شرح الأصول الثلاثة  15

شرح الأصول الثلاثة 15

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 15، الدرس الخامس عشر: (21 ربيع ثاني1432هـ) (وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى ... فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير كلمة التوحيد وأدلتها من القرآن

يبدأ الشيخ ابن بريك بشرح كتاب ثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث يفسر كلمة التوحيد مستدلاً بآيتين قرآنيتين من سورة الزخرف وسورة آل عمران. يُفصّل معنى كلمة التوحيد ودعوة الأنبياء إليها.

دعوة أهل الكتاب إلى توحيد الله وإخلاص العبادة

يشرح المقطع آية التوحيد ودعوة أهل الكتاب إلى توحيد الله، مشيرًا إلى أن الشرك مهما كان صغيرًا يبطل العبادة. يُبين معاني الربوبية والألوهية وخطورة طاعة المخلوقين في معصية الخالق.

تحقيق كلمة التوحيد وخطورة الشرك

يتطرق الشيخ إلى تفصيل معنى اتخاذ الأرباب من دون الله وعبادة غير الله، موضحًا أن من لم يحقق كلمة التوحيد على هذا المعنى ليس بمسلم. يُناقش مسألة عباد القبور وكفرهم أو عذرهم بالجهل.

خطورة عدم فهم كلمة التوحيد والتحذير من الشرك

يُحذّر المقطع من سوء فهم كلمة التوحيد وعدم تحقيق معناها، مما قد يؤدي إلى الوقوع في الشرك دون إدراك ذلك. يُطلب من الله الهداية والتوفيق لجميع المسلمين.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مواصلة في درسنا، قال الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "ثلاثة الأصول" أو ما يسمى فيما اشتهر على ألسنة الناس "الأصول الثلاثة"، بعد أن ذكر مراتب الإيمان والإسلام ومعنى الشهادتين، قال رحمه الله تعالى: "وتفسيرها الذي وضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ۝ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾". قوله رحمه الله تعالى: "وتفسيرها الذي وضحها"، كما تقدم الكلام على لفظ الشهادة ومعنى تفسير شهادة "لا إله إلا الله" الذي يبينها، كما دلت عليه أدلة الكتاب. وأورد هذه الآية ليدلل بها على تفسير كلمة التوحيد. وقد بيّن تفسيرها في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل، وأشار هنا إلى هاتين الآيتين اللتين تبينان وتوضحان وتفسر كلمة التوحيد. الآية الأولى في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فذكر الله عز وجل قوله وهو ينادي قومه ويدعوهم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. فهذا هو النفي والإثبات في كلمة التوحيد، فقوله "إنني براء" هي في مقابل كلمة "لا إله"، و"إلا الذي فطرني" في مقابل "إلا الله". وقوله "مما تعبدون" يفسر أن معنى "لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله. فعلم أن البراء هي البراء من عبادة الأوثان وكل ما يعبد من دون الله عز وجل، وهذا هو المقصود. فليس المقصود من كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" إثبات الربوبية لله عز وجل فقط، ولكن المقصود هو إثبات الألوهية لله عز وجل، المتضمن لمعنى إثبات الربوبية. فكوننا نقول "لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله، هذا يقتضي أن يعبد الله عز وجل وحده ولا يشرك معه غيره، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا غير ذلك. وهو يتضمن في نفس الوقت إثبات ربوبيته جل وعلا وانفراده بخصائص الربوبية، هذه فصار هذا تفسيرًا لكلمة التوحيد. وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي صارت كلمة تتناقلها الأمم، لأن المراد بعقبه هم الأنبياء الذين هم من سلالة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وما دعوا به أممهم، فهو أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله تعالى: "وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾". يريد رحمه الله تعالى ومن أدلة القرآن التي تفسر وتوضح كلمة التوحيد هذه الآية في سورة آل عمران. وفي هذه الآية كذلك تفسير لكلمة التوحيد، فقوله جل وعلا: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ نفي وإثبات، فـ"ألا نعبد" بمثابة "لا إله"، و"إلا الله" الإثبات في كلمة التوحيد "إلا الله". فصار فيها نفي وإثبات وهما ركنا كلمة التوحيد. وفيه كذلك تفسير أن نفي الألوهية عما سوى الله ليس منحصرًا بنفي الربوبية، وإنما معناه نفي العبادة الذي يتضمن نفي معاني الربوبية، و"إلا الله" إثبات العبادة لله الذي يتضمن كذلك إثبات معاني الربوبية لله عز وجل. وهذه الآية كما هو ظاهر في أولها خطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين علموا بما أنزل إليهم صدق ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، فدعاهم ربنا جل وعلا في مواضع كثيرة من كتابه، وفي هذه السورة سورة آل عمران خصوصًا فيها الآيات الكثيرة في نداء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والنصارى على وجه أخص لأنها كما قيل نزلت في وفد نجران وكانوا من النصارى. وهذه الآية على وجه الخصوص فيها دعوتهم إلى توحيد الله جل وعلا، المعنى الذي جهله الكثير ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم. وإلا فاليهود والنصارى يقرون بربوبية الله سبحانه وتعالى، بل وهم يقيمون مواضع كثيرة من معاني العبادة لله عز وجل، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك، إذ المقصود هو إخلاص العبادة لله جل وعلا وعدم وقوع الشرك الذي يبطلها، مهما كان هذا الشرك ولو عملًا واحدًا أو خصلة واحدة. ولهذا كما نرى في هذه الآية تأكيد لكلمة التوحيد، وهو مما يزيد في توضيحها وتفسيرها بقوله جل وعلا: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. وفي قوله "شيئًا" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، ومعناه أنه فيما ينافي العبادة والتوحيد وكلمة التوحيد لله عز وجل، فوقع الشرك ولو كان صغيرًا. والمراد بالصغير ليس صغر العمل، لكن ما قد يسميه فاعله بأنه صغير، فإنه لا فرق في الشرك ما دام أنه ينافي عبادة الله جل وعلا، فلا يشرك مع الله لا صليبًا ولا صنمًا ولا كذلك قبرًا ولا ملكًا ولا نبيًا. فمن اليهود من جعل عزيرًا ابن الله فعبده من دون الله ومع الله، ومن النصارى من جعل عيسى عليه الصلاة والسلام ابن الله فعبده من دون الله ومع الله، وكل ذلك موجب للشرك. بل قد يكون حتى في غير الرسل كما فعل النصارى، وهذا كثير عند النصارى الغلو في صالحيهم، فقد نزلوا الحواريين منزلة الأنبياء، ثم غلوا فيهم حتى جعلوهم يعبدون من دون الله ومع الله. ولهذا كذلك أتبعت الجملة الأولى والثانية بالجملة الثالثة وهي تأكيد وزيادة التوضيح لتفسير كلمة التوحيد، وذلك بقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. والمعنى أن يعبد الله عز وجل وحده، فلا يجوز أن تجعل معاني الربوبية والألوهية في غير الله عز وجل مهما كان هذا الغير فيه من الفضل أو كذلك يظن به من الخير، لا يعني أن يوقع في الشرك بسبب هذا الظن، وهذا مما ينافي كلمة التوحيد التي يجب أن يكون عليها كل من عبد الله سبحانه وتعالى. ويدخل في هذا المعنى طاعة الصالحين والعباد والعلماء والأمراء في غير طاعة الله بما يوجب التحليل والتحريم، فهذا معنى آخر من معنى الشرك. قلنا من هذا المعنى طاعة العباد والعلماء والأمراء في معصية الله بما يكون فيه التحليل والتحريم. وهذا الباب ينقسم إلى قسمين، فمن الطاعة التي تنافي طاعة الله ما تكون معصية، وهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وذلك عند أن تكون الطاعة في غير طاعة الله مع إقرار الجميع بأنه يفعل المعصية. وأما النوع الثاني من الطاعة المنافية لطاعة الله أن تكون طاعة في تحليل وتحريم تغير الشرائع، فيحلل الحرام ويحرم الحلال. وعلى هذا تفسر هذه الآية كما فسرت آية المائدة، وكذلك بعض الآيات في سورة التوبة. حتى قال عدي بن حاتم وكان من النصارى في قول الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فاستغرب هذه الآية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ألم يكونوا يحللون لكم الحرام فتحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟" قال: "نعم". قال: "فتلك عبادتكم إياهم". والحديث في السنن بإسناد حسن. فتلك عبادتكم إياهم، فمن معاني العبادة التحليل والتحريم، وهو معنى من معاني اتخاذ الأرباب من دون الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وهذه الآية: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي لا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله فيحلل الحرام ويحرم الحلال كما فعلت اليهود والنصارى. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وفي هذا دليل واضح أن من لم يحقق كلمة التوحيد على هذا التفسير الذي يوضحها ويبينها فليس بمسلم. فليس بمسلم في هذه الآية، كما قلنا تأكيد وتوضيح أن من لم يحقق كلمة التوحيد على هذا الوجه الذي يوضحها وتفسرها هذه الآية فهو ليس بمسلم. فدعوى الكثير من القبوريين اليوم عباد القبور أنهم من المسلمين وهم عبدوا مع الله غيره، هذه دعوى غير صحيحة. قد يقول قائل: هل بهذا الكلام نفهم أن عباد القبور كفار مرتدون ليس بمسلمين؟ الجواب: يستفصل فيهم أصل فعلهم. نعيد: قد يسأل سائل فيقول: هل معنى هذا الكلام أن عباد القبور يعدون كفارًا ومن المرتدين؟ الجواب: يستفصل فيهم. عبادة القبور شرك وكفر، وهذا هو الأصل في هذا الفعل، ولكن فاعل ذلك يستفصل فيه. فإن كان في بيئة قد أقيمت على أهله الحجة وليس عنده من يغرر به، فمثل هذا تحقق فيه حكم الكفر. وأما رجل جاهل بين علماء ظلال وسوء من علماء القبوريين يضلل عليه، وربما لا يسمع كلمة أهل التوحيد إلا مشوهة، فأمثال هؤلاء قد يعذرون حتى تقوم عليهم الحجة. بينما هناك مسائل معلومة من الدين بالضرورة كما بيّنها العلماء في مسائل العذر بالجهل، قد لا يُعدر فيها أحد، بل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، ما دام قد قرأ القرآن وفهمه وهو يعقل، فقد قامت عليه الحجة. مثلًا السجود لغير الله، لا يوجد مسلم مهما بلغ في الجهل ما دام مسلمًا وقد قرأ القرآن، يقول: "أنا ما أدري أو ما أعلم أن السجود لغير الله ليس بكفر أبدًا". أبدًا فالكل مسلم بلغه القرآن وعلم ما فيه وعرف دين الإسلام، يستقر في قلبه أن السجود لغير الله شرك والعياذ بالله وكفر. فمثل هذا لا يقول قائل أنه مما يحتاج لزيادة إقامة حجة ونحو ذلك مما بيّنه العلماء مما هو معلوم من الدين بالضرورة. ثم قد يتفاوت الناس بسبب عدم معرفتهم اللغة أو كونهم حدثًا عهدًا بإسلام في ضوابط ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم. لكن هذه إشارات عامة تقرب هذا الموضوع وتبين وتوضحه. والمقصود من هذا التنبيه إلى خطورة هذا الباب، وهو عدم فهم كلمة التوحيد وتحقيق مقتضى تفسيرها في عمل الناس، إذ قد يوقع عدم فهمها في الشرك من حيث لا يشعر الإنسان. نسأل الله عز وجل لنا ولجميع المسلمين الهداية والتوفيق والسداد. وإلى هنا والله تعالى أعلم.