الدرس في جواهر البلاغة 129، الدرس التاسع والعشرون بعد المائة:من( الباب الثاني:في المجاز ... 8-والتقييد ثم الإطلاق ..فكان مجازاً مرسلاً بمرتبتين وكانت علاقته التقييد والإطلاق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش مفهوم المجاز وأصله في اللغة، ويبين أن المجاز مبحث محدث ليس له أصل في الكتاب أو السنة أو اللغة العربية. يوضح اختلاف أهل العلم في تعريفه وعدد الحقائق اللغوية.
يشرح العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ويوضح أن القرينة هي المانع من إرادة المعنى الحقيقي. يبين أنواع المجاز وعلاقاته المختلفة، مثل العلاقة اللفظية والحالية.
يناقش مفهوم المجاز اللغوي المفرد المرسل وعلاقاته المختلفة، مثل السببية والمسببية والكلية. يقدم أمثلة من القرآن الكريم واللغة العربية ويشكك في صحة اعتبار بعض العلاقات مجازًا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الملك، رحمه الله تعالى: الباب الثاني في المجاز. قال: المجاز مشتق من جاز الشيء يجوزه، إذا تعداه. سموا به اللفظ الذي نقل من معناه الأصلي، واستعمل ليدل على معنى غيره مناسب له. والمجاز من أحسن الوسائل البيانية التي تهدي إليها الطبيعة لإيضاح المعنى، إذ به يخرج المعنى متصفا بصفة حسية، تكاد تعرضه على عيان السامع. لهذا شغف العرب باستعمال المجاز، لميلها إلى الاتساع في الكلام، وإلى الدلالة على كثرة معاني الألفاظ، ولمحبتهم من الدقة في التعبير، فيحصل للنفس به سرور وأريحية. ولأمر ما كثر في كلامهم حتى أتوا، بكل معنى رائق، وزيّنوا به خطبهم وأشعارهم. وفي هذا الباب مباحث. قوله: الباب الثاني، يعني من هذه الأبواب المتعلقة بهذا العلم من علوم البلاغة، وهو علم البيان. فقد مر معنا أن علم البيان يتعلق بأصول وقواعد يعرف بها موارد المعنى. فهو علم يخوض في موارد المعنى الواحد، كيف ترد بطرق مختلفة، مع وضوح الدلالة على ما دلت عليه. فمر معنا المبحث الأول والباب الأول فيه، وهو في التشبيه. وذكر هنا الباب الثاني، وهو المجاز. وإذا تأملنا مباحث هذا الباب، وجدناه حقيقة يرجع للباب الذي قبله، وهو عبارة عن مبحث من مباحث التشبيه. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذا المبحث من المباحث الدخيلة على علم اللغة، لم يعرفه أهل اللغة الأولون. بل قيل: إن أول من أحدثه، أحدث لفظه واصطلاحه هم المعتزلة من أهل الأهواء. وقيل: أن أول من ذكره، أو ذكر لفظه هو أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقد كان أي أبو عبيدة معمر بن المثنى من أهل الأهواء الذين يحملون على أهل الإسلام، فضلا على أهل السنة. على أن بعض أهل العلم يرى أن ما ذكر في كتابات أبي عبيدة من لفظ المجاز، لم يرد به المجاز الذي اصطلح عليه أهل البلاغة من المتأخرين، إنما أراد المجاز، أي ما يجوز من اللغة، أي ما يجوز من اللغة. ومن تأمل ما نقل عنه في التفسير، وما ذكره في مواضع منه، وذكر فيه لفظ المجاز، إنما مراده ما يجوز من اللغة. ونحوه ما يروى عن إمام أحمد، رحمه الله، في بعض كتاباته، أنه ذكر المجاز، ليس مراده بالمجاز صرف اللفظ عن ظاهره كما سيأتي، ولكن مراده ما هو جائز ويجوز، وليس مصطلحا عليه عند المتأخرين من تعريف المجاز. ولهذا كان القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم أن مبحث المجاز، مبحث محدث، ليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة، ولا عند أهل العربية. فهو دخيل على علم العربية، لا أصل له لا في الشرع ولا في اللغة، ولا حتى في العرف. وكل ما ادعوا فيه المجاز، إنما هو تشبيه، إنما هو معنى من معاني التشبيه. وقد مرت معنا أقسام ومباحث كثيرة في التشبيه، ولا مانع أن تكون هذه المباحث من تلك المباحث وفروعها. ومن دافع بإثبات المجاز، وزعم أن رد المجاز إسقاط لباب ومبحث من مباحث اللغة، فهو في الحقيقة من المجادلة بالباطل، ومن كذلك الخلاف بغير حق. إذ لو أنصف ودقق وتمعن، لوجد أن حقيقة مباحث هذا الباب ترجع إلى أحد أمرين اثنين: إما أمر لا أصل له البتة، ويمكن الاستغناء عنه بتوجيهه بالتوجيه الصحيح كما سيأتي معنا إن شاء الله. ومبحث منه لا يخرج عن كونه من فروع وتفاصيل مبحث التشبيه، وكونه يلحق بباب التشبيه أولى من أن يزعم أنه مبحث منفصل. وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في مواضع من كتبه على القائلين بالمجاز من أوجه كثيرة. ورده الإمام ابن القيم، رحمه الله، في كتابه الصواعق، وهو موجود كذلك في مختصره، من أكثر من خمسين وجها. فليرجع إليه. فقوله: المجاز مشتق من جاز الشيء يجوزه، أي أنه مأخوذ من معنى الجواز. فهم يرون أن المجاز مبحث المجاز أخذ من تجاوز اللفظ من معناه الأصلي إلى معناه الذي وضع له بعد ذلك، وهو المجاز كما سيأتي معنا إن شاء الله. وهو كما سيأتي إن شاء الله ليس بصحيح، فيحتاج إلى دليل يبين ويبرهن أنه كان له أصل كذا، ثم استعمل في غيره مجازا بكذا. وهذا لا دليل عليه لا من الشرع ولا من اللغة ولا من العرف. وقوله: المجاز من أحسن الوسائل البيانية إلى آخر كلامه، فيقال: نعم، وإن قيل بأنه فيه حسن، فلا يعني ذلك أن له أصل بل هذا لأنه مبحث من مباحث التشبيه. وقد تقدم معنا أن في التشبيه شيء من البلاغة والبيان، فهو مبحث من مباحث هذا العلم من علوم البلاغة، علم البيان. وحتى على قول من يقول بإثبات المجاز، فإن القائلين بالمجاز استعملوا هذا العلم في صرف بعض النصوص عن ظواهرها، خصوصا في مباحث الأسماء والصفات، فعطلوا الأسماء والصفات عما تضمنته من معاني صحيحة، دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، بهذا الطاغوت المسمى بالمجاز، فصرفوا اللفظ عن ظاهره، وحملوا الألفاظ معاني لا يحتملها، لا شرعا ولا لغة ولا عرفا. وكما سيأتي معنا حتى على قول من يقول بالمجاز، فلابد للمجاز من علاقة وقرينة. فعلى قولهم بالمجاز، لو تنزل فقيل لهم: أين العلاقة والقرينة التي تدل على صحة ما ذهبتم إليه من صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر؟ فقولهم مثلا: استوى، استولى. فيقال لهم: أين القرينة والعلاقة؟ حتى لو قلنا بالمجاز تنزلا، ما هي العلاقة والقرينة التي تدل على صرف هذا اللفظ عن ظاهره؟ فبهذا يعلم أن قولهم باطل على كل الأوجه. وما أن الصحيح كما تقدم أن مبحث المجاز محدث. قال رحمه الله: المبحث الأول في تعريف المجاز، أنواعه. المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي. قوله: المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، هذا التعريف إلى آخره، على اعتبار أن الحقائق حقيقة واحدة، حقيقة لغوية. وقد اختلف القائلون بالمجاز في عدد الحقائق. فمنهم من جعلها حقيقة واحدة، حقيقة لغوية. ومنهم من جعلها حقيقتان، أو على حقيقتين: حقيقة لغوية وأخرى عرفية. ومنهم من جعلها ثلاث: لغوية وعرفية وشرعية. فعلى من قال بالحقيقة الواحدة، قال: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، أو ما وضع له يريدون في اللغة. وبعضهم يقول: اللفظ المستعمل في غير ما اصطلح عليه. فزيادة لفظة "ما اصطلح عليه" أو "باصطلاح التخاطب" هذا باعتبار أن الحقائق أكثر من واحدة. ولهذا بعضهم كما تقدم يقول: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فقط، يقف. وبعضهم يزيد: في اصطلاح التخاطب أو في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة، إشارة إلى أن التخاطب حقائق، فخطاب الشرع له حقيقة، وخطاب العرف له حقيقة، وخطاب اللغة له حقيقة. وهذا الاختلاف مما يؤكد لنا أن هذا المبحث من المباحث المحدثة. وقوله: لعلاقة مع قرينة، سيأتي معنا إن شاء الله معرفة العلاقة والقرينة. وفيه أنه لابد في كل مجاز من علاقة وقرينة، فلا مجاز بدون علاقة وقرينة. لكن يختلف معنى هذه العلاقة وهذه القرينة بحسب أنواع المجاز كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله: والعلاقة هي المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، قد تكون المشابهة بين المعنيين، وقد تكون غيرها. قوله: والعلاقة هي المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، يعني على قول من يقول بالمجاز، أن هناك حقيقة وهناك مجاز. فعلاقة المعنى وجود معنى بين اللفظ الحقيقي والآخر المجاز، هذا المعنى الذي بين هذين اللفظين ومعناهما هو ما يسمى بالعلاقة. وتستطيع أن تقول: هو السبب الجامع بين هذين الأمرين: الحقيقة والمجاز. ثم قال: قد تكون المشابهة بين المعنيين، وقد تكون غيرها. وهنا ينبغي أن نعلم أن المجاز عند القائلين بالمجاز ينقسم إلى قسمين: مجاز عقلي ومجاز لغوي. وسيأتي الكلام إن شاء الله على المجاز العقلي. والمجاز اللغوي ينقسم كذلك إلى قسمين: مجاز مفرد ومجاز مركب. وسيأتي إن شاء الله الكلام على المجاز المركب. والمجاز المفرد ينقسم إلى قسمين: مجاز مرسل ومجاز بالاستعارة. وسيأتي إن شاء الله الكلام على المجاز بالاستعارة. والمجاز المرسل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مجاز بالزيادة، ومجاز بالنقص، ومجاز بالنقل. فبالزيادة أي حصل المجاز بالزيادة شيء من اللفظ فيه، أي في الكلمة واللفظة. وبالنقص أي بنقص لفظة. وبالنقل أي بنقل اللفظ من حقيقته إلى مجازه. ويمثلون كثيرا للأول بقول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فيقولون: حصل هنا مجاز بالزيادة، ويزعمون أن الكاف ها هنا زائدة، أريد بها التأكيد. وأنه مجاز بالزيادة، أو لفظة "مثل" زائدة، أريد بها التوكيد. وهذا غير صحيح. بل يقال: هذا تعبير فصيح، سواء قيل: أنه أريد به التوكيد، فهو من المكملات اللفظية يزاد بها الفصاحة والبيان. وقد يكون كذلك على قول وتفسير بعض أهل العلم أن "مثل" ها هنا بمعنى وصف، فليس كمثله شيء، معناه ليس كوصفه شيء، مثل قول الله عز وجل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، أي وصف الجنة. فيأتي "مثل" بمعنى وصف. وقد تفسر "مثل" بمعنى ذات، أي ليس كذاته شيء. وهذا قد جاءت به اللغة والشرع كذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، ومعناه: فإن آمنوا بذات ما آمنتم به فقد اهتدوا. وكله معنى صحيح. فإذا قد يفسر ليس كمثله شيء، أي ليس كذاته شيء. فليس هناك شيء زائد يجوز حذفه، ويستغن عنه. وهو من مباحث المجاز كما زعموا. وحتى على من قال بالزيادة، وأراد بها التوكيد، فهو لا يجيز حذف هذه اللفظة، لأن بقاءها مما يكون به تحقق الفصاحة والبيان. وأما بالنقص، فيمثلون كثيرا بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿فَاسْأَلُوا الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، أي أهل القرية. فقالوا: هذا فيه مجاز بالنقص، وهو حذف. وحذفها هنا لفظة "أهل". فاسألوا القرية التي كنا فيها، أي على لسان إخوة يوسف، أي أهل القرية. ومثل: ﴿أَشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعَجْلَ﴾، أي حب العجل. فحذف لفظ "حب". وهذا كذلك يقال: ليس فيه شيء مما زعموا. بل لو قدر أولا أنه حصل حذف، فهذا الحذف قد جاء مثله كثير في مباحث اللغة، خصوصا إذا دل السياق على هذا المحذوف، فإنه قد يكون من الفصاحة والبيان. وكونه وجد شيء من الحذف، لا يعني ذلك إثبات وجود المجاز. بل يقال: هذا من الفصاحة، أي حذف بعض ألفاظ الكلام بقرينة تدل عليه، فليس هو من المجاز في شيء. ثم يقال: أن توجيه الخطاب للقرية، لا يراد بها الجدران والبنيان، وإنما يراد بها أهلها. فكأنه قال: اسألوا كل شيء، أي لتعلموا أنكم من الصادقين، أي من الصادقين. حتى لو كانت الجدران تتكلم لتكلمت، ولو كان البنيان يتكلم لنطق بأننا لم نكذب. فهذا فيه مبحث من المباحث المتقدمة، وليس فيه شيء مما يدل على صحة وجود مبحث المجاز. وهكذا الثالث بالنقل، يستعملون كثيرا لفظ "الغائط". فقالوا: استعمل من المكان المنخفض، وهو حقيقة له، إلى الخارج من الإنسان مجازا. وهذا كذلك معنى مدعاء لا دليل عليه. ولا مانع أن يكون قد حصل توافق في المسمى مع اختلاف المعنى. وهذا كثير في اللغة لوجود معاني التشابه والتقارب بينها. فيقال للمكان المنخفض: غائط وغاط. ولا مانع أن يكون الخارج من الإنسان له هذا المسمى كذلك. كما أن العين تطلق على المبصرة، وتطلق على الماء النابع، وتطلق على الذهب، وتطلق على الجاسوس. وزعم من زعم أنها في المبصرة حقيقة، وفي غيرها مجاز، يحتاج لدليل. بل يقال: أنها أطلقت على أحد أمرين: إما أن يكون فيها حقائق، واللغة واسعة، فقد تطلق اللفظ الواحد على أكثر من معنى لوجود تقارب وتشابه في ذلك. وهذا من باب المبالغة في البيان والفصاحة. وإما أن يكون هو مبحث من مباحث التشبيه، أي التشبيه البليغ. وذلك بأن حذف المشبه، وأبقي المشبه به، فزاد في البلاغة والبيان. فتسمية الجاسوس "عين" مبالغة في قيامه بعمله، لأن عمله يقوم على النظر بالتجسس. فهو مبحث من مباحث التشبيه. فلا يصح قول من يقول: أن حذف أو إلغاء هذا المبحث إلغاء لجزء من اللغة ومباحثها. بل يقال: يمكن توجيهها بأن ترجع إلى أماكنها الصحيحة، فهي من مباحث التشبيه. قال رحمه الله: فإذا كانت العلاقة المشابهة، فالمجاز استعارة. وإلا فهو مجاز مرسل. علمنا أن المرسل ثلاثة أقسام: بالزيادة والنقص وبالنقل، هكذا عندهم. فإذا كانت العلاقة، أي المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي المشابهة، فهذا هو المجاز المرسل الذي هو أحد قسمي المجاز المفرد. والمجاز المفرد هو أحد قسمي المجاز اللغوي كما تقدم. فإن لم تكن العلاقة المشابهة، فهو المجاز المرسل، وليس المجاز بالاستعارة. وعلاقة المجاز المرسل هو العلاقة بغير المشابهة. وقد يقولون ويعبرون: علاقته المجاورة، أو الملابسة، أو المناسبة. وكل هذا غير المشابهة كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال رحمه الله: قد تكون حالية كما سيأتي. قال: والقرينة، وهي المانع من إرادة المعنى الحقيقي، قد تكون لفظية، وقد تكون حالية كما سيأتي. فالقرينة هو المانع من حمل اللفظ على حقيقته. فقولهم مثلا: "زيد أسد" أو "جاء الأسد"، يريدون بزيد. قالوا: هذا من باب المجاز. مثلا "زيد جاء أسد يقاتل". فهنا جعلوا هذا من باب المجاز. فهنا توجد علاقة بين الحقيقة والمجاز، وهي الشجاعة. علم ذلك من لفظ "يقاتل". ووجدت قرينة كما زعموا، منع من حمل اللفظ على ظاهره، وذلك لأن القتال المراد به ههنا قتال الإنس، وهذا ليس للحيوان المفترس. فهذا مانع من إبقائه على حقيقته. فإذا هذا مجاز. فعلى من يقول بالمجاز لابد لكل مجاز من علاقة وقرينة. فعلى هذا لو تنزل، فإنه يقال لمن حرف مباحث الصفات: ما هي العلاقة والقرينة التي تجيز لكم صرف هذا اللفظ عن ظاهره؟ مثلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قالوا: استولى. من أين لكم أنه هنا مجاز؟ ما هي العلاقة وما هي القرينة؟ لا جواب لهم. وإن وجد فهو جواب بالتكلف. فعلم بهذا أنه من الافتراء والكذب على نصوص الشرع. هذا لو قدر أن مبحث المجاز له أصل. ويقال: لابد لكل مجاز من علاقة وقرينة. وعلى القول الصحيح أنه لا وجود للمجاز لا في الشرع ولا في اللغة، فيبطل أكثر وأكثر. فهنا مثلا يقال له: من أين علمتم أن "الأسد" يطلق على الحيوان المفترس حقيقة، وفي الإنسان مجاز؟ هذا لا دليل عليه لا من الشرع ولا من اللغة. ولو تنزل وقيل: نعم. لقيل: أن إطلاق "الأسد" هو من باب التشبيه الذي تقدم الكلام عليه في المبحث المتقدم. هو من باب التشبيه، وهو من التشبيه البليغ، بل أبلغ من البليغ. وليس فيه شيء مما يدل على المجاز الذي زعمتموه. فإذا القرينة هو المانع من إثبات المعنى الحقيقي، وصرفه إلى المعنى المجازي كما تقدم في المثال. قال: وينقسم المجاز إلى أربعة أقسام: مجاز مفرد مرسل، ومجاز مفرد بالاستعارة، ويجريان في الكلمة. ومجاز مركب مرسل، ومجاز مركب بالاستعارة، ويجريان في الكلام. وهذا التقسيم كما ترون فيه شيء من التسامح. وإلا في الحقيقة فالمجاز ينقسم كما تقدم إلى قسمين: عقلي ولغوي. واللغوي ينقسم إلى قسمين: مفرد ومركب. والمفرد ينقسم إلى قسمين: مرسل واستعارة. فإذا لا ينقسم المجاز إلى أربعة أقسام بهذا الاعتبار. بل الصحيح أن المجاز المفرد هو أحد قسمي المجاز اللغوي، وهو ينقسم أي المجاز المفرد إلى قسمين: مجاز مرسل ومجاز بالاستعارة. والمجاز المرسل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: بالزيادة أو النقص أو النقل. والمجاز بالاستعارة سيأتي معنا الكلام عليه. قال: ومتى أطلق المجاز، إن صرف إلى المجاز اللغوي. وهذا كما تقدم على قول القائلين أن الحقيقة واحدة، وهي الحقيقة اللغوية. وعلى قول من يقول أن الحقائق أكثر من الحقيقة اللغوية، فيتنقسم عندهم إلى قسمين أو ثلاثة. فإما أن يجعلوها حقيقة لغوية وعرفية، أو يزيدون: لغوية وعرفية والثالث شرعية. قالوا: أنواع المجاز كثيرة، أهمها المجاز المرسل، وهو المقصود بالذات. وسيأتي مجاز يسمى المجاز العقلي، ويجري في الإسناد. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. قال: المبحث الثاني في المجاز اللغوي المفرد المرسل وعلاقاته. وهذا النوع من المجاز كما تقدم معنا هو أحد قسمي المجاز اللغوي، أي المفرد. ثم المفرد ينقسم إلى قسمين: إما مرسل وإما باستعارة. والآن الكلام على المرسل. وتقدم معنا أن المرسل علاقته المجاورة أو الملابسة أو المناسبة، ليس المشابهة. وأما المشابهة فهي علاقة المجاز والاستعارة كما سيأتي. قال: المجاز المفرد المرسل هو الكلمة المستعملة قصدا في غير معناها الأصل، لملاحظة علاقة غير المشابهة. وهي كثيرة كما سيأتي. وغالبا في هذه الأقسام المذكورة تذكر. وبعضهم يزيد أو ينقص، لكن هذا هو الأكثر الغالب الأعم. وبمعنى أعم يقال: ما كانت علاقته المجاورة، أو إن شئت قل: الملابسة، أو إن شئت فقل: المناسبة. وفي كل ذلك ليس المشابهة. ولابد لكل مجاز كما تقدم من علاقة وقرينة. علمنا معنى العلاقة وعلمنا معنى القرينة. قال: وله علاقات كثيرة، أهمها السببية، وهي كون الشيء المنقول عنه سببا ومؤثرا في غيره. وذلك فيما إذا ذكر لفظ السبب، وأريد منه المسبب. نحو: رعة الماشية الغيث، أي النبات. أي النبات لأن الغيث، أي المطر سبب فيه. وهذا إذا أطلق يكون من مجاز النقص من مجاز النقص. فهو مجاز مرسل بالنقص. كأنه قال: رعة الماشية نبات الغيث. فإذا قيل ذلك يقال: ليس هنا "الغيث" لفظ أطلق على المطر أصلا وحقيقة، وأطلق على النبات. وأطلق على النبات مجازا. بل لو قيل بهذا التعبير لكان فيه شيء من التكلف والإدعاء على اللغة بغير حجة ولا برهان. فلو فتشوا قواميس اللغة لما وجدوا لا من قريب ولا من بعيد أن "الغيث" يطلق على النبات أبدا. ما أحد يسمي "الغيث" النبات "غيثا". ليس هذا له أصل لا في الشرع ولا في أشعار العرب ولا في غيره. ولكن لو قيل: أنه حصل ههنا حذف دل عليه السياق، والحذف مما يجوز في اللغة إذا دل عليه السياق. وبهذا يعلم أن الدعاء المجاز فيه من الكذب. فرعة الماشية الغيث، نقول: رعة الماشية الأصل نبات الغيث، لأن النبات هذا سببه ماذا؟ الغيث. فحصل ههنا حذف. وليس هناك شيء مما يدعى فيه المجاز. وقرينته لفظية، وهي "رعت". لأن العلاقة تعتبر من جهة المعنى المنقول عنه. والقرينة كما تقدم هو المانع. كما تقدم يقال: حتى لو تنزل فقيل أن هذا مجاز، فلكل مجاز علاقة وقرينة. والصحيح أنه لا وجود للمجاز. بل ها هنا حصل حذف. وإلا فلا يعرف في اللغة أن "الغيث" يطلق على النبات. قال: ونحو: لفلان علي يد، تريد باليد النعمة، لأنها سبب فيها. وهذا كذلك من القسم الذي وقع فيه حذف ونقص. فكأنك قلت: لفلان علي نعمة من يده. ويقال فيه كما سبق. وكونه يأتي في اللغة التعبير باليد للنعمة، فهو من هذا الباب. وليس هناك ما يبرهن أنه أطلق "اليد" وأريد بها الجارحة حقيقة، والنعمة على وجه المجاز. فهذا لا أصل له لا في الشرع ولا في اللغة. قال: الثاني والمسببية، وهي أن يكون المنقول عنه مسببا وأثرا لشيء آخر. وذلك فيما إذا ذكر لفظ المسبب، وأريد منه السبب. نحو: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، أي مطرا يسبب الرزق. يريد أن المطر هو سبب الرزق. فهنا حصل مجاز بالنقل، نقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر فرعي. وهذا كذلك غير صحيح. ويمثلون كذلك بقول الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فيقولون: المراد به السلاح، فهو يسبب القوة والمنعة، أي يحدث القوة والمنعة. والصحيح في هذين المثالين وغيرها مما يدعى فيه هذا، أن يقال: لا دليل على هذا الأمر المدعى أنه كان أصل في كذا، وصار فرع ومجاز في كذا. بل هذا من التعبير باللفظ العام، المراد به شيء خاص. فالمطر من رزق الله. وهكذا كذلك السلاح من القوة. وهذا كثير في اللغة أن يطلق العام ويراد به الخاص. قال: الثالث والكلية، وهي كون الشيء متضمنا للمقصود ولغيره. وذلك فيما إذا ذكر لفظ الكل، أريد منه الجزء. نحو: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، أي أناملهم. والقرينة حالية، وهي استحالة إدخال الأصبع كله في الأذن. ونحو: شربت ماء النيل، والمراد بعضه، بقرينة "شربت". وهذا يقال فيه كما قيل قبل: أنه قد يذكر الكل ويراد به البعض. وهذا كثير في اللغة، فليس هو من المجاز في شيء. ولكن لأجل أن نفهم هذا المبحث على قول من يقول بالمجاز، زعم أن ظاهر اللفظ يدل على أن الأصبع كلها دخلت. وهذا مجاز، يعني مبالغة في المعنى. فالمانع من حمل هذا اللفظ على ظاهره هي الاستحالة، استحالة الدخول اليد أو الأصبع كلها في الأذن. فصار هذا كما زعموا سببا الدعاء به المجاز في هذا الموضع. وليس كذلك، بل الصواب يقال: لا مجاز ولا وجود للمجاز ها هنا. بل معنى الآية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، أي من شدة لما أصابهم، بالغوا في إدخال أصابعهم في آذانهم. حتى لو استطاع أحد أن يدخل إصبعه كله لفعل. لكنه لا يستطيع. فهذا من المبالغة في المعنى، وهو من ذكر الكل والمراد به البعض. لا مانع من هذا. ولكن ذكر بهذا السياق من باب المبالغة في إثبات المعنى. وهكذا يقال في: شربت ماء النيل، أي من ماء النيل. وهذا كثير في اللغة أن يحصل حدث حرف الجر. قال رحمه الله: الرابع والجزئية، أي أن تكون العلاقة الجزئية هي كون المذكور ضمن شيء آخر. وذلك فيما إذا ذكر لفظ الجزء، ويريد منه الكل. مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ونحو: نشر الحاكم عيونه في المدينة، أي الجواسيس. فالعيون مجاز مرسل علاقته الجزئية، لأن كل عين جزء من جاسوسها. والقرينة الاستمالة. وهكذا المثالون بقوله جل وعلا: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي صلي. ولا تقم فيه أبدا، أي لا تصلي. وذكروا لهذا شروط. فاشترطوا أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا، حتى يحصل معنى الجزئية فيه. أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا. والشرط الثاني: أن يستلزم انتفاء الجزء انتفاء الكل. أن يستلزم انتفاء الجزء انتفاء الكل. فبه يعلم إثبات معنى علاقة الجزئية. مثل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فانتفاء الرقبة انتفاء للعثق مطلقا. ومثله كذلك "العين" للجاسوس، انتفاءه انتفاء لوجوده. وهكذا كذلك في: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهكذا يقال ها هنا كذلك: الصحيح لا وجود للمجاز. بل هذا من إطلاق البعض والمراد به الكل. وهذا كثير في اللغة. أو يقال كذلك في بعض الأمثلة مثل لفظ "العين" للجاسوس، أن المراد به لفظ على ظاهره. فإن هذا اللفظ يطلق على أكثر من مسمى، وذلك من هذا الباب من باب ذكر البعض والمراد به الكل أحيانا. قال: واللازمية، يعني من العلاقات للمجاز المفرد المرسل. قال: هي كون الشيء يجب وجوده عند وجود شيء آخر. نحو: طلع الضوء، أي الشمس. فالضوء مجاز مرسل علاقته اللازمية، لأنه يوجد عند وجود الشمس. أي يلزم من وجود الضوء وجود الشمس. والمعتبر هنا اللزوم الخاص، وهو عدم الانفكاك. فلا ينفك الضوء عن الشمس. وهذا كذلك يقال كما قيل فيما سبق: فهو من ذكر البعض والمراد به الكل. بل قد يكون حقيقة بذكر البعض. فضوء الشمس يطلع قبل الشمس، أليس كذلك؟ ها الجواب: بلى. ضوء الشمس يطلع قبل طلوع الشمس. فنحن نرى آثار ضوء الشمس من بعد الفجر، بينما لا نرى الشمس إلا عند شروقها. وكم من الوقت بين رؤيتنا للضوء وبين رؤيتنا للشمس؟ فإذا هذا الزعم الذي زعموه غير صحيح، أي أنه مجاز. بل هو حقيقة. طلع الضوء، أي الضوء حقيقة. والشمس إنما سيكون طلوعها بعد ذلك. قال: السادس والملزومية، هي كون الشيء يجب عند وجود شيء آخر. نحو: ملأت الشمس المكان، أي الضوء. فالشمس مجاز مرسل علاقته الملزومية، لأنها متى وجدت وجد الضوء. والقرينة "ملأت". أي الشمس هذا على من يقول بالمجاز. والصحيح كذلك أنه لا مجاز. بل هو حقيقة. فملأت الشمس المكان، أي بوجودها وبأثرها. ولا مانع من أن يحمل على حقيقته، لأن الضوء من آثار الشمس. قال: السابع والآلية، هي كون الشيء واسطة لإيصال أثر شيء إلى آخر. وذلك فيما إذا ذكر اسم الآلة، وأريد الأثر الذي ينتج عنه. نحو: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، أي ذكرا حسنا. فلسان بمعنى ذكر حسن، مجاز مرسل علاقته الآلية، لأن اللسان آلة في الذكر الحسن. وهذا على قول من يقول بالمجاز. والصحيح أنه حقيقة. ولا مجاز. فيأتي التعبير ب "لسان الصدق" للثناء والذكر الحسن. وهذا من التعابير العربية الفصيحة. وإن شئت فقل: هو معنى من معاني التشبيه. فشبه الذكر الحسن بلسان الصدق. وقد تقدم معنا مباحث التشبيه بما يغني عن تكلف ادعاء المجاز في مثل هذا السياق. قال: الثامن التقييد ثم الإطلاق، هو كون الشيء مقيدا بقيد أو أكثر. نحو: مشفر زيد مجروح. فإن "المشفر" لغة شفة البعير، ثم أريد هنا مطلق شفة. فكان في هذا من قول عن المقيد إلى المطلق. وكان مجازا مرسلا علاقته التقييد ثم الإطلاق. ونقل من مطلق شفة إلى شفة الإنسان، فكان مجازا مرسلا بمرتبتين. وكانت علاقته التقييد والإطلاق وضح على قول من يقول بالمجاز. زعموا أن "المشفر" في اللغة يطلق على شفة البعير حقيقة. وإطلاقه على غيره مجاز. وهذا الادعاء غير صحيح. ولا دليل عليه. بل يقال: هذا مبحث من مباحث التشبيه. فإنهم يشبهون الشفة إذا عرضت بأنها "مشفر" أي كشفة البعير. فهذا مبحث من مباحث التشبيه. فلا يقال لمن شفته صغيرة أنه له "مشفر". إنما يقال له "مشفر" لمن شفته عريضة. ولهذا يكثر في شعر الذم والهجاء، كأشعار الفرزدق وغيره، الذم بهذا أي بكبر "المشفر". وتسمية ذلك ب "مشفر" للشفة للإنسان إذا أريد ذمه. فالشاهد إنما قيل "مشفر" لشفة الإنسان من باب التشبيه. فليس فيه شيء من المجاز. فقوله: "مشفر زيد مجروح" أبلغ من قوله: شفة زيد مجروحة. لماذا؟ لأنه أثبت الشفة وزيادة، وهو ماذا؟ غلظها. وهو غلظها. ولهذا يتبادر إلى الذهن كثيرا في مثل هذا السياق أن المجروح هي الشفة العليا والسفلى، لأن السفلى غالبا أغلب من العليا.