القصيدة التائية 12

القصيدة التائية 12

الدرس في القصيدة التائية 12، الدرس الثاني وعشر:( تدنس ما تطهر منك حتى*كأنك قبل ذلك ما طهرتا ... وغرب فالتغرب فيه خير*وشرق إن بريقك قد شر قتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من الذنوب والمعاصي

ينصح الشاعر الإلبيري ابنه بالحفاظ على دينه واستقامته، ويحذره من الوقوع في الذنوب والمعاصي لأنها تدنس ما قد طهر من دينه وتثقل عليه التوبة.

خطورة مخالطة أهل السوء

يُنبه المقطع إلى خطورة مخالطة أهل السوء وكيف يمكن أن تؤدي إلى الوقوع في الذنوب والمعاصي، ويشدد على ضرورة الابتعاد عنهم والتحذير من صحبتهم.

نصائح للابتعاد عن الظلم

ينصح بالابتعاد عن الأماكن التي يسودها الظلم والفساد، ويحذر من مخالطة الظالمين لأن العذاب قد يصيب الجميع، ويشدد على أهمية الأخذ بأسباب العصمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته: «تدنس ما تطهر منك حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت، وصرت أسير ذنبك في وثاق، وكيف لك الفكاك وقد أسرت؟ فخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم، واستبنت وخالطهم وزايلهم حذارا، وكن كالسامري إذا لمست. وإن جهلوا عليك فقل سلام، لعلك سوف تسلم إن فعلت. ومن لك بالسلامة في زمان تنال العصم تنال العصم إلا إن عصمت. ولا تلبث بحي فيه ضيم يمت القلب إلا إن كبلت، وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت». هذه الأبيات تبعا لما سبق، فهو يعظ ولده أبا بكر الذي ناداه بالنداء كما تقدم قريبا، وهي نصيحة لنفسه ولمن تبلغه هذه الأبيات. يقول رحمه الله تعالى: «تدنس ما تطهر منك أو ما تطهر»، يجوز هذا وهذا بحسب المقصود، هو وعظه قبل بالحرص على الطاعات، وهكذا كذلك ما ينبغي من حال المسلم في هذه الدنيا، وأن لا يدنس دينه الذي مثله بالثوب بما يكون من زخر في الدنيا وشهواتها، أو كذلك شيء مما ينافي الدين من طريق الانحراف والرذيل ونحوه. ثم قال رحمه الله: «تدنس ما تطهر منك حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت»، يعني أنك إن تساهلت في الوقوع في تلك المعاصي التي حذرت منها، فإنك ستدنس ما قد تطهر منك، سواء كان هذا التطهر بعثة أو كان هذا التطهر بتوبة. فالتوبة إذا لم تستمر فإنها كانت سببا لتدنيس ذاك التطهير. فمثل التائب كمثل الغاسل لتوبه، مثل التائب من ذنوبه كمثل الغاسل لتوبه. ولا يصح عقلا أن يتعب الإنسان فيغسل ثوبه ثم يلوثه مرة أخرى بأنواع ما يلوث من أوساخ وأكدار والنجاسات وغير ذلك. وهكذا كذلك من حافظ على عفته واستقامته فقد حافظ على نقاء ثوبه زمنا طويلا، فلا يصح في الأذهان أن من كان هذا حاله ينتهي في نهاية أمره بعد تعب طويل أن يدنس هذا الثوب الذي حافظ عليه السنين طويلة وهو نقي. فكذلك ينبغي أن يحافظ المسلم على دينه، سواء بشيء كان عليه من الخير والاستقامة، لا ينبغي أن يرده إلى غيرها من الانتكاس والانحراف، أو كذلك كانت له زلات تاب منها، لا ينبغي له أن يدنس تلك التوبة بسقطات أخرى. فقوله: «تدنس ما تطهر منك ما تطهر»، سواء بفعلك أو بتوفيق الله عز وجل لك، أو ما تطهر يعني بفعلك أنت تطهر بحرصك مع توفيق الله عز وجل، وبتوبتك فحصل تطهير لك وتنقية لثوبك، ثم بعد ذلك تدنس هذا لا يصح لا شرعا ولا عقلا. قال: «كأنك قبل ذلك ما طهرت»، يعني الاستقامة التي كانت صارت كأنها ما كانت، لأن الحقيقة ليس بما مضى ولكن الحقيقة بما يؤول إليه الأمر. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالخواتيم»، ليس بسابق الأعمال، لا بالخواتيم الأعمال، الشأن كل الشأن أن يتوفاك الله عز وجل وأنت على الإسلام والسنة. ولهذا كما سمعنا ومضى، أوصى ربنا جل وعلا الأولين والآخرين بهذه الوصية العظيمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، يعني لا يدرككم الموت إلا وأنتم آخذون بهذا الإسلام من جميع جوانبه. وهذا كانت وصية الأنبياء يوصي بعضهم بعضا بأن لا يموت أحد إلا على الإسلام. وصى إبراهيم يعقوب، ووصى يعقوب بنيه من بعده بهذه الوصية العظيمة، وهو الاستمرار على الخير. ثم قال رحمه الله: «وصرت أسير ذنبك في وثاق، وكيف لك الفكاك وقد أسرت». وصرت أسير ذنبك في وثاق يعني أن هذا الذي لا يحرص على بقاء طهارة ثوبه والمقصود دينه واستقامته، وهذا الذي لا يحرص على بقاء طهارة ثوبه والمقصود توبته وتجدد استقامته، فهذا في الحقيقة صار أسيرا لذاك الذنب الذي وقع فيه. فإن كانت ذنوب كثيرة فهو أعظم وأعظم. وقوله: «في وثاق» تمثيل لهذا الذنب أنه كالحبال توثق أصحابها، يعني تشدهم في السقوط. وهذا واقع، تجد أن الذي يبتلى ببعض الذنوب والمعاصي كأنه مكبل بالحديد، تتعجب تصحيه تنصحه ترشده تدله، كأنه كالسكران الثمل أو كالمخدر الفاتر أو كذلك كالأسير المكبل. فهم سكرى بذنوبهم ومعاصيهم، الذنوب تثقل إذا استرسل الإنسان فيها كبلته ووثقته. وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ومصداق قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن القلوب هذه إذا أذنبت نكت فيها نكت سوداء، فإن هي تابت نكت فيها نكت بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفاء، ذاك الذي تاب فصقل قلبه واستقام، وأسود مربادا كالكوز مجخيا، الذي استرسل في ذنوبه ومعاصيه». كيف يكون حال الثاني؟ ثقيل جدا وهو مأسور مأسور بماذا؟ مأسور بما كان من ذنبه. قال: «وكيف لك الفكاك وقد أسرت؟» الذي يؤسر صعب أن يفك، لكن ما دمت بعيدا من العدو ولم يأسرك العدو فأنت في سلامة. فكأنه يقول: انتبه، الذنوب من أعظم الأعداء لك، فإنك إن استرسلت ووقعت فيها فقد سلمت نفسك لها فكنت أسيرا لها. وكم من الناس من يسترسل فيقع في ذنوب ومعاصي ويكون بعد ذلك أسيرا لها كالسكران والثمل وغير ذلك من المعاني التي تثقل معه التوبة، يثقل على صاحبها التوبة، ولو كان في أول الأمر في الحقيقة يظن أنه يستطيع أن يفعل المعصية ويتوب منها. بعض الناس يقول: «الله غفور رحيم، إن شاء الله أتوب بعد ذلك وأستغفر». وما يدري أنه ما يستطيع ويثقل عليه بسبب ثقل هذه الذنوب. ومثل ابن القيم رحمه الله: أن أماني أصحاب المعاصي كحال رجل لا يحسن السباحة، فتقدم يمشي قدما في البحر ويحذره أصحابه وينادونه فيقول له: «إحذر، أنت لا تحسن السباحة ارجع». وهو يقول: «أنا إن شاء الله أستطيع، متى أردت أن أرجع سأرجع». انظروا ربما دخل قليلا في الماء ورجع، ودخل قليلا في الماء ورجع، ثم ازداد تعمقا في سيره في الماء حتى إذا تعمق وارتفعت رجليه من الأرض وهو لا يحسن السباحة بدأ ماذا؟ يغرق. بدأ يغرق وأصحابه ينادونه وهو عند ذلك يريد الرجوع بصدق لكنه ما يستطيع الرجوع بعد أن ارتفعت رجلاه من. أراد الرجوع فصار رجوعه صعب إلا أن يوفقه الله ويعينه. وأما السبب من نفسه فقد افتقده، افتقده بتعمقه. وهكذا أوائل الذنوب والمعاصي صغيرة، فإذا تعمق فيها فقد السيطرة على نفسه. صدق الله إذ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، أي بماذا؟ بالطاعات، هذه النفس. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، بالذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: «فخف أبناء جنسك وخش منهم كما تخشى الضراغم والسبنت». يقول: وهو يعقب ما سبق بأعظم أسباب وقوع العبد أسيرا في ذنوبه، وهم الرفقة السيئة والصحبة غير الصالحة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «المرء على دين خليله»، رواه بعض أهل السنن عن أبي هريرة بإسناد حسن. وصدق إذ يقول: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك وناثخ الكير»، أنت شئت أم أبيت لابد أن يصلك أثر هذا الجليس. حامل المسك لو لم يكن إلا ريح الريح الطيبة تصلك، كان هذا كافيا في وجود أثر هذه المجالسة. وناثخ الكير لو لم يكن إلا الرائحة الكريهة، كان هذا كافيا في أنه يصلك أثر هذه المجالسة. وهكذا كذلك قل في الذنوب والمعاصي وأصحابها، أي احذرهم. قال: «فخف أبناء جنسك واخش منهم»، أي احذر صحبة أهل السوء واخش منهم كما تخشى الضراغم جمع ضرغم وهو الأسد، والسبنتة وهو النمر، يعني الوحوش الكبار العظيمة. كيف تفعل في الحذر منها؟ لو قيل لك: «هذه الحارة فيها أسد أو هذه البلدة فيها أسد متروك يأكل من وجده، يمكن ما تدخل هذه القرية بالكلية تحذرها، ليس فقط تمر بجانبها أو تدخلها». وأن تحذر ما تدخلها بالكلية. وهكذا افعل مع أهل الذنوب والمعاصي، لا تقترب منهم ولا تتساهل في ذلك، لأن هذا مما لا يتساهل فيه. وكم من إنسان يتساهل بمخالطة الأشرار فما يدري إلا وقد كان نهاية أمره أن وقع في حبالهم. قال رحمه الله: «وخالطهم وزايلهم حذارا، وكن كالسامري إذا لمست». وقوله: «وخالطهم» ليس حثا على المخالطة، ولكن يعني إذا ابتليت إذا ابتليت بمخالطتهم فخالطهم وزايلهم حذارا. إذا ابتليت بمخالطتهم حاول أن تبتعد منهم وتزيلهم عنك حذارا منهم. مثل رجل ابتلي بوظيفة معه بعض رفقاء السوء، حاول أن تنتقل من هذا المكان من هذه الوظيفة، حاول. فإذا لم يكن فلا أقل أن تزايل هؤلاء يعني تبتعد عنهم، اجعل خلطتك معهم بقدر الحاجة والضرورة فقط لا تزد على ذلك. وهذا كله سلامة لدينك. ثم قال رحمه الله: «وكن كالسامري إذا لمست». وأشار المعلق أن السامري كان من قبيلة من بني إسرائيل يعبدون البقر، فأفرج لهم عجلا جسدا له خوار كما أخبر الله عز وجل، فأضل قومه، فجوزي في الدنيا بما أخبرنا عن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بما كان أن لا يخالط ولا يقرب، وأنه كان إذا أحد مسه أو مس يصيح ويقول: «لا مساس» جزاء وفاقا. والمعنى: انظر لما أثر السامري على قومه بما صنع، كان بعد ما كان هذا الحكم، فكذلك أنت إذا تريد السلامة إذا تريد السلام فابتعد من هؤلاء. فإذا سمعت اللغو فقل: «سلام» «لا نبتغي القوم الجاهلين». وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وهذا معنى «لا مساس» المعنى المعنوي الذي ينبغي أن يستفيد منه المسلم، وإن كان تلك قضية عين، وكانت آية من آيات نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام في قضية السامري، لكن أنت استفد من هذا أن أهل السوء ينبغي أن لا تخالقهم ولا تجالسهم. قال: «وإن جهلوا عليك فقل سلام، لعلك سوف تسلم إن فعلت». وهذا مثل ما سمعت مما تقدم، ومثله من الآيات والأحاديث في ذلك كثيرة. وانظر الصائم في حال فعله لهذه الطاعة العظيمة، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أنه إن ساب أحد أو شاتمه فيقول: «اللهم إني صائم». فكذلك أنت لا ترد ولا تخالق، بل اجتنب واخرص على ما ينفعك. حتى الانتقام أحيانا سبب للخلطة، انتبه لا تظن أن الكراهية كلها بمعانيها التي تدور في ذهنك وخاطرك صحيحة، لا، لأن بعض أفعال الكراهية هي ليست صحيحة، ولو على وجه أنها ليست أكمل التصرفات والخلق، لأنها قد تثمر لك مشاحنات وعداوات تستمر أن تفيغ عنها. لكن أعرض عن الجاهلين، ولهذا كان بعضهم يوصي بعض أبنائه فيقول وهو يوصي: «أوصيك بنسيان ثلاث وتذكر ثلاث». أوصيك أن تنسى من أحسنت إليه، يعني لا تنتظر منه ثناء ولا تتتبعه بمنه، أنسى من أحسنت إليه. قال: «وأوصيك أن تنسى وتحلم بمن أساء إليك»، لأنك إذا لم تحلم ولم تنساه شغلت نفسك أولا، وضاع عليك من عمرك ومن وقتك شيء كثير. وهكذا كذلك ربما ذلك سبب استمرار هذا الشر، بدل ما هو شر واحد يصير ماذا؟ شرور كثيرة متتابع، عداوات ومطاحنات ومفاحسات وأشياء ما تنتهي. لكن إنسى من أساء إليك، خلاص إنسى. وربما كان لك نصيب من هذا الذي وصلك منه، وقعت غلطة أو تعمد الإساءة إليك، إنسى. وإن استطاع أن تبتعد ابتعد. وهكذا قال: «أوصيك بنسيان ما وقع منك»، يعني من إساءة. وليس هذا النسيان نسيان عن التوبة، ولكن النسيان لا يكبل المرء في الإقدام في الخير، لأن الشيطان كما أنه يوقع الإنسان في حب الشهوات والسقوط فيها، كذلك قد يوقعه في القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى. فخير للإنسان أنه إذا أساء أن ينسى ذلك من جهتين: ينساه من جهة عدم التفكر فيه فيوقعه الشيطان فيه مرة أخرى، وينساه من جهة عدم إكثار اللوم على نفسه بما يوقعه القنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى. لكن افتح صفحة جديدة مليئة بالتوبة والصدق، وكذلك الاجتهاد في الخير. ولا تنسى ثلاث: أولها ألا تنسى من أحسن إليك، من أحسن إليك لا تنساه، بخلاف من أحسنت إليه، من أحسنت إليه فأنت تنساه. وأما من أحسن إليك فلا تنساه. وكان من خلق نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا أهدي إليه كافأ بهدية بما هو أفضل منها عليه الصلاة والسلام، وهم كانوا أهل فقر، ما كان أحدهم يجد التمر والماء، وكان غالب قوتھم التمر والماء، ومع ذلك أحيانا ما يجدون حتى التمر. وهكذا كذلك. قال رحمه الله: «ولا تنسى من أسأت إليه»، يعني كفر عن ذلك بالإحسان إليه. اغتبت إنسانا، كفارة هذه الغيبة أن تثني عليه. اعتديت على إنسان بمظلمة، لا تنسى هذه المظلمة، فالله عز وجل يقول: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، الكفار أعملوا أعمالا فأحبطها الله، ولكن هذا في الخير أما في الشر بقيت لهم. قالوا: «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها». انظر، فلذلك لا تنسى من أسأت إليه، تتبعه بإحسانك في الدنيا، والاستغفار في الغيب مما فعلت فيما بينك وبينه أصلح. وفيما بينك وبين الله أصلح، لأنها قد تثقلك يوم القيامة، ولكن الكتاب لم ينسى، لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وهكذا كذلك بالضد: «لا تنسى حسنة تظفر بها في هذه الدنيا». يوصيه كذلك بأن لا ينسى طريق الإحسان، الإحسان إلى نفسه في طاعة ربه، والإحسان كذلك إلى الناس والخلق بالجميل وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ومن لك بالسلامة في زمان تنال العصمة إلا إن عصمت». يعني كيف تأتيك السلامة في زمان كثر فيه ما ترى من قلة أهل الخير وكثرة أهل السوء؟ فلذلك يقول: أن الزمان في الحقيقة ما يعين على العصمة لفساده وفساد الكثير من أهله، إلا إن عصمت، يعني عصمك الله سبحانه وتعالى. إذن هذا يستدعي منك ماذا؟ يستدعي منك الأخذ بأسباب العصمة، الأخذ بأسباب العصمة. وأولها صدق، وثانيها كذلك علم، وثالثها عمل بمقتضى هذا الصدق والعلم. وتحت هذه الأصول الثلاث أسباب كثيرة ذكرها العلماء هي من أسباب الاعتصام. قال: «ولا تلبث بحي فيه ضيم يمت القلب إلا إن كبلت». يعني لا ترضى أن تبقى في حي وسكن فيه ضيم، والمراد بالضيم الظلم والاعتداء، سواء على الخلق أو من الخلق لأنفسهم. وهذا له نضائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. منها ما سبق: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾، من تفاسير الركون السكون في موضع فيه أهل ظلم، يعني لا تساكن الظالمين فيصيبكم ما أصابهم، حتى ولو أنت لم تفعل الظلم، حتى لو أنت لم تخالق هؤلاء الظالمين يعني ما كانوا أصحاب لك. فإن العذاب يأتي الجميع كما قال الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، يأخذ القرى وهي ظالمة. وربما فيها بعض الصالحين، كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخصف بأولهم وآخرهم». قالت عائشة: «يا رسول الله، يخصف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم»، يعني هؤلاء هم معتدون، لكن معهم أناس أبرياء أهل بيع وشراء، أسواق مرت عليها هذه الجيوش الظالمة، فنزل العذاب والخصف بها. فكيف حال هؤلاء الأبرياء؟ قال عليه الصلاة والسلام: «يخصف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم»، كل واحد يبعث على عمله ونيته. لكن في الدنيا يصيب الجميع العذاب، الجميع يصيبهم العذاب، كما قال الله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، يعني لا يكفي أن تكون صالحا ولو كنت بين الظالمين، لأنك إذا كنت بينهم أصابك ما أصابهم. أصابك ما أصابهم. انظر إلى الزلازل والبراكين، وكذلك الفيضانات التي تصيب أمم من الناس، عذاب من الله سبحانه وتعالى تصيب البر والفاجر، ليس الفاجر فقط. وهذا بسبب شؤم مجالسة الأبرار للأشرار والفجار. وهكذا كذلك حديث أصحاب السفينة، قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: «مثل القائم بدين الله والواقف عند حدوده والواقع فيه، كمثل قوم استهموا على سفينة». الحديث بقصته الطويلة، الشاهد أن هذا الحديث فيه أن هذا المجتمع كماذا؟ كالسفينة. فإذا لم يأخذ الصالحون بأيدي المفسدين ونهوهم عن الفساد، فإنهم سيغرقون جميعا. فإذا لم يأخذوا بأيديهم ولم يستطيعوا، فلا أقل ماذا؟ أن يتركوا هذه السفينة، يخرجوا إلى سفينة أخرى، لا يركبوا معهم بسفينة واحدة. وكذلك قوله رحمه الله: «ولا تلبث بحي فيه ضيم يمت القلب إلا إن كبلت». يمت القلب، يعني إما أنه من الإمداد في الغي كما قال الشارح المعلق، يعني ينزع للوقوع في الغي. وإما أن يكون بالتخفيف، يمت القلب. وهذا عندي أظهر أنه بغير تشديد، معنى مقصود، لأن الضيم يميت القلب في الحقيقة أكثر من نزعه، يميت القلب أكثر من نزعه. فالقلب يموت كما جاء معناه في الآيات والأحاديث الكثيرة. إلا إن كبلت، إذا كبلت عاد أنت معذور، إنسان في بلاد كفر يريد الهجرة لكن ما عنده مال للهجرة، هؤلاء من المستضعفين. رجل في بلاد فاجرة يريد أن ينتقل إلى بلاد تقية لكن ما عنده المال، حاول بكل الوسائل ما استطاع، هذا معذور. وإلا إذا كان مستطيع ولم يفعل، فيخشى عليه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين، المسلم والمشرك لا تترى نارهما». ثم قال: «وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن بريقك قد شرقت». والمعنى: ابتعد عن هؤلاء شرقا وغربا، فإنك إن فعلت وصلك الخير، لو لم يكن إلا أن تغير المكان الذي ربما ينزل فيه عذاب وأنت معهم. وقوله: «وغرب إن بريقك قد شرقت» إشارة منه رحمه الله أولا إلى ما سبق من الابتعاد عن هذه البلدة السيئة وهذا الحي الظالم. وثانيا يحذر رحمه الله تعالى من أن يغتر الإنسان بزخرف الدنيا في تلك البلد الظالمة، فإن الريق يشرق الإنسان به في الغالب إذا كان عنده ما يوجب تلك الشرقة كطعام قدم أو نحو ذلك. والمعنى: لا تفتنك الدنيا في تلك البلد الظالمة أو الحي الذي فيه ضيم. طيب، نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.