الدرس في كتاب الحج 8، الدرس الثامن : من : ( الخفاف بكسر الخا جمع خف ... ليكونا على هيئة النعلين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح المصطلحات المتعلقة بالملابس في الحديث الشريف، مثل الخف والجورب، ويوضح معانيها اللغوية والفقهية.
يشرح المقطع أسلوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرد على أسئلة الصحابة، ويبين حكم لباس المحرم وما يحظر عليه لبسه.
يتطرق إلى تفاصيل المحظورات في لباس المحرم، مثل القميص والعمامة والسراويل، ويشرح النهي عن لبس ما يغطي الرأس أو الرجلين.
يناقش حكم لبس الخفين عند عدم توفر النعلين، ويشرح كيفية التعامل معهما لتحويلهما إلى ما يشبه النعلين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ البسام، رحمه الله تعالى، في شرحه لعمدة الأحكام: قال: ثالثًا: الخفاف، بكسر الخاء، جمع خف بضم الخاء، وهو ما يلبس في الرجل، ويكون إلى نصف الساق. أما الجوارب، فما غطى الكعبين، وحكمهما واحد، ويأتي إن شاء الله. قوله، رحمه الله: «أن الخفاف جمع خف»، أن الخف هو ما يلبس في الرجل إلى نصف الساق، هذا ليس الذي عليه أهل اللغة، والذي اشتهر في كتب أهل اللغة وشروح الحديث: أن الخف ما كان من جلد، سواء كان إلى نصف الساق أو كان فوق الكعبين، فهو غالبًا يكون فوق الكعبين، ولكن الوصف الخاص به هو أن يكون من جلد أو ما كان بمعنى الجلد. وأما إن كان من اللباس الآخر، كالأقمشة ونحوها، فهي جوارب، مثل الصوف أو كذلك القطن أو غيره، فهو جورب، والجورب غالبًا يغطي الكعبين، وقد ينزل عن ذلك قليلًا. فإن كان من غيره هيئة تغطيه كاملًا، بل هو عبارة عن لفافة لف على الرجل، فيسمى تساخين. يسمى تساخين، ومنه ما جاء في الحديث: «أنهم كانوا يمسحون على العصائب والتساخين»، والعصائب ما على الرأس يعصب، والتساخين ما يحميه من حر الشمس على الأرض، فيربط على الأرجل. قال، رحمه الله تعالى: «ومسّه أي أصابه»، وورس بفتح الواو، ورس ويقال بالضم الظاهر كذلك، وإسكان الراء، نبث أصفر يصبغ به التياب، وله رائحة طيبة، ويستعمل عند النساء كذلك للتطيب ولأشياء أخرى يتجملن به. قال: «الزعفران نبات بصلي معمر من الفصيلة السوسنية يصبغ به أيضًا»، وهو نوع من الطيب، كذلك الزعفران، وهو مشهور معروف، يستخدم في الأكل، ويستعمله بعض الناس في شرب، في خلطه مع القهوة، أي البن، ونحو ذلك. قال: «ولا تنتقد»، والانتقاب هو أن تخمر المرأة وجهها، أي تغطيه بالخمار، وتجعل لعينيها فرقين تنظر منهما. النقاب أنواع، فمن النقاب ما يكون له فرقان، كما قال، رحمه الله، ومن النقاب ما يكون شيئًا يشد على الوجه أسفل العينين، أسفل العينين. ولهذا الذي يشد على الوجه أسماء، فالحاصل أن كل ما يشد على الوجه، سواء كان نقابًا أو لثامًا أو برقعًا أو غير ذلك مما يشد على الوجه، فهو مما يدخل في هذا النهي. قال: «والقفازين»، تكنية: قفاز، وهو شيء يعمل لليدين من خرق أو جلود أو غيرها، يقيها من البرد وغيره، على هيئة ما يجعله حاملوه البزاه والصغور. والصغور: القفازان معروفان، هو ما يسمى بالكفوف، يلبس على كفين، وهو كما قال، رحمه الله: قد يكون من الخرق، وقد يكون من الجلود، فلكل نوع استخدامه. فإن كان للحامل البزاه والصغور، يعني الطيور الجارحة التي تعمل للصيد، فهم يلبسونه من الجلد غالبًا. وإن كان كذلك للزراعة ونحوه، فيستعمل عندنا الآن من المطاط أو كذلك كان للنساء من الشمس أو تحتجب به من الرجال الأجانب أو كذلك من البرد، يلبسه الرجال والنساء والأطفال، فكله هذا يسمى بقفاز. وفي هذا الحديث دليل أن السلف كانوا يعرفون القفازين، وكان مما يلبس عند النساء، وبه نعرف استنكاف خطأ استنكاف بعض النساء عن لبس القفازين، ظن منهم أن هذا تنطع، وأن هذا شيء لم يعرفه العرب، وهذا خطأ، بل كان معهودًا معروفًا في زمن النبي، عليه الصلاة والسلام، والضن بنساء الصحابة: أنهن يلبسن قفازين، بعموم ما ورد من الأدلة في وجوب ستر المرأة لجميع جسدها، فالمرأة كلها عورة، جميع الجسد عورة. قال: «وَالْكَعْبَيْنِ الْعَظْمَانِ الْنَاتِئَانِ عَنْ يُفْصَرِ الْقَدَمِ آذَانَ الْعَظْمَانِ الْنَاتِئَانِ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ مِنْ قَدَمَيْكَ»، فهذا العظم يسمى كعبًا. قال، رحمه الله تعالى: «المعنى الإجمالي»، ولاحظ ما ذكر في هذا الحديث، فقد روي في بعض الروايات ذكر هذه الأشياء بالجمع: «لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس»، وجاء في رواية: «لا يلبس القميص ولا العمامة». وألف بعض أهل العلم هذا لفتة طيبة لطيفة، وهو أن لفظ العموم أفاد عموم الحكم لكل محرم. لفظ الجمع أفاد عموم الحكم لكل محرم، ليس الحكم خاص بك، أيها السائل، يا من سألت عن السؤال، فقميصك فقط، بل القمص كلها لكل الناس، والعمائم كلها لكل الناس، وهكذا. كذلك أفاد هذا الجمع ذكر أنواع العمائم، لأن العمائم أنواع، والقمص أنواع، والبرانس أنواع، فمعناه أن كل ما كان بمعنى هذا اللفظ، بجميع أنواعه، يدخل في هذا الحكم، وهذا النهي. وأما لفظة الإفراد، فتفيد تأكيد النهي عن جنس ذلك الشيء، جنس القميص، وجنس العمامة، وجنس السروال، وهكذا. قال، رحمه الله تعالى: «المعنى الإجمالي قد عرف الصحابة، رضي الله عنهم، أن للإحرام هيئة تخالف هيئة الإحلال»، عندنا محرم وغير محرم، غير المحرم يسمى حلال، يعني لم يؤمر بشيء محرم عليه. قال: «ولذا سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأشياء المباحة التي يلبسها المحرم»، قال: «لما كان من اللائق أن يكون السؤال عن الأشياء التي يجتنبها، لأنها معدودة قليلة عندكم، قليلة، هذا أحسن»، قال: «لأنها معدودة قليلة، وقد أعطي صلى الله عليه وآله وسلم جوامع الكلم، أجابه ببيان الأشياء التي يجتنبها المحرم، ويبقى ما عداها على أصل الحل، وبهذا يحصل العلم الكثير». فهذا من المؤلف، رحمه الله، تنبيه إلى أن جواب النبي، عليه الصلاة والسلام، لم يكن موافقًا لسؤال الرجل، الرجل سأل: «ما يلبس المحرم؟» فكان المقتضى الجواب أن يكون تعداد الأشياء التي يلبسها، يجوز: يلبس كذا، ويلبس كذا، ويلبس كذا، ويلبس كذا. لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاب بشيء آخر، هو قال: «ماذا يلبس؟» قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس» إلى آخر الحديث، يعني ذكر له الذي لا يلبس، عكس الذي سأل الرجل. وهذا يسمى عند أهل البلاغة بأسلوب الحكيم، وهو الانتقال من الشيء الذي سأل عنه السائل إلى الشيء الذي لم يسأل عنه، وهو أنفع للسائل. فالفائدة من ذلك ما قال أهل العلم في هذا الحديث خاصة: أنه يكون فيه اختصار الجواب للسائل، اختصار الجواب للسائل، لأنه لو ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ما يلبس، فإنه ربما يذكر أشياء كثيرة، ولا كذلك يستوعب كل الذي يحتاج أن يذكر، لأنه كثير يتعب الإنسان بعده وحصره. لكن لما كان المنهي عنه قليل، فكان المناسب وكان البلاغة أن ينتقل إلى القليل الذي يفهمه ويحفظه السائل. وهذا من فائدة استخدام أسلوب الحكيم، ومعنى الانتقال مما سأل عنه السائل إلى غير ما سأل عنه، مما هو أنفع للسائل من سؤاله، وهو كذلك يتعلق بسؤاله، ليس هو في شيء آخر. مثلا رجل سألك: «متى أخرج زكاة الفطر؟» فلا تقول له: «تستحب له موضوع تاني في غير الزكاة»، لا، لكن لو أجد له بأن تقول مثلا: «أخرجها مع المسلمين». أنت ما ذكرت له الوقت، ذكرت له أو أخرجها مع إمام المسجد، انتقلت الآن من الجواب من ذكر الوقت إلى ذكر شيء آخر، لماذا؟ لأن هذا أنفع له. فمثلًا إمام مسجده سني يعرف متى الأنسب له أن يخرج زكاته، ومثله كذلك في أي آية: «يسألونك عن الأهلة»، يعني ماذا يسمعون؟ أين هي؟ كيف؟ قال: «يسألونك عن الإهلة قل هي مواقيت للناس والحج»، إذن ليس الشأن كل الشأن أن تسأل عن ذلك، ولكن الشأن كل الشأن أن تعرف أنها هي مواقيت جعل الله عز وجل يعرف وينتفع بها في مثل هذه المنافع. وهكذا كذلك آية أخرى: «يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فلوالدين والأقربين»، يعني سألوا: «ماذا أفضل أن نخرج؟ هل نخرج ذهبًا أو نخرج فضة أو نخرج غنمًا أو نخرج بقرًا؟» فكان الجواب من الله عز وجل: «لنسى الشأن كل الشأن أن تخرج ذهبًا أو فضة أو بقرًا، كل ذلك مش مهم، المهم هو ماذا أن تخرج الشيء إلى موضعه الصحيح، هذا هو المهم». ولهذا قال: «يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فلوالدين والأقربين»، أي خير أنفقتم فلوالدين والأقربين، فليس بمهم أن يخرج الإنسان جنس الذهب أو الفضة أو الغنم، ولكن الأهم أن يخرجه إلى من يستحقه، بما يكون أنفع له. وهكذا من فوائد استخدام أسلوب الحكيم في هذا الموضع: أن فيه إفادة السائل بأكثر مما سأل، أكثر مما سأل، لأنه سأل عما يلبس، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام عما لا يلبس، فاستفاد بهذا فائدتين: الفائدة الأولى: معرفة ما لا يلبس، وهو الأهم، لأن المقصود أن أشياء تحرم على المحرم إذا يجتنبها. والثاني: أن ما يلبس كثير، وهو ما سوى هذا الشيء، فأفاد السائل بأكثر من مسأل. ومن كذلك فوائده: التنبيه إلى أن المهم معرفة المنهي، لا معرفة المباح، معرفة المنهي، لا معرفة المباح. قال، رحمه الله تعالى: «فأخذ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعد عليه ما يحرم على الرجل المحرم من اللباس»، منها بكل نوع منه، يعني بكل نوع: الرأس ماذا يلبس الإنسان؟ العمامة، فكل ما كان بمعنى العمائم فهو منهي عنه. والجسد: القميص، وكل ما كان بمعنى القميص فهو منهي عنه. وهكذا كذلك السراويل، وهو ما كان من أسفل ومن داخل مما خفي. والبرانس، وما كان ملحقًا بالقمص، إلى آخره. قال، رحمه الله تعالى: «قال على ما شابه من أفراده»، فقال: «لا يلبس القميص»، يعني ذكر كل نوع على ما يشابه من أفراده، فالمقصود هذه الأشياء وما يشبهها. قال: «فلا يلبس القميص، وكل ما فصل عندي كل ما مع بعض»، وصوابه: «فصلها وكل ما فصل وخيط على قدر البدن»، يعني بمعنى القميص: كل ما كان محلقًا بالجسد، ولو كان بغير خياط. انظر بعض الناس يظن أن المنهي هو الذي فيه خياط، يعني شيئين اتصل ببعض بخياطة، لا ليس هذا المقصود، وإنما المقصود ما حلق بالجسد، حتى لو لبس شيء من الصوف، تعجبون الصوف ما يحصل فيه خياط، إنما يحصل فيه الغزل، هذا والحياكة فيلف يكون الصوف متكاملًا، فلو لبس كان مثلًا قميصًا أو غير ذلك، فهو كذلك بهذا المعنى، وهذا النهي. قال: «ولا العمائم والبرانس وكل ما يغطى به الرأس ملاصقًا له»، يغطى الرأس ملاصقًا له، إذن القولنسوة تدخل فيه، العمامة تدخل فيه، الخمار يدخل فيه، كذلك البرنس الذي يأتي متصل بالثوب ويلبس إلى أعلى، يدخل فيه الخودة، وهو ما يلبس يلبسه البحار ونحوه، ويدخل فيه كذلك المجن الذي يوضع على الرأس، يدخل فيه، وكل ما يوضع على الرأس على وجه اللباس ويحلق بالرأس، فإنه منهي عنه. قال: «وكل ما يغطى به الرأس ملاصقًا له، ولا السراويل وكل ما غطى به ولو عصبًا»، يعني كذلك السراويل، ولو كان هذا السروال صغيرًا مثل التبان، السراويل الصغيرة القصيرة تسمى تبان، فكذلك يدخل في هذا الحكم. قال: «كالقفازين ونحوهما مخيطًا أو محيطًا»، مخيطًا: خيطًا فصار محيطًا، وليس معنا مخيط بمجرد فيه الخيط، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وهكذا قوله: «محيطًا أحاط بالجسد على هيئة التحليق، على هيئة التحليق». قال: «ولا الخفاف ونحوهما مما يجعل بالرجلين ساترًا للكعبين من قطن أو صوف أو جلد أو غير ذلك»، هذا كذلك منهي عنه، سيأتي إن شاء الله الخلاف: هل هو منسوخ أو غير منسوخ أو ماذا؟ قال: «فمن لم يجد وقت إحرامه نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل الكعبين ليكون على هيئة النعلين كما جاء في الحديث الآخر»، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. طيب، نتوقف بهذا الانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. شكرًا.