أن الناس لم يكفوا بهذا العلم؟ فإنه يتأكد هذا التعين. وكذلك يكون أمر الحث على تعلمه ماذا؟ من باب أولى. وقد نص بعض أهل العلم: أن بعض فروض الكفايات قد تصير في قضايا الأعيان على بعض الناس من فروض الأعيان. يعني: إذا علمنا أن مدينة ما أهلها يجهلون هذا العلم، وتمر بهم مسائلُه كثيرًا، ولا يوجد فيها من يتعلم هذا العلم، ومرجعهم في هذه المدينة طالب علم معروف، وهو مؤهل أن يتعلم هذا العلم، نص بعض أهل العلم: على أن من كان هذا حاله قد يتعين في حقه -ولا نقول فرض كفاية، بل فرض عين- أن يتعلم مثل هذا العلم، وأن يعان على تعلمه؛ لماذا؟ لأنه الوحيد الذي هو أهل أن يتعلم هذا العلم، فصار في حقه -ما دام الوحيد- فرض عين، يتعين عليه أن يقوم بهذا الواجب. وبهذا يكون الشيخ رحمه الله أكمل ما أراد ذكره من المباحث الخمسة التي هي من أهم ما يذكر في مقدمات هذا العلم. وإن أردنا أن نكمل الباقي على وجه الاختصار؛ حتى يتضح معنا البيت، فبقي ستة. فمما لم يذكره: نسبة هذا العلم، وتقدم أنه من العلوم الشرعية. وفضله وتقدم. وواضعه وهو الله سبحانه وتعالى. واسمه: يسمى بعلم الفرائض أو علم المواريث. واستمداده: في قوله: «والاسم والاستمداد»، فهو مستمد من الكتاب والسنة والإجماع. والحكم: حكم الشارع، هذا الذي ذكره. بقي قوله: «مسائل في البعض بالبعض اكتفى». مسائله: هو ما سيأتي ذكره إن شاء الله في أبواب هذا الكتاب، وما يذكره أهل العلم في أبواب هذا العلم، في كل باب من تفاصيل أحكام المواريث، هذه مسائل هذا العلم. فهذه عشرة مباحث ينبه عليها العلماء كثيرًا في مقدمة كل علم يراد تعلمه. وزاد بعضهم أمرًا بعد هذه العشرة، وهو شرف هذا العلم. وفي الحقيقة: يدخل هذا المعنى في فضله. قال شيخنا رحمه الله: «الحقوق المتعلقة بالتركة يتعلق بالتركة خمسة حقوق مرتبة بحسب أهميتها كالآتي». وفي قوله: «مرتبة بحسب أهميتها كالآتي» يدل أن الشيخ رجح هذا الترتيب. وقوله: «الحقوق المتعلقة بالتركة» سيأتي معنا إن شاء الله: أن هذه الحقوق متعلقة بهذا المتروك، وقد تقدم أنه مال وحق واختصاص. قال: «أولًا: مؤن تجهيز الميت من ثمن ماء تغسيله وكفنه وحنوطه وأجرة الغاسل وحافر القبر ونحو ذلك؛ لأن هذه الأمور من حوائج الميت، فهي بمنزلة الطعام والشراب واللباس والسكن للمفلس». ابتدأ شيخنا رحمه الله -كما ذكر غيره من أهل العلم- كثير من أهل العلم، خصوصًا من الحنابلة، يروّج الإمام أحمد تقديم مؤن تجهيز الميت في أول الحقوق المتعلقة بالتركة. وذلك أولًا؛ لأن عمومات الأدلة دلت عليه. ثانيًا؛ أن القياس الصحيح يقتضيه. أما عمومات الأدلة، فمنها: ما جاء في الصحيحين من حديث خباب في قصة مصعب بن عمير، وكيف أنه كفن في بردة لم تكفي ستره. قال البخاري رحمه الله: «كان الحميدي يحتج بهذا الحديث في الكفن؛ أنه من كل المال» يعني: أنه يقدم، وأنه يقدم من كل المال. فهذا استدلال بعض أهل الحديث بهذا الحديث على تقديم مؤن تجهيز الميت على غيره. بل إذا لم يكن للميت إلا ما يكفيه لتجهيز مؤنه، فيقدم هذا على غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل في شيء، فدل ذلك على هذا المعنى. ويؤيده حديث ابن عباس في الصحيحين في قصة الذي وقصته ناقته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يكفن في ثوبين. وهذا الأمر مع عدم الاستفصال يدل على تقديم مؤن تجهيز الميت على سائر الحقوق. ومعاني ذلك كذلك تؤيده -كما مر معنا- القياس الصحيح، كما قال الشيخ رحمه الله: «فهذه الحوائج للميت بمنزلة الطعام والشراب واللباس والسكن للمفلس». المفلس إذا أفلس، واجتمع عليه الغرماء، لا يأخذ الغرماء من هذا المفلس إلا ما زاد عن حاجته الضرورية. ما يأتون إلى من عليه الدين فيقولون: «اخلع ثيابك، تجلس عريانًا، ونأخذ ما عليك من ثياب». ما أحد يقول بهذا، لا بالشرع ولا بالعقل. ولو قال قائل بهذا لعد من المجانين. فإذا كان هذا في الحياة، فكيف بالممات؟ كيف يقال: أن الميت يحرم من مؤن تجهيز نفسه لأجل الديون أو غيرها؟ فهذا شيء مردود شرعًا، وكذلك فطرةً وحسًا وعقلًا. والقياس الصحيح -كما مر معنا- يقتضيه. وهذا هو الصواب، خلافًا لبعض الظاهرية، كابن حزم وغيره. فإن لم يترك شيئًا، فعلى من تجب هذه النفقة على هذه المؤن؟ ميت مات ولم يترك شيئًا. قال العلماء: «تجب على من تجب عليه نفقته في حياته». ولهم مثل الذي عليهم بالمعروف. واستثنى العلماء في هذه المسألة من تجب عليه نفقته في حياته، فتجب عليه بعد مماته، كالزوجة والأبناء القصر، يجب أن ينفق الرجل على زوجته في حياتها، وفي حياته، فإذا ماتت فيجب عليه كذلك أن يقوم بها، وكذلك أولاده القصر. قال رحمه الله: «ثانيًا: ثم الحقوق المتعلقة بعين التركة، كأرش جناية العبد المتعلق برقبته...». عندي: بالسين، وصوابه: بالشين، كأرش الذي عنده: بالسين، يصوب. كأرش جناية العبد المتعلق برقبته. والدين الذي فيه رهن. إنما قدمت على ما بعدها؛ لقوة تعلقها بالتركة، حيث كانت متعلقة بعينها. وعند إمام الثلاثة: مالك، وعند إمام الثلاثة: مالك، وأبي حنيفة والشافعي، تقدم هذه الحقوق على مؤن التجهيز؛ لأن تعلقها بعين المال سابق. وعلى هذا: فيقوم بمؤن التجهيز من تلزمه نفقة الميت إن كان، وإلا ففي بيت المال. وهذا القول -كما ترى- له حظ من النظر. والله أعلم. أشار شيخنا رحمه الله: أن الثاني من المتعلق بالترك من الحقوق: أرش الجناية، أرش الجناية جناية العبد المتعلق برقبته، والدين الذي فيه رهن. أما أرش الجناية: فهو المال المبذول في جناية، ما يكون فرقًا بين قيمة هذا الجزء المعتد عليه سليمًا ومعيبًا سليمًا ومعيبًا. ولهذا تفاصيل تذكر في كتاب الجنايات، وقد مرت معنا في دروس سابقة. وقوله: «كأرش جناية العبد المتعلق برقبته» تفريقًا بين إذا ما تعلق بذمة هذا العبد، أو تعلق بمال معين. فإذا تعلق بمال معين، فيأخذ من ذاك المال بعينه، إن وجد، أخذ، وإن لم يوجد فليس له شيء. بخلاف ما إذا تعلق بذمته، فيأخذ من كل ماله، سواء كان هذا المال عقارًا أو كان هذا المال نقدًا أو كان غير ذلك. وقوله: «والدين الذي فيه رهن» واضح. وقوله: «إنما قدمت على ما بعدها لقوة تعلقها بالتركة حيث كانت متعلقة بعينها»؛ لأن هذه الحقوق متعلقة بهذا المال المترك، فلذلك جعلت على هذا الوجه وهذا الترتيب. ثم ذكر الشيخ رحمه الله هاهنا: أن لإمام الثلاثة: مالك وأبا حنيفة والشافعي، قدموا هذا على الحقوق المتعلقة بمؤن التجهيز؛ لأن هذا متعلق بعين المال، ومؤن التجهيز ليس كذلك. وأشار الشيخ: أن هذا التعليل له وجه من النظر، لكن مع ذلك لم يقدمه الشيخ، وقدم الأول؛ لماذا؟ لأن الأول -كما تقدم معنا- هو الذي دل عليه الدليل، وهو الذي اقتضاه كذلك التعليل والقياس الصحيح، فالصواب هو تقديم مؤن التجهيز على مثل هذه الحقوق. قال رحمه الله: «ثم الديون المرسلة التي لا تتعلق بعين التركة، كالديون التي في ذمة الميت بلا رهن، سواء كانت لله -كالزكاة والكفارة، ومنها الحج إذا كان عليه حج- أم للآدمي -كالدين والأجرة وثمن المبيع ونحوها- ويسوى بين الديون بالحصص إن لم تفت ترك بالجميع، سواء كان الدين لله أم للآدمي، وسواء كان سابقًا أم لاحقًا». وإنما قدم الدين على الوصية؛ لما روى أحمد والترمذي وابن ماجة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إنكم تقرؤون من بعد وصية يوصي بها أو دين، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية». وهذا الحديث وإن كان في إسناده ما، قال: إلا أنه يعضده المعنى والإجماع. أما المعنى؛ فلأن الدين واجب على الميت، والوصية تبرع منه، والواجب أولى بالتقديم من التبرع. وأما الإجماع؛ فقد أجمع أهل العلم على تقديم الدين على الوصية. قال: «فإن قيل: فما الحكمة في تقديم الوصية على الدين في الآية الكريمة؟ فالجواب: أن الحكمة -والله أعلم- هو أن الدين واجب، والوصية تبرع، والتبرع ربما يتساهل به الورثة ويستثقلون القيام به، فيتهاونون بأدائه، بخلاف الواجب. والدين أيضًا له من يطالب به، فإذا قدر أن الورثة تهاون به، فصاحبه لن يترك المطالبة به، فجبرت الوصية بتقديم ذكرها -والله أعلم-». خلاصة هذا: الحق الثالث أن الشيخ رحمه الله ذكرها هنا: الديون المرسلة التي لا تتعلق بعين التركة، كالديون التي في ذمة الميت بلا رهن، سواء كانت لله -يعني كما قال: الزكاة والكفارة، وقلنا: الحج ونحوه- أم للآدمي -كالدين والأجرة، والقرض بمعنى الدين، والأجرة تكون عليه أجرة عامل أو نحوه، وثمن المبيع اشترى شيئًا بالدين ونحوها- فهذه تقدم، ولكنها لا تقدم على ما قبلها من مؤن التجهيز، ومن الحقوق المتعلقة بعين التركة؛ لأن الحقوق المتعلقة بعين التركة لها مال مخصوص، كأرش الجناية المتعلق برقبة العبد الجاني، لها مال مخصوص، والدين الذي فيه رهن، ما دام فيه رهن فله مال مخصوص، فهو يقدم. وما ليس له مال مخصوص، فإنه يكون من كل المال الباقي، فذاك يقدم على هذا. وكله يسمى ديونًا، لكن الديون تنقسم إلى قسمين: ديون لها عين مخصوصة، وهو الذي قال: «المتعلق بعين التركة». وديون ليس لها مال مخصوص، وهو الذي سميه الفقهاء وذكره الشيخ هنا: بالديون المرسلة. ثم ذكر الشيخ رحمه الله: أن أداء هذه الديون، أي المرسلة، إذا كثرت، فيسوى بين الديون بالحصص إن لم تفت ترك بالجميع. ومعنى استيفاء الديون بالحصص: أن يعطى كل واحد بحسب حصته. فمثلًا: لو كان الرجل عليه ديون كثيرة، أحدهم له مئة ألف، والآخر خمسين ألفًا، والآخر عشرة آلاف، وليس عند الرجل ما يفي هؤلاء مئة وخمسين وعشرة -كم صارت؟ مئة وستين- فليس عند الرجل ما يفي هؤلاء، وإنما عنده شيء يسير. نقول مثلًا: أن عند هذا الرجل خمسين ألفًا، فنسبة الأول بالنسبة للثاني: كم؟ الضعف. ونسبة الثالث بالنسبة للأول: كم؟ العشر. فيعطى الأول العشر، ويعطى الثاني خمسة أعشار الموجود، ويعطى الثالث أكثر من ذلك -يعني بحسب النسبة- فيتكون يعطاؤهم بحسب حصص كل واحد بالنسبة للمال. فإن لم يكن كل المال، فيعطى بحسب حصته، الذي له النصف يعطى نصف الموجود، والذي له العشر يعطى عشر الموجود، وهكذا. وقوله: «سَواء كان الدين لله أم للآدمي، وسواء كان سابقًا أم لاحقًا»؛ لأن الحقوق كلها تصير بعد الوفاة واحدة، كلها تصير بعد الوفاة واحدة في هذا المال، إلا الحقوق المتعلقة بعين التركة. فلو أن رجلًا مثلًا اشترى غزلًا من غزال، ولم ينسج هذا الغزل، لم ينسج هذا الغزل، ما زال غزلًا، فمات هذا الرجل، الغزال أولى بغزله. أما إذا صار هذا الغزل ثوبًا، فإن الجميع يشتركون في هذا المال؛ لأن عين مال الغزال غير موجود، وقد صار ثوبًا، فصار فيه جهد هذا الميت، كما نص عليه الفقهاء، وتدل عليه عمومات الأدلة. وقوله: «إنما قدّم الدين على الوصية» ذكر حديث علي، وتقدم معنا قريبًا: أن حديث علي في إسناده الحارث الأعور، وهو ضعيف، لكن له شاهد أن يؤيد معناه، في قصة أخي سعد بن الأطول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعدًا أن يفك دين أخيه، فقال: «إن أخاك محتبس بدينه». فقال: «أنه سدد كل الدين إلا امرأة ادعت دينارين، وأن ما معه من مال يريده نفقًا لعياله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها محقة»، وأمره أن يعطيها ما ادعت. والحديث رواه أحمد والبيهقي وابن ماجة بإسناد حسن، وحسنه العلامة الألباني في «الإرواء». فهذا الحديث يؤيد تقديم الدين على الوصية، وهو شاهد لحديث علي. ثم إن الشيخ رحمه الله من فقهه زاد تأييدًا بقوله: «أنه يعضده المعنى والإجماع» يعني معناه صحيح، عمومات الأدلة تدل عليه؛ لماذا؟ لأن الوصية تبرع، والدين حق واجب، فيقدم الحق الواجب على التبرع. والإجماع: أي إجماع الصحابة ومن بعدهم. ولا عبرة لمن شد فخالف في تقديم الدين على الوصية. فبيّن المعنى، قال: «لأن الدين واجب على الميت، والوصية تبرع» إلى آخره. ثم بيّن رحمه الله السبب الذي قدم لأجله ذكر الوصية على الدين في الآية، قال رحمه الله تعالى: «ثم الوصية بالثلث فأقل لغير وارث» يعني: الرابع من الحقوق المتعلقة بالتركة: الوصية، لقول الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ كما سيأتي إن شاء الله. قال: «فأما الوصية للوارث فحرام، غير صحيحة، قليلة كانت أو كثيرة؛ لأن الله قسم الفرائض، ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ والوصية للوارث من تعد حدود الله؛ لأنها تقتضي زيادة بعض الورثة عما حد الله له وأعطاه إياه، وهذا من جهة عموم النص والقياس الصحيح». ثم هو كذلك من جهة الدليل، قال: «وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». رواه الخمسة إلا النسائي، وقد أجمع العلماء على العمل بمقتضى هذا الحديث، وهو حديث صحيح باتفاق أهل العلم، وهو ظاهر الدلالة على ما أشار إليه رحمه الله: أنه لا تجوز الوصية لوارث. قال: «لكن إن أجاز الورثة المرشدون الوصية...» عندكم: المرشدون، أو الراشدون، المرشدون. طيب. قال: «الوصية لأحد من الورثة، نفذت الوصية؛ لأن الحق لهم، فإذا رضوا بإسقاطه سقط». ولحديث ابن عباس رضي الله عنه -ما قال- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة». رواه الدارقطني. وحديث ابن عباس هذا تقدم: معنى أنه فيه انقطاع، فهو من رواية عطاء الفرساني عن ابن عباس، ولم يدركه، لكن معناه صحيح، قد أيد بآثار ومراسيل؛ لأجلها حسن جماع من أهل العلم ما روي في هذا الباب؛ إذ ما روي في هذا الباب كثير يشد بعضه بعضًا، فيرتقي به إلى معنى الحسن. وهو كذلك يقتضيه عموم الأدلة، وكذلك القياس الصحيح. فإذا أجاز الورثة الراشدون أو المرشدون -معنى متقارب- هذه الوصية، فهو تنازل من ذوي الحق، وهم الورثة، وليس معناه أن الوصية نفذت، إنما نفذت بتنازل أهل الحق عن حقهم. قال: «وأما الوصية لغير الوارث فإنها تجوز وتصح بالثلث فأقل، ولا تصح بما زاد عليه؛ لأن الثلث كثير، فيدخل ما زاد عليه بالمضارة». ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». متفق عليه، وتقدم معنا قريبًا قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل الذي أعتق ستة أعبد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعتاق اثنين وإبقاء أربعة، فاستدل العلماء بهذا الحديث الصحيح: على أن الذي ينفذ من الوصية إنما هو الثلث لا زيادة. قال رحمه الله: «فإن أجاز الورثة المرشدون الوصية بما زاد على الثلث، صح ذلك؛ لأن الحق لهم، فإذا رضوا بإسقاطه سقط، قياسًا على المسألة الأولى، ولعموم الأدلة ومقتضى القياس الصحيح». قال رحمه الله: «وقد اختلف العلماء -رحمه الله- متى تعتبر إجازة الورثة الوصية للوارث أو بما زاد على الثلث؟ فالمشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابي: أنها لا تعتبر إلا بعد الموت، فلو أجازوا قبله لم تصح الإجازة، ولهم الرجوع. والراجح عندي: الإجازة إن كانت في مرض موت المورث، صحة، وليس لهم الرجوع. وإن كانت في غير مرض موته لم تصح، ولهم الرجوع. وهذا مذهب مالك، واختياره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ذكره في «بدائع الفوائد» صفحة كذا من الجزء الأول». ويؤيد هذا الترجيح الذي اختاره الشيخان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمه الله، وألمح إلى ترجيحه شيخنا رحمه الله: ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ فإنه إنما أراد أن ينفذ ذلك في مرض مخوف ظن أنه يموت به، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن لا يخرج إلا الثلث. ولهذا فرق العلماء بين الهبة والعطية في كتب الفقه، وجعلوا العطية تصرف المسلم في مرض مخوف، وأن حكمه كحكم ما يكون بعد الوفاة، فلا يتصرف في ماله إلا الثلث، لا يزيد على ذلك. وإذا كان كذلك دل على أن إذن الورثة في المرض المخوف كإذنهم بعد الموت، لا فرق؛ لأن الشرع سوى في المرض المخوف وما يكون بعد الموت في الحكم. ومقتضى ذلك التسوية كذلك في إذن الورثة وإجازتهم في المرض المخوف كإذنهم وإجازتهم بعد الموت سواء بسواء. وهذا كما دل عليه القياس الصحيح، ألمحت إليه الأدلة الصحيحة. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق. والله تعالى أعلم.