الدرس في جواهر البلاغة 107، الدرس السابع بعد المائة:من( الموضع الثاني:كمال الانقطاع وهو اختلاف الجملتين ... فأشبهت حالة اتحاد الجملتين ولهذا وجب أيضاً الفصل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مواضع الفصل بين الجملتين، مثل كمال الانقطاع وشبه كمال الاتصال، مع أمثلة من القرآن والشعر العربي. وتوضيح أهمية فهم هذه المواضع في تفسير الآيات القرآنية.
ناقش التعليقان مسألة العطف بين الجمل في القرآن، موضحين رابطة الجملتين وشروط العطف، مع الإشارة إلى حالات الاتصال والانقطاع بين الجمل المتجاورة.
عدد المقطع خمسة أحوال للجملتين عند الوصل والفصل، مع تقديم أمثلة من القرآن والشعر العربي، لتوضيح تطبيقات هذه الأحوال في فهم النصوص.
أوضح المقطع أن حكم الوصل والفصل يعتمد على وضوح المعنى واتصال الكلام، حيث يجب الفصل عند وجود موضع للوهم والوصل عند عدم وجود ما يوهم غير المراد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: الموضع الثاني كمال الانقطاع، وهو اختلاف الجملتين اختلافًا تامًا، بأن يختلف خبرًا وإن شاء أولًا، بأن يختلف خبرًا وإن شاء لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، نحو: «حضر الأمير حفظه الله»، ونحو: «تكلم إني مصغ إليك»، وكقول الشاعر: «وقال رائدهم أرسو نزاولها فحتف كل مريء يجري بمقداري»، ومنه: «نجح فلان وفقه الله»، فهنا لكمال الانقطاع واختلاف الجملتين اختلافًا تاما وجب الفصل، وسواء أكان هذا كما قال رحمه الله لفظًا ومعنى، أو معنى فقط. فمثال لفظًا ومعنى: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فصل حصل الفصل لفظًا ومعنى، وهما جملتان أحدهما خبر والآخر إن شاء، وهكذا هو من جهة المعنى مختلف. ومنه كذلك: «وأقسطوا إن الله يحب المقسطين»، وهنا علق على البيت في قوله: «وقال رائدهم أرسو»، قال: أي أوقف السفينة كي نباشر الحرب، ولا تخافوا من الموت، فإن لكل أجل كتاب. أي: فالمانع من العطف في هذا الموضع أمر ذاتي لا يمكن دفعه أصلا، وهو كون إحداهما جملة خبرية والأخرى إن شائية، ولا جامع بينهما. ومنه: «لا تسأل المرأة عن خلائقها»، وجه شاهد من الخبر، فهنا حصل الفصل لهذا المعنى. ومنه كذلك: «جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي». قال رحمه الله: أو الحالة الثانية من مواضع كمال الانقطاع، قال: أو بأن لا تكون بين الجملتين مناسبة في المعنى، ولا ارتباط، بل كل منهما مستقل بنفسه، كقولك: «علي كاتب الحمام طائر»، فهنا جملتان متباينتان. قال: فإنه لا مناسبة بين كتابة علي وطيران الحمام، وكقوله: «وإنما المرء بأصغريه كل مرء رهن بما لديه»، فالمانع من العطف في هذا الموضع أمر ذاتي لا يمكن دفعه أصلا، وهو التباين بين الجملتين، فجملة «المرء بأصغريه» ليس لها تعلق من جهة المعنى بجملة «كل مرء رهن بما لديه». قال: لأن العطف، ولهذا وجب الفصل وترك العطف، لأن العطف يكون للربط، ولا ربط بين جملتين في شدة التباعد وكمال الانقطاع، فالمراد بالارتباط بين المسند إليه، وهذا ظاهر. قال الملك رحمه الله تعالى: الموضع الثالث شبه كمال الاتصال، وهو كون الجملة الثانية قوية الارتباط بالأولى لوقوعها جوابا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، فتفصل عنها كما يفصل الجواب عن السؤال، كقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، ونحو قول الشاعر: «زعم العوادل أنني في غمرة صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي»، قال: كأنه سئل: أصدقوا في زعمهم أم كذبوا؟ فأجاب: صدقوا. ونحو: «السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب»، فكأنه استفهم وقال: لما كان السيف أصدق، فأجاب بقوله: في حده إلى آخره. فالمانع من العطف في هذا الموضع وجود الرابطة القوية بين الجملتين، فأشبهت حالة اتحاد الجملتين، ولهذا وجب أيضا الفصل. وعلق رحمه الله تعالى بتعليقين ها هنا، التعليق الأول عند قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، قال: الجملة الثانية شديدة ارتباط بالجملة الأولى، لأنها جواب عن سؤال نشأ من الأولى، لما لا تبرئ نفسك؟ فقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، فهذه الرابطة القوية بين الجملتين مانعة من العطف، فأشبهت حالة اتحاد الجملتين، وبذلك ظهر الفرق بين كمال الاتصال وهذا النوع، أو هذا الموضع من مواضع الفصل المسمى بشبه كمال الاتصال. عبارة عن ثلاثة أنواع أو ثلاثة أقسام، لأنه كما رأينا يتضمن جوابا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، وهذا الجواب إما أن يكون عن سبب عام للحكم، مثاله قول الشاعر: «قال لي كيف أنت فقلت عليل سهر دائم وحزن طويل»، فكله عبارة عن جواب، فهنا وجب الفصل لحصول تمام الاتحاد والاتصال. والثاني أن يكون الجواب عن سبب خاص، ومنه الآية: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، ومنه قول القائل: «يرى البخيل سبيل المال واحدة إن الكريم يرى في ماله سبلا»، فهذا جواب عن سبب خاص. وقد يكون عن غير سبب عام ولا سبب خاص، ومنه قول الله عز وجل عن إبراهيم والملائكة: «قالوا سلام قال سلام». ولهذا علق رحمه الله بالتعليق الثاني، فقال بعد قوله: «كأنه سئل أصدقوا في زعمهم من كذبوا»، قال: وبيان ذلك بعبارة أخرى، أنه إذا اجتمعت جملتان، فذلك على خمسة أحوال. أولا: أن تكون الثانية بمعنى الأولى، أو جزءا منها، فيجب ترك العطف، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وكذا الجزء لا يعطف على كله، فيقال حينئذ: إن بين الجملتين كمال الاتصال. ومواضعه أولا: أن تكون الثانية توكيدا للأولى، مثل قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، فهنا حصل كمال الاتصال لكون الجملة الثانية توكيد للأولى، وهي جملة «ملك كريم». قال: الثانية أن تكون الثانية بدلا من الأولى، مثل: «أطعت الله أديت الصلاة»، فجملة «أديت الصلاة» بدل، فحصل بذلك كمال الاتصال. قال: الثالث أن تكون الثانية بيانا للأولى، قال: مثل: «بسطت شكواه قال إني لا أجد قوت يومي»، يعني أعطاه شكواه، فقال: «إني لا أجد قوت يومي»، فهذا بيان لهذه الشكوى. ثم ذكر الحالة الثانية بعد قوله: إذا اجتمعت جملة ثانية، فهي على خمسة أحوال، الحالة الأولى أن تكون الثانية بمعنى الأولى أو جزء منها. وقال: الثانية أن تكون الثانية مباينة للأولى تماما، مباينة فيجب ترك العطف، لأن العطف يكون للربط، ولا ربط بين المتباينين، فيقال: بين الجملتين كمال الانقطاع، ولأجل هذا كذلك يكون الفصل. قال: ومواضع ذلك أولا: أن تختلف خبرا وإنشاء، مثل: «مات فلان رحمه الله»، فهنا «مات فلان رحمه الله» جملتان فيهما تماما مباينة، جملة «مات فلان» وجملة «رحمه الله»، فلهذا لم يكن العطف. قال: إلا إذا أوهم ترك العطف خلاف المقصود، فيجب العطف نحو: «لا وشفاك الله»، لأنه لو لم يؤتى بالواو أوهم الدعاء عليه، وإنما المراد الدعاء له، وهذا مر معنا في باب الوصل. قال: الثاني أن تتحد خبرا وإنشاء، ولكن لا يوجد بينهما رابط، مثل: «القمر طالع أكلت كثيرا»، المتكلم واحد والكلام متباين، لأنه كلام في قضيتين، أدخلت قضية على قضية، فلكوني المعنى متباعد، وإن كان اللفظ من حيث المبنى واحد، فإنه عند ذلك لزم الفصل وعدم الوصل، لأن المعنى متباين. قال: ثالثا يعني من الأحوال الخمسة المتقدمة، أن تكون الجملتان متناسبتين وبينهما رابطة، ويسمى ذلك التوسط بين الكمالين، وذلك على نوعين، الأول أن لا يمنع من العطف مانع، فيعطف، مثل: «لاجتهدوا وتأدبوا»، وهذا خرج عن مواضع الفصل، لأنه ذكر هنا في تعليقه على مسألة الجواب، أنه إذا اجتمع الجملتان فلها خمسة أحوال، فثلاثة أحوال كما تقدم يجب الفصل. قال رحمه الله: الثاني أن يمنع من العطف مانع، وهو عدم قصد التشريك في الحكم، فيمتنع العطف، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، فهنا قال: أن يوجد من العطف مانع، وهو عدم قصد التشريك في الحكم، وهذا ظاهر في المعنى. قال: رابعا أي من الأحوال الخمسة، قال: أن تكون الثانية قوية الرابطة بالأولى، لأنها جواب عن سؤال يفهم من الأولى، فهذه الرابطة القوية تمنع العطف، لأنها أشبهت حالة اتحاد الجملتين، ويسمى ذلك شبه كمال الاتصال، مثل: «رأيته مبتسما أظنه نجح»، فهنا وجد معنا الرابط، لأنها جواب عن سؤال يفهم من الأولى، وقول: «أظن نجح» كأنه جواب: لماذا هو مبتسم؟ فكأنك تقول له: أظنه نجح. قال: خامسا يعني من الأحوال الخمسة، أن تكون الأخيرة مناسبة للأولى، ولا مانع من عطفها عليها، ولكن يعرض حائل بينهما، وهو جملة أخرى ثالثة متوسطة، فلو عطفت الثالثة على الأولى المناسبة لها، لتوهم أنها معطوفة على المتوسطة، فامتنع العطف بتاتا، وأصبحت الجملتان كأنهما منقطعتان بهذا الحائل، ويسمى ذلك شبه كمال الانقطاع، نحو قول الشاعر: «وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الظلال تهيم»، فهنا عندنا ثلاث جمل: «وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا»، و«أراها في الظلال تهيم»، فلو عطف «أراها في الظلال تهيم» لحصل بذلك اللبس، كما ذكر رحمه الله. قال: وعلم أن التركيب الذي تجاذبت فيه أسباب الوصل وتعاضد الدواعي، قد يفصل إما لمانع من تشريك الجملة الثانية مع الأولى، ويسمى قطعا كما سبق، وإما لجعله جواب سؤال مقدر لإغناء السامع عنه، أو لكراهة سماعه له لو سأل، أو لكراهة انقطاع كلامه بكلام السائل، أو للاختصار، ويسمى الفصل لذلك استئنافا. تقوله: «في المهد ينطق عن سعادة جده أثر النجابة ساطع البرهاني»، على تقدير أنه جواب: كيف نطق الجواب؟ وهو رضيع لم يبلغ أوان النطق، فيكون هذا هو الجواب. وخلاصة هذه إلى حوال الخمسة ممكن أن يقال بمعنى الأضرب الثلاثة، بأن موضع الاتصال، أو الموضع الثالث من مواضع الفصل وعدم الاتصال عند شبه كمال الاتصال، يكون إما عن سبب عام، وإما عن سبب خاص، وإما عن غيرهما. وذلك إذا حصل كمال الاتصال، ولم يكن معه ما يوهم غيره، فإذا وجد موضع من مواضع الوهم، فعند ذلك يجب الفصل، العكس يجب الوصل، كما رأينا في الأمثلة التي مرت معنا. لهنا والله تعالى أعلم.