القصيدة التائية 2

القصيدة التائية 2

الدرس في القصيدة التائية 2، الدرس الثاني:من( أبا بكر دعوتك لو أجبتا*إلى ما فيه حظك لو عقلتا ... ينالك نفعه ما دمت حيا*ويبقى ذكره لك إن ذهبتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم وأثره على صاحبه

يتناول هذا الفصل أهمية العلم النافع وأثره على صاحبه، حيث يرفع من شأنه ويجعله إماما مطاعا. كما يشير إلى أن طاعة العلماء من طاعة الله ورسوله، ويتعبد بها لله سبحانه وتعالى.

أثر العلم في حياة المسلم

يُبين هذا الفصل أهمية العلم في حياة المسلم، حيث يهدي صاحبه إلى الطريق المستقيم، ويجعله محبوبا عند الناس. كما يذكر أمثلة على علماء كانوا يجلهم الناس ويحبونهم لعلمهم.

فضل العلم وأثره الدائم بعد الممات

يُبين هذا الفصل أن العلم يرفع أصحابه ولو لم يكن لديهم جمال، ويبقى أثره ونفعه لصاحبه ما دام حيًا وبعد مماته. كما يذكر أن العلم نور يضيء لصاحبه ولغيره.

تفسير طاعة أولي الأمر والعلماء

يشير هذا الفصل إلى أن طاعة أولي الأمر تشمل العلماء والأمراء، حيث أن العلماء مقصودون أصالة بطاعتهم في فهم وتفسير الشريعة. يذكر ابن القيم رحمه الله أن طاعة الأمراء تابعة لطاعة العلماء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال البير رحمه الله تعالى: أبا بكر، دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت، إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت، ويجلو ما بعينك من غشاها، ويهديك الطريق إذا ضللت، وتحمل منه في ناديك تاجا، ويكسوك الجمال إذا عريت، ينالك نفعه ما دمت حيا، ويبقى ذكره لك إذا ذهبت. ثنى رحمه الله تعالى بهذه الأبيات التي قيل إنه وجهها نصيحة لولده، يحثه على طلب العلم وعدم الركون إلى الدنيا والعمل بهذا العلم، وما يلحق من نصائح كثيرة في هذه الأبيات الآتية. فقول أبا بكر ينادي ولده على ما ذكر، أو أنه على طريقة بعض الشعراء يذكرون اسما يريدون به المخاطب السامع والقارئ لهذا النظم أو ذاك الشعر، وكله محتمل، لكن المشهور أنه كان يعظ ولده، وسيأتي من سياق الأبيات ما يدل على ذلك. وقوله: أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت، يعني إشارة منه إلى تكرار الدعوة والنصح والحرص على ذلك إلى ما فيه نفعه في الدنيا وفي الآخرة. وقوله: إلى ما فيه حظك لو عقلت، مراده إلى ما فيه انتفاعك، والحظ الحقيقي للوهمي، فإن حقيقة الحظ هو أن توفق إلى العلم الصالح والعمل النافع، العلم النافع والعمل الصالح. وقوله: لو عقلت، ذلك أن هذا المحمود شرعا والمطلوب من هذا المسلم، ليس هو فقط من جهة شرعية، بل العقل الصحيح السليم لا يجحد أن يكون هذا هو الخير، لا يجحد أن يكون هذا هو الخير، وكل منصف يعرف ذلك. فكون الدنيا زائلة وفانية ولا يركن إليها العقلاء أدركوه الكفار، فضلا عن المسلمين، حتى بعض الكفار ممن يسمون بالفلاسفة والعقلاء ونحو ذلك، الذين يتفكرون في الكون ومنتهاه ونحوه، أدركوا أن الركون إلى الدنيا ليس بنافع، والاغترار بما فيها وتتبع شهواتها ليس بنافع. ولذلك توجه إلى أنواع من التوجهات في العبادات على مفهومهم الخاطئ من شركيات، فمنهم من توجه لعبادة الأصنام، ومنهم من توجه إلى عبادة النجوم والأفلاك، ومنهم من توجه إلى غير ذلك. وأما أهل الإسلام فمن الله عز وجل عليهم بعبادة الله الواحد القهار. وقوله: إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت، إشارة منه رحمه الله إلى ما فيه الحظ وهو العلم، والمراد بالعلم العلم النافع، علم الكتاب والسنة، وفضائل العلم كثيرة، وهو يشير إلى بعض الفضائل الحسية. وقد دلت الأدلة الشرعية إلى معنى هذه الفضائل، منها أنه سبب للإمامة أي في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة، إلى علم تكون به إماما مطاعا، مطاعا إماما، إماما مطاعا، فأنت إمام بغير ملك ومطاع بغير سلطان، بماذا؟ بالعلم. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، انظر سبحان الله جعلهم الله عز وجل أئمة بغير ملك ومطاعين بغير سلطان، وذلك بماذا؟ بصبرهم على العلم النافع والعمل الصالح، وبيقينهم بربهم جل وعلا في استجابتهم لأخذ هذا العلم النافع والعمل الصالح. وقوله: إن نهيت وإن أمرت، يعني في هذه الطاعة، فطاعة العالم من طاعة الله وطاعة رسوله، يتعبد بها لله سبحانه وتعالى. انظر إلى أثر العلم على صاحبه وحامله، طاعة العالم من طاعة الله وطاعة رسوله، فضلا عن الأدب الذي تكون به الطاعة للعالم مما فيه توقيره وإكرامه كما أمر المسلمون شرعا. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وأولي الأمر هم العلماء والأمراء، تبعوا للعلماء، فطاعة العلماء طاعة لله ورسوله. فصار العلماء بحملهم العلم أوجب الله عز وجل طاعتهم بالمعروف، وهكذا كذلك طاعتهم من باب الأدب والتوقير، فإن العلماء أمرنا شرعا بإجلالهم وتوقيرهم واحترامهم. وهكذا كذلك طاعتهم فيما فيه طاعة لله عز وجل، ومن ذلك الإكرام في باب طاعتهم، ولو كان في أمور الخدمة ونحوها، وقد بوّب العلماء في ذلك أبوابا، وذكروا في ذلك أدلة فيما يدل على احترام العالم وتوقيره وإجلاله، وأن ذلك يبتغ به وجه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ويجلو ما بعينك من غشاها، أو من غشاها، معناه أن العلم يزيل عنك ما بعينك من الغشا، والمراد به الغطاء والمشوش لأوضاع الرؤية. ويريد أن العلم يصحح لك النظر الحسي والنظر المعنوي، فالنظر الحسي بسبب الطاعة، فالطاعات تكسب القوة وتكسب الصحة، كما أن الذنوب والمعاصي تكسب السقم والمرض، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وفي المقابل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وهكذا كذلك ما يمن الله عز وجل به على عباده من آثار طاعتهم، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، البركات في كل شيء، حتى في الجسد والصحة والبصر والسمع وكل شيء. ومن حديث أبي هريرة: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالطاعات أو بالنوافل حتى أحببه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره التي يبصر بها»، فالشاهد أنه يرى بنور الله عز وجل، حسا ومعنا، حسا في قوة البصر، ومعنا في قوة البصيرة والإدراك للأمور العلمية. وقد كان العلماء إذا أعوزتهم مسألة يلجؤون إلى الله عز وجل بالطاعة، أيام ليل، صدقة، صيام، دعاء، استغفار، ابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا حتى يفتح الله عز وجل عليهم ما أشكل من المسائل. ولعدد من العلماء من ذلك عجائب في هذا الباب، ومن ذلك ما يحكى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيما ذكره عنه تلميذه ابن القيم، مما يدلك على هذا الباب أهميته. وقوله: ويهديك الطريق إذا ضللت، فهو ليس فقط يجل لك الأمور الحسية والمعنوية، بل ويهديك الطريق كذلك إذا ضللت، يهديك الطريق الحسي والطريق المعنوي. أنت تستفيد من العلم في معرفة الطريق مرضاة الله سبحانه وتعالى، وباب الهدى، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يعني بالعلم الذي كان معه والعمل عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك يهديك إلى الطريق الحسي، الطريق الحسي في الدنيا مما فيه السلامة، ومما فيه كذلك الغنم، الغنيمة تغنم أكثر من الناس وتسلم أكثر من الناس. انظر إلى حال حملة العلم في الدنيا، هم أبعد الناس عن المصائب وعن الفتن وعن المحن، بسبب ما أعطاهم الله عز وجل من العلم، فهم يجانبون مواضع السوء. مثلا أدركوا من الأدلة الشرعية عدم مصاحبة الأشرار، «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، صار هذا العلم مجنبا لهم من آفات مصاحبة الأشرار. بينما بعض الناس ربما ليس بسيء، صاحب نية حسنة، لكن ربما عنده غفلة، فيخالط بعض الأشرار، وانظر إلى تبعات مخالطة الأشرار، إما أن يصيبه شيء من آثار إذاك الشر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في «جليس الصالح وجليس السوء»، فجليس السوء إما أن يحرق ثيابك كصاحب الكير، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة. وهكذا المخالط لأهل السوء، ومثله قل في أشياء كثيرة صغيرة وكبيرة، العلم يكون سببا في هدايته إلى الطريق الذي ينجو به ويرتفع ويسلم ويغنم، حسا ومعنا. قال: وتحمل منه في ناديك تاجا، ويكسوك الجمال إذا عريت، كذلك العلم يجعلك في ناديك، والنادي هو محل اجتماع الناس، محل اجتماع الناس، وكان للعرب نوادي يجتمعون فيها، يعني يجتمعون فيها ويتداولون ما يحتاجون تداوله من حديثهم وأمورهم. وتحمل منه في ناديك تاجا، ويكسوك الجمال إذا عريت، تصير بهذا العلم صاحب تاج، ولو كنت ليس عندك تاج ولا ملك ولا سلطان. ويذكر فيما رواه يزيد بن الأصم أنه خرج مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه في أحد الحجاج، قال: فكان لمعاوية موكب، وكان لعبد الله بن عباس موكب، ممن يأخذ العلم عنه، يعني معناه جعل الله عز وجل لحامل العلم رفقة وجماعة ومثل جماعة صاحب السلطان والملك. كان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب، فابن عباس توج بغير تاج، توج بغير تاج. ويذكر أن ابن عباس رضي الله عنه أجلس مرة أبا العالي الرياحي على سريره، فكأن بعض أهل قريش استنكروا ذلك، وكان أبو العالي من الموالي، يعني من العبيد، فكأن بعض أهل قريش استنكروا ذلك. فماذا قال له ابن عباس رضي الله عنه أرضاه؟ قال: هكذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة، يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة. فهذه رفعة العلم، أنه يرفع المرء بغير تاج، لكنه تاج العلم. قال: ويكسوك الجمال إذا عريت، بالعلم تصير محبوبا وجميلا عند الناس، ولو كنت لست بجميل. يقول الأعمش رحمه الله تعالى: لو كنت بقالا لقدرني الناس، يعني استقدروا أن يشتروا مني، لأن الأعمش كان في عيني عمش، وتسيل إحداهما بالدمع، ليس منظره بالجميل، بل منظره ليس بداك، ولكن انظر أتعبوه أي طلاب العلم، حتى إنه رحمه الله ذكرت عنه في هذا نوادر وعجائب وطرائف كثيرة. كان يتعب من كثرة ورود طلاب العلم عليه، حتى إنه من طرائف ما يذكر اتخذ كلبا حارسا يحميه ممن يؤذيه من أهل الحديث، ما تركوه لا في ليل ولا في نهار. فكان بعض من يطلب الحديث يتعب، ويذكر عن ثابت البناني رحمه الله تعالى أنه قال: عندي من العلم الكثير، ولولا أني أخشى أن أبتلى كما ابتلي الحسن لحدثت كما حدث، فإن الحسن لم يدعه الناس ليلا، ولا في قائلة، ولا في غيرها، يعني أتعبوه بالليل وبالنهار، وفي الظهر، وفي وقت الراحة، وفي غير وقت الراحة. فلأجل ذلك قلل ثابت من التحديث، خشية أن يتعب كما أتعب الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله. وهكذا الأعمش اتخذ كلبا ليحمي نفسه من أذية أهل الحديث الذين ربما يأتون في أوقات غير مناسبة، وغيرهم ربما كذلك. فلما مات قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. الشاهد: انظر إلى إجلال هذا العالم عند الناس، وإلى حبهم له، مع ما كان عليه من منظر ليس بذاك. وقد ذكر العلماء أن عددا من أهل العلم كانوا من الموالي والعبيد، وكانت صورهم ليست بجميلة، ولكن انظر إلى مجالس العلم واجتماع الناس حولهم، وهم عدد كثير. بل ذكر العلماء أن الكثير منهم من أصحاب العاهات، منهم الأجدع، مجدوع الأنف، ومنهم الأحدب، يعني ظهره فيه حدبة، ومنهم الأعرج، ومنهم الأعماء، وكثير، ومنهم الأعمش، ومنهم الضرير، وهكذا الكثير، عندهم عاهات، ومع ذلك كان الناس اجتمعون في مجالسهم ويحبون أخذ العلم عنهم. وكذلك حتى أبناء الصحابة، وبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين أعطاهم الله عز وجل العلم، رفعوا بالعلم، لم يرفعوا بالجمال والمنظر. ذكر أن بعض أهل مصر جاء ليسمع من سالم بن عبد الله بن عمر، فطرقوا عليه بيته، فخرج عليهم رجل آدم، شديد الأدمة، يعني شديد الميل إلى السواد، وليس بأسود، لكن شديد الميل إلى السواد. فقالوا له: ادع لنا مولاك، وقل له إن قوما جاؤوك، فقال: من تريدون؟ قالوا: نريد سالما بن عبد الله بن عمر، قال: ها أنا ذا، أنا سالم بن عبد الله بن عمر. فتعجبوا منه، فسألوه وأخذوا مسألتهم وذهبوا، فالعلم يرفع أصحابه وأهله، ولو لم يكن عندهم جمال. قال رحمه الله: ينالك نفعه ما دمت حيا، ويبقى ذكره لك إن ذهبت، العلم يبقى أثره ونفعه لك ما دمت حيا، منافعه كثيرة، لا تعد ولا تحصى، فهو يحرسك، وهو كذلك ينفعك. فمن منافعه ما ذكر رحمه الله من الفوائد الثلاث والأربع، ومنها كذلك أنه يذكرك إذا نسيت، وينبهك إذا غفلت، وكذلك يبين لك إذا أجملت، ويخصص لك إذا أطلقت. وكذلك يضع الشيء في موضعه، كل ذلك العلم، أنت ربما تفهم الشيء على وجه مجمل، فإذا تعلمت وبلغك شيء من العلم، بين لك بعض المجمل الذي لم تفهمه على حقيقته. وأنت درست وتعلمت، لكن يتبين لك بزيادة التعلم أنك ما فهمت تمام الفهم، وهكذا ربما تتعلم الشيء وتنساه، لكن بطلبك العلم واستمرارك فيه تتذكر ما نسيت. وهكذا ربما تتعلم الشيء وتغفل عنه، فباستمرارك وطلب العلم لك فيه تتذكر وتنتبه لما غفلت، وهكذا فوائد كثيرة. وما دمت حيا ومستمرا في العلم، فالعلم نور يضيء لك ويضيء لغيرك، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، ما هو هذا النور؟ إنه الإيمان والدين الذي هو العلم من الكتاب ومن السنة، نور يضيء لصاحبه ويضيء لغيره. فحامل العلم كالمصباح يضيء لنفسه ويضيء لغيره. قال: ويبقى ذكره لك إن ذهبت، كذلك إذا مت فإن أثره يبقى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على ماذا؟ على أن العلم مما يبقى للإنسان حتى إذا مات، أثر العلم يبقى لطلبتك، لزوجتك، لأولادك، لآبائك، لأجدادك، لإخوانك وأخواتك، لبني قرابتك جميعا، لجيرانك، لأصدقائك، لكل من عرفك في هذه الدنيا. قد وضعت له بدرة تجد ثمرتها يوم القيامة، هذا وضعت عنده نصيحة انتفع بها ونفع بها خلقا كثيرا، كل هؤلاء الخلق يصلك أجورهم، لا ينقص من أجورهم شيئا، كما في حديث أبي هريرة، وبمعنى حديث جرير في صحيح مسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». وفي حديث أبي هريرة: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ما دعا، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا»، وهذا من ثمار العلم، هذا من ثمار العلم. بينما غيرك الذي ليس عنده هذا العلم يحرم هذا الخير كله، وهكذا كذلك ذكر ذكرك بالعلم يبقي ذكرك إلى سنين طويلة. كم عاش من الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟ أمم لا يخصون، هل تعرفون أحدا من أسماء هؤلاء؟ الجواب: لا، لكن حملت العلم، نحفظهم ونحفظ أسماءهم وأسماء آبائهم وأسماء أبنائهم، بل وربما أسماء زوجاتهم، وشيئا من تفاصيل سيرهم. وهذا من فضل العلم، بيننا وبين بعض الصحابة أكثر من ألف وأربعمائة عام، ومع ذلك صال ذكرهم إلى يومنا هذا. كم نقول: قال ابن عمر رضي الله عنه، قال ابن عباس رضي الله عنه، قال أنس رضي الله عنه، قال أبو هريرة رضي الله عنه، كم وكم نقول كذلك من التابعين: قال عطاء رحمه الله، قال الزهري رحمه الله، قال ابن سيرين رحمه الله، قال سعيد بن المسيب رحمه الله. وكم نقول من أتباع التابعين ممن بقي ذكرهم إلى يومنا هذا، وبيننا وبينهم مئات السنين، ليس مئة ولا مئتين ولا ثلاث، بينما أناس ربما من بعض جيرانك يموت، وما تمر أيام إلا وينسى، ولا يكون له ذكر. بل وربما من بعض قرابتك يموت، وما تمر أيام إلا وينسى، ولا يكون له ذكر، أما العالم يبقى ذكره سنوات طويلة. قال الإمام أحمد رحمه الله، قال الشافعي رحمه الله، قال الإمام مالك رحمه الله، وهكذا قال ابن تيمية رحمه الله، كم يترحم عليه الناس، وكم يذكره الناس، وهكذا. هذا شيء قليل من كثير مما يبقى من ذكر العالم، ويبقى ذكره لك إن ذهبت. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لعلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. قال النووي رحمه الله: قيل: هم العلماء، والذي عليه جماهير السلف والخلف أنهم الأمراء، هذا من التفسير ببعض المعنى. فأنت إذا رجعت إلى كتب التفسير ستجد ما قاله ابن القيم رحمه الله: أن المراد بهم العلماء والأمراء، وأن العلماء مقصودون أصالة، والأمراء طاعتهم تابعة لطاعة العلماء، لأن الأمراء هم الذين يأتون بشرع الله مما في كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. بهذا نكتفي، الله تعالى أعلم.