الدرس في جواهر البلاغة 12، الدرس الثاني عشر:من( فصاحة المتكلم ... بصيراً بالخوض في جهاته ومناحيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بتعريف الفصاحة وشرح شروطها، مثل تجنب تنافر الكلمات وتتابع الأفعال بدون عطف. كما يشير إلى أهمية معرفة اللغة العربية وسماعها في اكتساب الفصاحة.
يتناول المقطع أمثلة من الشعر العربي التي توضح التعقيد في تركيب الجمل وتأثيرها على فهم المعنى. يُظهر آراء النحاة حول جواز هذه التراكيب في الشعر.
يتطلب اكتساب الفصاحة معرفة باللغة العربية وسماعها وكثرة الإطلاع على كتب الأدب والشعر العربي. كما تُعرّف الفصاحة بأنها الملكة التي تمكن المتكلم من التعبير عن المقصود بكلام فصيح.
يتناول المقطع موضوع فصاحة المتكلم كجزء من مناقشة أوسع حول هذا الموضوع، ويختتم بقول إن شاء الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. معنا في الدرس الماضي الكلام على فصاحة الكلمة وفصاحة الكلام. ومما مر معنا في فصاحة الكلمة أنها تكمن في الخلوص من أربعة أشياء. ما هذه الأمور الأربعة؟ نعم، قلنا: من غرابة، تنافر الحروف. نعم، الوضع أحسنها عدم مخالفة الوضع. هذه أربعة أمور مرت معنا. طيب، بالنسبة لفصاحة الكلام، عندي من وضع أحسنها... نعم، نعم، وضع في التالي. طيب، ومر معنا كذلك أنه أضيف إلى هذه بعض الأشياء التي ذكرها بعض أهل العلم، وهي بمعنى هذا الكلام جملة، ولكن من أراد زيادة التفصيل فإنه يذكر مثل ذلك. فمما مر معنا وأضيف في تنافر الكلمة... نعم، من يذكر شيئًا؟ نعم، وهذا الأفعال غير عطف، لا، أولًا بالكلمة، بعدها نرجع بالكلام. هذا بالكلام بمعنى المذكور، لكن على وجه التنصيص منها الكلمة فصحة. فما هي؟ لا تصلح لمن يريد فصاحة الكلام، وإن استخدمت عند بعض عامة الناس. إذا أكونت العكس، يعني أن التنمية في أصلها فصيحة، نعم، لكن أنها غير متداولة عند عامة الناس، فلا يصدر الاستخدام عند عامة الناس. نعم، هذا ما يسمى بوحشي اللغة. نعم، استخدام وحشي اللغة، وهذا يدخل فيما سبق من غرابة، لكن من باب التنصيص. كذلك العكس، ألا تكون الكلمة مبتذلة، كما مر معنا. فإن الكلام المبتذل كذلك من الغريب، والمراد بالغرابة عدم استحسان استعمال مثل هذه الكلمات. طيب، ومما مر معنا كذلك في فصاحة الكلام وأضيف تعاقب الأدوات، كما قال أخونا يوسف. كذلك، نعم، نعم، تتابع الأفعال من غير عطف. كذلك تتابع الأفعال... تتابع الأفعال يعني بيت كثير لكثير الجلدات. ونحن ذلك. نعم، هذا مثال في وضعه في غير محله. نعم، نسميه لصيحة الكلام. نعم، يعني وضعه الشيء في غير موضعه. وهذا قد يعبر عنه بالمعاضلة، كما مر معنا في بيت ابن بابك: أن يكون في الكلام نوع من التراكب في اللفظ أو في المعنى. ومنه كذلك تتابع الصفات، وهذا مما أكثر منه المتنبي، كما مر معنا في قوله: «دان، بعيد، محب، مبغض، مبهج، أغر، حلو، أمر، لين، شرس». طيب. من التطبيق، قال رحمه الله تعالى: تطبيق بين العيوب التي أخلت بفصاحة الكلام فيما يأتي. قال: «لك الخير غيري رام من غيرك الغنى، وغيري بغير اللازقية لاحق». نعم، ما هو الذي أخل بفصاحة الكلام ها هنا؟ قاله في التعقيد اللفظي. نعم، حيث التركيب أنا غير موفق، أنا غير مرتب. حسب التعقيد المعاني، وكذلك تكرار المحل. يعني لاحظ كم مرة ذكر «الغير»: غيري رام من غيرك، وغيري بغير اللازقية لاحق. أربع مرات، وهذا يعطي شيء من التعقيد في فهم الكلام. والبيت للمتنبي. طيب، قال: «وزورّ من كان له زائرًا، وعاف عاف العرف عرفانه». نعم، تنافر الكلمات، تكرير أيضًا. نعم، تكرير اللفظ مع ثقل في النطق: «وعاف عاف العرف عرفانه». وتقارب المخارج، كما مر معنا في الكلام المتقارب أو في الكلمة المتقاربة أو الكلمات المتقاربة مما ينافي الفصاحة لثقل النطق. وهكذا كذلك لعسر الفهم. لا أظن ما يريد هو من العفو، يريد من المحو، من المحو. عاف الأثر إذا ذهب وزال، كأنه يريد هذا. والبيت للحريري، ذكره في مقاماته. وذكر صاحب المثل السائر أن فيه ثقل وتكرار وإنحو ما ذكر. قال: «أنّا يكون أبى البرايا يا آدم وأبوك والثقلان أنت محمد». طعن حتى في الأنبياء، كل هذا لأجل دريهمات. نعم، والبيت لأبي الطيب المتنبي. الشاهد أي شيء نعم. ففي شيء من التقديم والتأخير، تقديره: أن يكون آدم أبو البرايا، وأبوك محمد، يعني فأنت الممدوح أو أنت كذا. قال: «ومن جاهل بي وهو يجهل جهله، ويجهل علم أنه بي جاهل». نعم، كثرة التكرار، فذكر لفظ الجهل خمس مرات، مع ما فيه من ضمائر أورث شيء من التعقيد. والبيت كذلك للمتنبي. قال: «وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا، قلاقيل هم كلُّهنَّ قلاقل». نعم، كذلك نعم، كثرة التكرار، وكذلك تقارب مخارج الحروف في الكلمات المتقاربة. انظر: «بالهم» أمي «هم» كلهم، و«قلقلت» كررها أربع مرات في بيت واحد. قال: «وما مثلُهُ في الناس إلا مملكًا، أبو أمِّهِ حيٌّ، أبوه يُقاربُهُ». نعم، شاهد تعقيد. نعم، فيه شيء من التعقيد. والبيت للفرزدق، يمدح إبراهيم بن هشام. التعقيد أن الكلام فيه تقديم وتأخير، هو الآن يمدح: «وما مثلُهُ في الناس إلا مملكًا، أبو أمِّهِ حيٌّ، أبوه يُقاربُهُ». فالكلام المقصود منه يعني ذكر شيء من صفات الممدوح فيه، كون أنه يؤخر الصفات ويقدم المخالفة أوجب شيء من التعقيد. وذكر هذا كذلك مما فيه شيء من المعاضلة، وأن فيه من الكلام ما ينبغي تركه، وجاء على خلاف السجية، كما ذكره صاحب صبح الأعشى. طيب، قال: «إلى ملك ما أمه من محارب أبوه، ولا كانت كليب تصاهره». كذلك نعم، نعم، فيه شيء من التعقيد كذلك. نعم، تعقيد وضعف التأليف. «إلى ملك» أو «إلى ملك»... يريد أنها ليست من هذه القبيلة. «أبوه ولا كانت كليب تصاهره». والآن «أبوه» عوده على أي شيء؟ فهذا أوجب شيء من التعقيد. والبيت كذلك للفرزدق. قال: «ليس إلاك يا علي همام سيفه دون عرضه مسلول». نعم، خلاف الوضع الأصلي. نعم، إلا أنت. وبعضهم أجاز هذا بالشعر، وسمع شيء من أشعار العرب نحو ذلك. كيف لا، لاثنان فيه خلاف الوضع، وتعقيد فيه ضعف في التأليف. وكذلك خلاف الوضع، لأن الوضع يقتضي أن يكون هنا ضمير فصل، ليس ضمير وصل. لكن هذا سمع عن العرب في الشعر خاصة. طيب، قال: «كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد، ورقى نداه ذا الندا في ذرى المجد». والبيت لحسان. نعم، نعم، ما هو جهو؟ يعني يقولون خلاف الوضع، وفيه تعقيد بسبب هذا الوضع الذي اختل. لأن هنا حصل تقديم وتأخير، فالمفعول متأخر عن الفاعل، والفاعل معه ضمير يعود على المفعول. وهذا على خلاف الأصل، لأن فيه عودة الضمير إلى متأخر في اللفظ والرتبة، وهذا لا يجوز عند جمهور النحاة. أين الفاعل والمفعول؟ أين الفاعل والمفعول؟ «ورقى نداه» وين المفعول؟ الفاعل «نداه»، «نداه» هو الفاعل، وهو مضاف، و«ذا النداه» مفعول به. و«نداه» يعود لماذا؟ الضمير يعود إلى «ذا النداه»، فعاد إلى ماذا؟ إلى متأخر في اللفظ والرتبة. وهذا خلاف ما عليه أهل اللغة، ولكن سمع ذلك في الشعر. سمع ذلك في الشعر، بعضهم أجازه في الشعر، وبعضهم أجازه مطلقًا. فقول جمهور البصريين أنه لا يجوز. وخالف ابن جني واتبعه الأخفش، وهو الذي قاله جماعة من المتأخرين كالرضي وابن مالك في بعض كتبه. فالمهم أنه قد سمع هذا بالشعر، ويكفي أنه شعر حسان، رضي الله عنه وأرضاه. لكن لا شك أن فهم مثل ذلك يعسر، ليس كغيره مما فيه عودة الضمير على متقدم. وهكذا كذلك «كسا حلمه ذا الحلم» نفس الشيء، الضمير عاد إلى متأخر لفظًا ورتبة. فالضمير في «حلم» «كسا حلمه» يعود على المفعول «ذا الحلم». فصار على متأخر لفظًا ورتبة. قال: «من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي في القول، حتى يفعل الشعراء». نعم، كيف الشاهد؟ آبا محمد. نعم، شيء من التكرار يسير. وكذلك تركيب... نعم، يعني فيه شيء من التعقيد بالتقديم والتأخير. لأن أصل الكلام: «حتى يفعل الشعراء ما لا يهتدي في القول». هكذا أصل الكلام. «حتى يفعل الشعراء ما لا يهتدي في القول». فهنا جعله في سياق واحد: «من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي في القول حتى يفعل الشعراء». يوهم أن الكلام تبع لما قبله وليس كذلك. ولكن المعنى كما ذكر: أن يهتدي في الفعل ما لا يهتديه الشعراء في القول حتى يفعل... يعني الخلاصة: لا تكون لقلاق عندك كلام، وما عندك عمل مثل الشعراء. الشعراء عندهم كلام، كلامهم كبير، وعملهم صغير. هذا المقصود. طيب، قال المنلك رحمه الله تعالى: فصاحة المتكلم. قال: «فصاحة المتكلم عبارة عن الملكة التي يقتدر بها صاحبها على التعبير عن المقصود بكلام فصيح، في أي غرض كان». فيكون قادرًا بصفة الفصاحة الثابتة في نفسه على صياغة الكلام، متمكنًا من التصرف في ضروبه، بصيرًا بالخوض في جهاته ومناحيه. فإذًا فصاحة المتكلم المقصود بها ثبوت هذه الصفة وتكرارها. لأن لفظة الملكة تدل على الثبوت والتكرار. فليس الفصيح من يأتي بكلمة أو جملة فصيحة، ولكن الفصيح هو من عنده ملكة، ولو لم يكثر من الكلام بالفصيح. يعني القدرة كافية في ذلك. وكيف تأتي هذه القدرة؟ بثبوت الأهلية ووجود هذه الصفة وتكرارها منه. يعني في أي وقت يستطيع. فقوله: «عبارة عن الملكة التي يقتدر بها صاحبها على التعبير عن المقصود بكلام فصيح». وسبق معنى ما هو الكلام الفصيح؟ هو الكلام المجتمِع على كلمات فصيحة في سياق فصيح. لأن الكلام الفصيح لا يكمل في فصاحة الكلمات المفردة بقدر ما يكمن بفصاحة هذه الألفاظ التي تسمى كلمات مع تركيبها مع غيرها، سالمة من قوادح الفصاحة. كما مر معنا قوادح الفصاحة في الكلمة وقوادح الفصاحة في الكلام. فإذا سلمت من هذا كله فهو الفصيح. وقوله: «بأي غرض كان» يعني رثاء، ثناء، أي شيء. يستطيع أن يعبر بكلام فصيح. ولذلك ذم أهل اللغة السرقة، لأن السرقة نوع من الضعف. يعني شاعر ينقل بيت شاعر آخر في التعبير، معنى أنه عجز أن يعبر بمعنى فيه دلالة على المقصود، حتى احتاج أن يأخذ من شعر غيره فيضعه في أبياته. وقوله: «فيكون قادرًا بصفة الفصاحة الثابتة في نفسه على صياغة الكلام». فقوله قادر، أي لا يلزم منه الكلام في كل باب. يعني ما يحتاج الإنسان أن يقول: فلان فصيح، حتى يبرهن من كلامه كلام في كل أبواب الكلام وأغراض الكلام. لا بد أن يكون له رثاء، ولا بد أن يكون له ثناء، ولا بد أن يكون له غزل، ولا بد أن يكون له كذا وكذا وكذا. لا، ما يلزم. بل يكفي أن يثبت في واحد تظهر به أهليته أنه يستطيع في غيره. وأكثر أشعار العرب من هذا الجنس. فبعض الأشعار هي رثاء فقط، وبعض الأشعار هي غزل فقط، وبعض الأشعار هي ثناء فقط. فكانت كافية. وقوله: «على صياغة الكلام متمكنًا من التصرف في ضروبه». يعني هذه الصياغة الفصيحة لفظًا وتركيبًا. وعلمتم ما معنى... يعني فصاحة الكلمة وتركيبًا يعني فصاحة الكلام. أوجب الحكم له بذلك. وقوله: «بصيرًا بالخوض في جهاته ومناحيه». يعني عنده معرفة. وهذه المعرفة بالنسبة لأهل اللغة ومحل نشأتها هو بالسماع وبكثرة الخلطة فيه. وبالنسبة لمن جاء بعدهم يحتاج لأمور من هذه الأمور: كثرة الإطلاع على كتب الأدب. والأمر الثاني الإلمام بلغة العرب. والأمر الثالث الإحاطة بأسرار أساليب العرب. يعني في تعابيرهم كيف يختصرون وكيف يبسطون. حتى بعض الجمل كما مر معنا ظاهرها ذم وهي مدح، وظاهرها مدح وهي ذم. وهذا من أسرار لغة العرب. يطلع عليها بماذا؟ بكثرة النظر في كلامهم. وهكذا من هذه الأمور أن يكون حافظًا... هو الرابع... لعيون كلامهم نثرًا وشعرًا. ومعنى عيون الكلام يعني المفاتيح التي تفتح له شيء من أسرار اللغة وأساليب المتكلمين. كما مر معنا أنه مما يعين على ذلك مثلًا حفظ القرآن، وحفظ السنة. وهكذا كذلك حفظ ما تيسر من أشعار العرب. فإن ذلك يورث صاحبه ملكة تسعفه في وقت حاجته. يستفيد من تلك التعابير المحفوظة ما يعينه على حسن تعبيره. والأمر الخامس: علم بأحوال وأخبار الشعراء والخطباء. لأن هذا يعطيه فهمًا. فأحيانًا ما تميز المدح من الذم. لكن إذا علمت أن هذا الشاعر عدو لذاك، وهذا صديق لذاك، وهذا مقرب لذاك، وهذا معادي لذاك. فهمت وتصورت المدح من الذم، وغير ذلك مما ربما يكون فيه شيء يعسر فهمه إلا بمعرفة الأحوال. الأمر السادس: إدراك من أخبار العرب وأيامهم. وهذا كذلك يعين على وجود هذه الملكة عند المتكلم. هذه ستة أمور ذكرها متفرقة جماعة من أهل العلم في هذا الباب. يعني فيما يتعلق بفصاحة المتكلم. طيب، إلى هنا إن شاء الله.