الدرس في جواهر البلاغة 91، الدرس الحادي والتسعون:من( المبحث الأول:في طرق القصر ... نحو:ما شوقي إلا شاعر أو ما شاعر إلا شوقي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل طرق القصر في اللغة العربية، حيث يشرح أشهر الطرق المستخدمة مثل القصر بالنفي والاستثناء، ويوضح دلالتها على الحصر. كما يشير إلى طرق أخرى غير مشهورة للقصر.
يقارن هذا الفصل بين استخدام الحصر بإنما والعطف بـ لا، موضحا أن الحصر بإنما أقوى في التأكيد ويستخدم لرد الإنكار الشديد، بينما العطف بـ لا يستخدم لتوضيح النفي والإثبات معا.
يناقش هذا الفصل طرق التعبير عن الحصر في اللغة العربية، مثل استخدام "إلا" و"غير" و"سواك"، ويشرح كيف يمكن أن تفيد هذه الأدوات الحصر مع الإشارة إلى بعض الاستثناءات.
يشرح هذا الفصل التشابه بين النفي والحصر بالاستثناء المنفي، حيث يقارن بين استخدام "سواك" و"لم يبقى" و"ما" في سياق النفي والاستثناء، موضحا التطبيقات المختلفة لهذه الأدوات.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: المبحث الأول في طرق القصر. قال: للقصر طرق كثيرة، وأشهرها في الاستعمال أربعة، وهي: أولا، يكون القصر بالنفي والاستثناء، نحو: «ما شوقي إلا شاعر» أو «ما شاعر إلا شوقي». مر معنا فيما سبق أن القصر هو التخصيص، وأنه تخصيص بطرق عديدة، فلأجل ذلك وتعلق هذا بالمعنى صار له ذكر في كتب البلاغة أو كتب البلاغيين. وذكر هنا -رحمه الله- الطريقة الأولى من طرق القصر، أن يكون بالنفي والاستثناء، فإن هذا يحصل به الحصر، مثل: «ما شوقي إلا شاعر» أو «ما شاعر إلا شوقي». فهذا النفي مع استثناء أفاد الحصر، وهو ظاهر الدلالة على هذا المعنى. وقد تتضمن معاني أخرى مع هذا الحصر، إما المدح وإما الذم، أو التصحيح -تصحيح مفهوم خاطئ- أو غير ذلك من المعاني، كما سيأتي -إن شاء الله- معنا الإشارة إلى ذلك. وأشار هنا، معلقا على هذا الموضع، بقوله: ومن طرق القصر التي ليست مشهورة الاستعمال -يعني ليست من الاستعمالات المشهورة- قال: لفظ «وحده» أو «فقط» أو «لا غير» أو «ليس غير» أو مادة الاختصاص، أو مادة القصر، أو توصل ضمير الفصل، أو تعريف المسند إليه، أو تقديم المسند إليه على خبره الفعل أحيانا، وغير ذلك. وهذه الطرق خالية من اللطائف البلاغية. وقد أوصلها جلال الدين السيوطي بكتاب «الإتقان في علوم القرآن» إلى أربعة عشر طريقا. ومعنى خالية من الطرق البلاغية يعني ليس فيها معنى بلاغي مستفاد من ألفاظ دخلت عليها؛ لأن الحصر في نفس المادة. فقول «وحده» لأن «وحده» هو يدل على الحصر أصلا، وهكذا «فقط»، «ولا غير»، «وليس غير». ولكن كما ترون، ليس هو كذلك في مسألة توصيل ضمير الفصل، فإن توصيل ضمير الفصل يضيف على الجملة معنى بلاغيا. فممكن أن نقول: هذا الذي ذكره بعض أهل العلم ينقسم إلى قسمين: قسم متفق عليه، وقسم مختلف فيه. وممكن أن يضاف فيقال: من المتفق عليه ما كان في الغالب حصره في نفس لفظه، وما كان حصره بالأدوات أو الجمل، فهذا في الغالب ينضاف معه شيء من المعاني البلاغية، أو ما سماه باللطائف البلاغية. قال -رحمه الله-: وأهمها الطرق الأربع المشهورة لاستعمال، وهي تختلف مع بعضها من أوجه كثيرة، منها أن «لا» العاطفة لا تجتمع مع النفي والاستثناء؛ لأن شرط المنفي بها أن لا يكون منفيا صريحا قبلها بغيرها، فلا تقول: «ما علي إلا مجتهد لا متكاسل». ولذا عيب على الحريري قوله: «لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه على ما تحل يومه لابن أمسه». وأجيب عن الحريري بأنه فصل فاصل بين المستثنى المحصور المسبوق بالنفي مع هذه «لا» النافية التي دخلت، وهي معطوفة على ما قبلها. فإذا كان كذلك، فهذا مسوغ للعطف بـ«لا» مع إفادة معنى الحصر -كما ترون- فجملة «على ما تحلى يومه» فاصلة بين «إلا ابن يومه». قال: وتحتمل «لا» مع «إنما» أو التقديم، نحو: «إنما أنا مصري لا سوري»، ونحو: «المجتهد أكرمت للكسلان». فالأول حصر بإنما، والثاني حصر بالتقديم، فـ«المجتهد أكرمت» حصر تقديم المعمول على العامل، وهو هنا مفعول به. قال: لأن النفي فيه ما غير مصرح به. ومنها أن الأصل في الحكم من النفي والاستثناء أن يكون مجهولا منكرا للمخاطب، أي شأنه أن يجهله المخاطب وينكره، بخلاف «إنما»؛ لأن النفي مع الاستثناء لصراحته أقوى في التأكيد من «إنما»، فينبغي أن يكون لشديد الإنكار. ونحو قولك -وقد رأيت شبحا من بعد-: «ما هو إلا زيد» لمن اعتقد أنه غيره. ونحو: ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ لما كانوا مصرين على دعوة الرسالة مع زعم المكذبين امتناع الرسالة في البشر، رد المكذبون إصرارهم عليهم بقولهم ذلك. قال: وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول لغرض بلاغي، فيستعمل فيه النفي والاستثناء، نحو: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ فقد قصر الله محمدا على صفة الرسالة، ونفى عنه أن يضن في أمره الخلود، فلا يموت أو يقتل. وهذا معلوم للصحابة، لكن لاستعظامهم موته لشدة حرصهم أو حصرهم صوابه -صوابه حرصهم على بقائه- صلى الله عليه وسلم، نزلوا منزلة من لا يعلمه. وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم، نحو: «إنما نحن مصلحون» لدعائهم أن كونهم مصلحين أمر ظاهر، ولهذا رد عليهم بقوله: «ألا إنهم هم المفسدون»، مؤكدا -بما ترى- بالجملة. قال: فالاستثناء لقوته يكون لرد شديد الإنكار حقيقة أو ادعاء. «إنما» لضعفها تكون لرد الإنكار في الجملة حقيقة. طيب، قال: فالاستثناء لقوته يكون لرد شديد الإنكار حقيقة أو ادعاء الحقيقة -كما تقدم في المثال الأول- أو ادعاء، مثل الآية: ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾. قال: و«إنما» لضعفها تكون لرد الإنكار في الجملة حقيقة أو ادعاء -يعني ليس لرد شديد الإنكار- قال: ويكون للقصر بإنما مزية على العطف؛ لأنه يفهم منه أولا الإثبات للمذكور والنفي عما عداه، بخلاف العطف. يعني قولك: «ما شوقي إلا شاعر» لا يفيد أنه لا يوجد شاعر إلا شوقي، بخلاف الحصر بإنما. قال: ويكون للقصر بإنما مزية على العطف؛ لأنه يفهم منه أولا الإثبات للمذكور والنفي عما عداه، مثل قول الله عز وجل: ﴿وما محمد إلا رسول﴾. أو «إنما نعم المراد بإنما» مثل «ألا إنهم هم المفسدون»، يعني كأنه لا يوجد مفسد إلا هم لشدة إفسادهم، وينفى هذا الإفساد عن المؤمنين. قال: والنفي عما عداه معا، بخلاف العطف؛ لأنه يفهم منه أولا الإثبات ثم النفي أو عكسه، نحو: «إنما خليل فاهم». «خليل فاهم لا حافظ وحسن» يعني «إنما خليل فاهم» حصل فيه الحصر بإثبات الفهم له، ونفي هذا الفهم أو عدم الفهم عنه. قال: وأحسن موقعها التعريض، نحو: ﴿إنما يتذكر أولو الألباب﴾ والمراد بالتعريض ما يكون المراد منه حصول التذكر ليحصل الوصف، وهو أن التذكر إنما يحصل لأولي الألباب. قال: وعلم أن «غير» كـ«إلا» في إفادة القصر، وفي امتناع اجتماعه مع العاطفة. ومعروف في أبواب النحو أن «غير» تعمل عمل «إلا»، لكن لهم في ذلك فروق يرجع فيه إلى أحكامه في موضعه. قال: فلا يقال: «ما علي غير شاعر لا منجم»، «وما شاعر غير علي لا نصر». يقول: هي كـ«إلا» في إفادة القصر، وفي امتناع اجتماعه مع العاطفة. يعني كما تقدم في بيت الحريري، وكما مر معنا أن بعضهم أجاز اجتماعهم على العاطفة إذا كان فصل فاصل. فكذلك يقال في «غير»: «فما علي غير شاعر لا منجم» يعتبرونه لحنا؛ لأنه لا يجتمع «لا» العاطفة مع معنى الحصر المذكور في نفس الجملة، إلا أن يكون هناك نوع من الفاصل يفصل. فإن بعضهم أجازوا على هذا حمل بيت الحريري. طيب، التعليق الثاني على قوله: يكون بالنفي الاستثناء -أي القصر- قال: يكون النفي بغير «ما»، بغير «ما» كقوله تعالى: ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ كما يكون الاستثناء بغير «إلا»، نحو: «لم يبقى سواك تلوذ به مما نخشاه من المحن». يعني يريد أن يقول: يكون القصر بالنفي والاستثناء، يقول: النفي بغير «ما» يريد أن يقول: أن النفي يكون بـ«ما»، ويكون بغير «ما». فإن «إن» هنا بمعنى «ما»، «إن هذا إلا ملك» يعني «ما هذا إلا ملك». وكما أنه يجوز الاستثناء بـ«إلا»، يجوز النفي بغير «ما»، حتى لا يظن أن النفي لا يصلح إلا بـ«ما»، بل يجوز بما هو بمعنى «ما»، مثل «إن». فكذلك يجوز الاستثناء بغير «إلا». ومثل له: «لم يبقى سواك تلوذ به مما نخشاه من المحن». فهنا حصل الاستثناء بغير «إلا»، يعني من جهة المعنى؛ لأن هذا الباب -أي ما يتعلق بالمعنى البلاغي- لا ينحصر المعنى بالألفاظ، بل كل ما دل على معنى الحصر فهو يفيد الحصر، ولو كان بغير أداة الحصر. كما أن النعت يكون نعتا، ولو كان على غير النعت المعروف في النحو. وكل ما حصل به الوصف فهو وصف. وهكذا يقال كذلك في الاستثناء. فهنا «لم يبقى سواك تلوذ به مما تخشاه من المحن»، فقوله: «لم يبقى سواك» لفظ «سواك» هو أصلا فيه حصر، فأفاد الحصر بدون «إلا»، أفاد الحصر بدون «إلا»، وتقدمه نفي، فحصل المقصود من الحصر. على أنه كما مر معنا قبل قليل أن الحصر بالألفاظ ليس كالحصر بالأدوات؛ لأن الحصر بالألفاظ المجردة لا تنظاف معها لطائف بلاغية. فقوة الحصر بالأدوات لا شك أنها أقوى من الحصر بنفس الألفاظ. ولكن هنا لما تقدم النفي شابه كثيرا الحصر بالاستثناء المنفي، شابه كثيرا الحصر بالاستثناء المنفي؛ لأن اللفظ الخاص -وهو «سواك»- كان في مقابل الاستثناء، والنفي «لم يبقى» كان في مقابل النفي بـ«ما» و«ما» كان بمعناها قبل الاستثناء.