القصيدة التائية 1

القصيدة التائية 1

الدرس في القصيدة التائية 1، الدرس الأول:من( مقدمة عن المؤلف ... فكم ذا أنت مخدوع وحتى*متى لا ترعوي عنها وحتى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الإمام الإلبيري ومكانته

الإمام الإلبيري هو أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الأندلسي، شاعر وعالم من الأندلس، له مواقف مشهودة في نصيحة الأمة. كان له شعر في الزهد والورع ونُفي إلى إلبير بسبب موقفه من استعانة أحد الملوك بوزير يهودي.

عدم الاغترار بالدنيا والاستعداد للموت

ينبغي للمؤمن ألا يغتر بالدنيا، بل عليه أن يعتبر بما يصيبه من آلام وأحزان ويتذكر تغير جسده ودعاء الموت له، فيستعد لأمر الآخرة. الموت يأتي فجأة ولا يمكن رده حتى لأصفياء الله.

الوسطية في التعامل مع الدنيا وعدم الاكتراث بها

ينبغي للمسلم أن يكون وسطًا في تعامله مع الدنيا، فيأخذ منها ما يحتاجه من الحلال الطيب دون إغفال عن طاعة الله. المقصود بعدم الاكتراث بالدنيا هو التذكير والتخويف من الغفلة عن الآخرة وتوجيه الإنسان لما ينفعه في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، تقرر بعد رأي الكثير من الإخوان أن نقرأ في تائية الإلبيري أولًا؛ لقصر متنها، وثانيًا لشهرتها. فإن شاء الله نقرأ فيها على ما أراد أكثر الإخوة. هذه المنظومة هي كما هو مدون في أولها: لأبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الأندلسي، وهو من شعراء الأندلس الذين اشتهروا بالشعر، وكان صاحب علم، وكذلك قيام بهذا العلم. وقد كانت له مواقف ذكرها أهل التاريخ والسير في ترجمته، تدل على أنه كان من العاملين بالعلم الناصحين للأمة لولاة أمور المسلمين وعامتهم. فهو أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود بن السعيد التجيبي، المتوفى في أربعمائة وستين للهجرة. وهو ليس من أهل إلبير، وإلبير بلدة من بلاد الأندلس معروفة إلى يومنا هذا. وبلاد الأندلس هو ما يسمى اليوم بأسبانيا والبرتغال، فكانت فيها دولة إسلامية عظيمة لقرون كثيرة، ولكن زالت حين زال أو ضعف تمسك أهلها بدين الله عز وجل. الشاهد أن هذا الإمام، وهذا الشاعر، والعالم كان من أهل الأندلس، وأصله من تجيب. وتجيب بلدة مشهورة في مصر، أو موضع مشهور ينزل فيه أهل هذه القبيلة التي أصولهم من كندة. وهذه البلدة يقال أنها في موضع يقال له حصن العقاب، وهي موضع كما قال بعض أهل التاريخ أنها غربي أو غربي أهرام أبو صير بالجيزة. وتجيب من قبائل كندة، ونسبتهم إلى أم ولدي من ولدي كندة، وهما عدي وسعد ابني الأشرس بن كندة. وأمهم يقال اسمها تجيب بنت ثوبان بن سليم بن رهى بن مدحج. وكانوا يسكنون بلاد حضرموت في موضع يقال له الكسر أو كسر القشاقش، وأحيانًا يقال بالسين كسر القشاقس، وهو الموضع الذي فيه مجموعة من القرى حول ما يسمى اليوم بابن عيفان. تعرفون هذا الموضع، فقرى هناك كانت تسمى الكسر؛ لأنها وقعت بين جبلين أو سلسلة من الجبال تكسر السيل القادم على مدينة شبام، فسميت بذلك الكسر. ومنها قرى كثيرة منها هينا، وشريوف، والمخينير، والعادية، وعرض آل حويل، وعرض آل عامر، ونحوها من تلك القرى التي في ذاك الموضع. ويذكر أن الألبيري لم يكن من أهل الألبير، وإنما نفاه إليها ملك من ملوك الغرناطة أو الغرانطة -ينطق بالغين في ذاك الزمن- حين أنكر عليه استعانته واستنصاره برجل يهودي كان له دخول على بعض ملوك الأندلس، وهو إسماعيل بن نغزليه اليهودي. فنفاه هذا الملك المسلم لأجل هذا الإنكار إلى بلاد الألبير. وعندها كتب شعرًا وانتشر بين الناس حتى قام أهل شنغلة على ذلكم اليهودي وقتلوه. وكان لليهود أعمال كثيرة في إفساد أحوال بعض ملوك الأندلس، وقيل أنه قتل بعض الملوك، وكان وزيرًا ومقربًا لبعض الملوك الآخرين. فكان لهذا الإمام -كما سمعنا بهذا العرض اليسير- شأن حتى كان له هذا الثقل في مجتمعه، رحمه الله تعالى. وقد اشتهر بشعر الزهد والورع والعظات، وله في ذلك -كما ذكر- قصائد كثيرة، وأكثرها مما لم يطبع. ومنها هذه القصيدة المشهورة التي تداولها العلماء، وحفظها الصغار والكبار، والذكور والإناث؛ لما فيها من العظات والعبر، وخصوصًا أنها احتوت نصيحة من أب لابنه، ومن عالم لتلميذه ومتعلم منه. يقول في أولها: بسم الله الرحمن الرحيم. وفي بعض النسخ حذف هذه البسملة، ومر معنا في دروس سابقة خلاف أهل العلم في ذكر البسملة في الشعر، أجازه بعضهم، ولم يجزه بعضهم. وأشار إلى ذلك وألمح الحافظ بن حجر في شرحه في الفتح في أوائل كتاب صحيح البخاري. قال رحمه الله تعالى: تفت فؤادك الأيام فتًّا وتنحت جسمك الساعات نحتا وتدعوك المنون دعاء صدقٍ ألا يا صاحي أنت أريد أنت أراك تحب عرسًا ذات خدرٍ أبت طلاقها الأكياس بتا تنام الدهر ويحك في غطيطٍ بها حتى إذا ما مت انتبهت فكم ذا أنت مخدوع وحتى متى لا ترعوي عنها وحتى متى قال رحمه الله تعالى: تفت فؤادك الأيام فتًّا، كما أشار المعلق قال: أي تكسر أو تفتت. وفي الحقيقة الفت غير الكسر؛ لأن الفت يكون للشيء الرطب غالبًا أو ما فيه رطوبة وليونة، وهذا معقول بالنسبة للقلب؛ فالفؤاد هو القلب. والمعنى أنه ينبغي للمسلم أن يعتبر بما يراه وما يمر به من أمر هذه الدنيا من هموم وغموم وأحزان ومكدرات؛ فهي كفيلة أن لا يتعلق قلبه بها، ويعلم أن دارًا لا هموم ولا غموم ولا أحزان ولا آلام فيها تنتظره، وهي الدار الآخرة. فإذا كان كذلك كان هذا كافيًا في الزهد في هذه الدنيا وعدم الاغترار بها وعدم التعلق بما فيها؛ لو لم يكن إلا في ذلك عبرة تلك الآلام التي تصيب القلب بسبب الهموم والغموم والأحزان وغير ذلك مما يبتلى به هذا الإنسان. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المشهور: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فهي سجن المؤمن؛ لأنه بالنسبة لما يأتي بعده أمره كالسجن. ويذكر أن الحافظ ابن حجر مر في موكب عظيم له وحوله الناس وهو في أبهته، فاستوقفه يهودي فقال له: إني سمعت أن نبيكم يقول: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فقال الحافظ رحمه الله تعالى: أنا بالنسبة لما سآتي إليه من نعيم الله وفضله إن شاء الله في سجن، وأنت لما ستأتي إليه من عذاب الله وجحيمه أنت في جنة. يعني هذا الفقر الذي أنت عليه وهذا البؤس الذي أنت تشكو منه هو جنة بالنسبة لك لما سيأتي بعد ذلك من عذاب جهنم. وهكذا كذلك المؤمن ينبغي أن لا يغتر بما يأتيه من هذه الدنيا مهما ناله من خيرها وفضلها، وكذلك زهرتها. فينبغي أن يعتبر ببعض ما يصيبه فيها من آلام وأحزان وهموم وغموم التي تفت فؤاده؛ يعني تفت معنويًا، بل وربما يكون ذلك فتنة حسية. بعض الناس ربما يصاب في قلبه بأنواع من الأمراض بسبب تلك الهموم والغموم والآلام والأحزان التي يبتلى بها في هذه الدنيا. فإذا كان كذلك فينبغي أن تعتبر في أيام آلامك وأحزانك وهمومك وغمومك لتلك الأيام التي تشرح وتفرح فيها؛ ألا يكون ذاك السرور والفرح والانبهار بالدنيا على حساب دينك. ثم قال رحمه الله: وتنحت جسمك الساعات نحتًا. وهذا النحت كما قال المعلق: أي تبري. فالنحت هو نوع من البري، لكنه ليس البري الذي يكون للأقلام ونحوها، وإنما ما يؤخذ بطول الزمان ومرور الأيام. فالجبال تنحت، والماء ينحت، وهكذا كذلك الريح والهواء ينحت. وكذلك جسم هذا الإنسان بمرور الساعات ينحت؛ يعني يتغير، وتغيره مؤذن ببلوغه وانتهائه وزواله. فكان هذا كافيًا في اعتبار هذا الإنسان، وأن يكون موعظة ثانية ألا يغتر الإنسان في الدنيا. الموعظة الأولى الآلام والأحزان، والموعظة الثانية تغير أحوال الجسم بمرور الساعات. وكما قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم إنما أنت أيام وليالي، فإذا ذهبت ذهب بعضك. كم عمر الإنسان؟ عمره أيام وليالي. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين». فإذا مضى من عمرك ما مضى فهي أيام تقطع من عمرك، فما بقي؟ والله أعلم من يعمر إلى الستين والسبعين ومن لا. فما بقي فهو مؤذن برحيلك وخروجك من هذه الدنيا. والمعنى أن الإنسان بجميع مراحل حياته ينبغي أن لا يغتر بالدنيا كذلك، وأن يعتبر بما تنحته الأيام والليالي من جسمه؛ إن كان صغيرًا فكبر، أو كان شابًا فهرم، أو غير ذلك. فإنها كلها عظات وعبر مذكرات بعدم التعلق بالدنيا والاستعداد لأمر الآخرة. قال رحمه الله تعالى: وتدعوك المنون دعاء صدقٍ ألا يا صاحي أنت أريد أنت. والمراد بالمنون أي الموت، كما أشار المعلق رحمه الله؛ أي أن الموت ينادي نداء صادقًا، ويخصك بهذا النداء أنك أنت المراد بالوفاة. كما أنه يموت حولك أناس بين اليوم والليلة؛ منهم الصغير ومنهم الكبير، ومنهم الذكر ومنهم الأنثى، ومنهم بسبب ومنهم بغير سبب، ومنهم كذلك يطول سببه ومنهم يقصر. كل هذه عظات وعبر أنه سيأتي اليوم الذي يناديك الموت فيدعوك دعاء صدق أنه يريدك أنت، لا يريد أحدًا غيرك. وأنت لا تدري متى هذا الوقت، لا تدري متى هذا الوقت. ربما يكون الآن، ربما يكون بعد ساعة، ربما يكون بعد يوم، ربما يكون أسبوعًا أو شهرًا أو عامًا. لا تدري. أناس كنت تظن أنهم يعمرون، كانوا في قوة وصحة وفي عقل وذكاء، وفي ربما عيش ورخاء، ولكن زالوا وذهبوا. أتاهم وعد الله في قوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. فإذا كان كذلك فكذلك أنت، ينبغي أن تعتبر بمناداة الموت لأناس خصهم ودعاهم فأنت لا تدري متى يأتي ويدعوك. وإذا دعاك لن ترده ولا تستطيع رده. إذا كان أصفياء الله عز وجل وأخلاءه من اصطفاهم بالخلة، فإنه سبحانه وتعالى إذا جاء وعده استجابوا لنداء ربهم، ولكذلك وعده سبحانه، فكيف بغيرهم؟ فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام قال -كما جاء في صحيح البخاري وغيره-: قال أبو سعيد: خطبنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبة فقال: «عند الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله». قال أبو سعيد: فبكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه. فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك العبد، وكان أبو بكر أعلمنا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا أبا بكر، لا تبكي، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر. ولو كنت اتخذت خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر». فالشاهد: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليله، ومع ذلك علم أنه لن يبقى للدنيا، ولن يبقى له شيء من الدنيا، بل علم أنه راحل، وهو خليل الله عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى. قال رحمه الله: أراك تحب عرسًا ذات خدرٍ أبت طلاقها الأكياس بتا. وهذا انتقال والتفات، وهو أسلوب من أساليب البلاغة يوجب الانتباه. فكان الخطاب للغيبة، ثم صار الخطاب للمتكلم: أراك تحب عرسًا ذات خدر؛ يعني الدنيا. تحب هذه الدنيا بما فيها من زينة وبهرج وشهوات ومغريات. قال: أبت طلاقها الأكياس بتا. وبت الطلاق هو: إنها عدته؛ يعني طلقها ثلاث تطليقات، لم يبق لنفسه فيها رجعة. ويريد بالأكياس -كما أشار المعلق- العقلاء؛ يعني أن العقلاء الأكياس العقلاء الذين أخذوا بمعنى الاعتبار من هذه الدنيا -حسًا ومعنى- قد أبت طلاق الدنيا بتا؛ يعني لم يبقوا لها في قلوبهم ولا في أعمالهم رجعة. وهذا هو عمل الكيس الذي لا يغتر بالدنيا. وهل معنى ذلك أن يترك ما يحتاجه لنفسه وولده وزوجه وأهله؟ الجواب: لا. فينبغي للمسلم أن يكون في هذا الباب وسطًا بين من سلك مسلك الإفراط ومسلك التفريط. الإفراط الذين ربما حصل عندهم شيء من الغلو في التجرد عن الدنيا، فتركوا الحلال، وربما الواجب، فكان في ذلك فيهم شيء من رهبانية بعض النصارى، وذلك مما لم يحبه الله بل أبغضه. ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم. وهذه الرهبانية هو تحريم الحلال، فضلًا عن الواجب الذي يجب أن يأخذه المسلم. فمن الواجب الاكتساب للنفس، والاكتساب للأبناء، والاكتساب للأزواج. ومن الواجب إيجاد الستر من ستر الملبس، وستر المسكن، وهكذا كذلك ستر الحال. فاليد العليا خير من اليد السفلى، ولن تكون اليد عليا إلا بماذا؟ إلا بالتسبب وأخذ الحلال الطيب من الدنيا بقدر ما يحتاج الإنسان. وهذا حث عليه نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. ولا ينافي ذلك أن يكون صاحبه من الأكياس، بل كان نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو أزهد الناس، وهو أتقى الناس عليه الصلاة والسلام- كان عنده نساء. وقال عليه الصلاة والسلام: «حبّب إلي من دنياكم الطيب والنساء». وكان عليه الصلاة والسلام عنده أبيات، وإن كانت صغيرة لاطئة؛ أي دانية الأبواب. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام كذلك اتخذ لنفسه مركوبًا يركبه من الخيل ومن البغال والحمير والإبل. فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ ما يحتاج إليه من أمر الدنيا، وهذا من المشروع، بل بعضه من الواجب، بعضه من الواجب. ولا ينافي الزهد في الدنيا. وفي مقابل هذا التفريط الذي يورث غفلة في القلب، وهكذا كذلك تشتت وضياع في العمل؛ بسبب التعلق في الدنيا بأن يجعلها الإنسان هدفًا وقصدًا يتتبعه، فيشغله عن طاعة الله. ولو لم يكن هذه الطاعة واجبًا بل مستحبًا، فينبغي ألا تكون الدنيا عارضًا يمنعك من الخير الذي يقربك إلى الله عز وجل. وقد جمع أناس من الأنبياء وأتباع الأنبياء بين الدنيا المباحة وبين العبودية لله عز وجل. فهذا سليمان عليه الصلاة والسلام كان ملكًا بكل معنى الملك، ومع ذلك كان من العابدين لله رب العالمين. وهكذا كذلك كان بعده أناس صالحون استطاعوا أن يجمعوا بين خير الدنيا المباح مع القيام بالعبودية لله عز وجل ممن هم من أتباع الأنبياء قديمًا وحديثًا. ومن هؤلاء النجاشي الذي أثنى عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك بعد النبي عليه الصلاة والسلام من صحابته الخلفاء الأربعة؛ جمعوا بين الخلافة والولاية وبين القيام بالعبودية لله عز وجل. وهكذا بعدهم كذلك من جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين كثر. بل بعضهم ممن برز في العلم، وبرز كذلك في الدين، ومع ذلك كان ممن أخذ نصيبًا من الدنيا بشيء من الاقتصاد؛ يستعين بها على مرضات الله في نفسه وفي غيره. وخير من استعان بذلك من فعل نحو فعلهم. ومنهم أولئك الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله؛ الذي كان -كما قيل- لم يختلف عن الصحابة رضي الله عنهم إلا أنه فارقهم في الزمان، فإنه وافقهم في الكثير من أفعالهم وأخلاقهم، رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. وكان ينفق على عدد من العلماء والمحدثين، مع ما يقوم به هو في نفسه من العلم والعمل والدعوة. وهكذا ما يقوم به من التجارة. فالأمر الوسط -كما قلنا- هو أن يأخذ الإنسان منها ما يحتاجه من الواجب أو المباح الذي لا يوصله إلى التفريط في المستحب فضلًا عن الواجب، أو الوقوع في الحرام. قال رحمه الله تعالى: أراك تحب عرسًا ذات خدرٍ أبت طلاقها الأكياس بتا تنام الدهر ويحك في غطيطٍ بها حتى إذا ما مت انتبهت. ومعنى تنام الدهر ويحك في غطيط؛ يعني تمر عليك حياتك كلها وأنت في غطيط. والغطيط هو صوت النائم، ومعناه أنك في نوم وغفلة في هذه الدنيا؛ إما غفلة حسية؛ يعني بكثرة النوم والكسل والخور والقعود. أو غفلة معنوية؛ بأن تكون غير منتبه لما خلقت له من القيام بالعبودية لله عز وجل، واستغلال هذه النعم والمنن التي يسرها الله لك في نصرة دين الله والوصول إلى طاعة الله ومرضاته. فما أنعم الله عز وجل عليك من نعم؛ استعن به في أبواب الخير والبر، لا أن تكسل وتفتر، ولا أن تغتر فتتبعها على حساب دينك. ولكن كن في هذا وسطًا كما سبق. وقوله: بها حتى إذا ما مت انتبهت؛ يعني ما ينفع الانتباه بعد الموت؛ فإنه يكون كما قال الله عز وجل: ﴿فِي ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. فمن يطلب الرجوع بعد فوات الأوان ما ينفعه ذاك الطلب؛ فقد كان في دار الإمكان والعمل، ولكن هو ضيع. فَعِنْدَ ذَلِكَ إِذَا جَاءَتْ أَيَّامُ الْمُجَازَاةِ فَلَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا. قَالَ: فَكَمْ ذَا أَنْتَ مُخْدوعٌ وَحَتَّى مَتَى لَا تَرْوَعِي عَنْهَا وَحَتَّى مَتَى. وَحَتَّى مَعْنَاهُ إِلَى مَتَى. وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ مُخْدوعٌ بِهَذِهِ الدُّنْيَا؛ يَعْنِي بِشَهَوَاتِهَا وَزُخْرُفِهَا وَبَهْرَجِهَا. وَحَتَّى مَتَى؛ يَعْنِي إِلَى مَتَى لَا تَرْوَعِي؛ أَيْ لَا تَنْكَفِ وَلَا تَتَعَقَّلْ وَتَتْرُكْ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْغَفْلَةِ. فَقَالَ: لَا تَرْوَعِي عَنْهَا وَحَتَّى. وَمَعْنَى لَا تَرْوَعِي عَنْهَا؛ يَعْنِي لَا تَنْكَفِ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ وَعَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَأَذِنَ لَكَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: وَحَتَّى مُحَذَّفٌ مَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَحَتَّى مَتَى أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ أَوْ مَا كَانَ بِمَعْنَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ يُزِيدُ يَعِظُ وَيُذَكِّرُ وَيُخَوِّفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْغَفْلَةِ فَيَنْدَمَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ. نَكْتَفِي بِهَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.