القصيدة التائية 3

القصيدة التائية 3

الدرس في القصيدة التائية 3، الدرس الثالث:من( هو العضب المهند ليس ينبو*تصيب به مقاتل من أردتا ... فواظبه وخذ بالجد فيه*فإن اعطاكه الله انتفعتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم ومكانته

يُشبه الشيخ العلم بالسيف المهند الذي لا ينبو، ويُعد كنزًا لا يخاف عليه اللصوص. العلم يزيد بكثرة الإنفاق منه، على عكس الكنوز المادية التي تنقص عند الإنفاق منها.

آثار العلم على طالبه وفضل تعليمه

يصف النص حلاوة العلم وأثره على من يطلبه، حيث يجد العلماء فيه لذة أكبر من لذة الطعام. كما يحملهم على بذل الجهد في تحصيله وتعليمه للآخرين.

أهمية التوكل على الله والدعاء في تحصيل العلم والنفع

يشدد على أهمية الدعاء والتوكل على الله لتحقيق النفع، حيث إن الله بيده كل خير وفضل. الحرص على الدعاء يتيح للإنسان الحصول على ما يريده من خير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: «والعظب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت، وكنز لا تخاف عليه لصا، خفيف الحمل يوجد حيث كنت، يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت، فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت، ولم يشغلك عنه هوا مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنت، ولا ألهاك عنه أنيق روض ولا خدر بزينتها كلفت». قال: فقوت الروح أرواح المعاني، وليس بأن طعمت ولا شربت، فواضبه وخذ بالجد فيه، فإن أعطاكه الله انتفعت. أورد رحمه الله تعالى هذه الأبيات، وكذلك تتمة في الكلام على فضل العلم ومفاضلته على ما سواه مما في هذه الدنيا. فقال رحمه الله: «والعظب المهند ليس ينبو»، يريد أن هذا العلم كالسيف المهند. هو العظب المهند، كالسيف المهند، والعظب هو نوع من السيوف القصيرة القوية، والمهند نوع من السيوف، قيل: إنه يؤتى به من الهند، وقيل: حديده من الهند، وقيل: يشبه ما كان من سيوف الهند في جودته وسرعة قطعه. وقد مر معنا التفصيل في ذلك في درسي «شارح أصول التفسير»، بما يغني عن إعادة في هذا المبحث المهم. أنه وصف لنوع جيد من السيوف. ومعناه أن العلم ليس كسائر ما يكون بمعناه من المنافع، فمنفعته أعظم المنافع، وأثره في غيره أعظم من أثر غيره مما قد يؤثر. إذا كان السيف العظب المهند يفوق سائر السيوف، فكذلك العلم يفوق سائر المقاتل. وقوله: «ليس ينبو»، يعني ليس يخطئ في قطعه وضربه، «تصيب به مقاتل من أردت»، يعني أنه سلاح عظيم لا تساويه سائر الأسلحة. فمثلا الإنسان قد يستخدم لسانه في فصاحته أو كثرة كلامه في مخاصمة الخصوم، لكن ليس اللسان بشيء مع وجود العلم. قد يستخدم الإنسان قوته في مخاصمة الخصوم، ولكن ليست القوة بشيء أمام العلم. قد يستخدم الإنسان ذكاءه في مخاصمة الخصوم، لكن ليس الذكاء بشيء مقابل العلم. فالعلم مع الذكاء، ومع الفصاحة، ومع القوة يكون بذلك من أحسن ما يستعين به المرء في مدافعة خصومه. وذلك لأن العلم هو أقوى الحجج، وهو قاطع الألسنة، وهو مسقط الأذكياء، وهو كذلك قاهر الأقوياء. ليس شيء يقف أمام العلم، بخلاف غيره من الوسائل الأخرى، فإنها تقف عند العلم. أما العلم لا يقف عنده شيء. إذا كان كذلك، فينبغي للعاقل، فضلا لطالب الخير والفضل والهدى والعلم، ألا يزهد في هذا العلم. والمراد بالعلم، كما تقدم، هو العلم الشرعي الذي تنال به خير الدنيا وخير الآخرة. وقوله رحمه الله: «وكنز لا تخاف عليه لصا، خفيف الحمل يوجد حيث كنت»، فهو مع ما سبق، فيه فضل آخر، وهو أنه كنز ليس كسائر الكنوز. الناس يملكون الجواهر ويملكون الذهب والفضة ويملكون القصور والدور والمراكب الفارهة، وهكذا كذلك النوادي الفاخرة. ولكن ليس ذلك بشيء أمام هذا الكنز، وهو العلم الذي من كنزه، ومن ثمنه، أنه يسقط سائر تلك الكنوز. يسقط سائر تلك الكنوز. المال قد يضرك، يضرك حسا ومعنا. يضرك حسا باجتماع الأعداء عليك، ويضرك معنا ما يكون من فتنته، ومن زخرفه الذي يؤثر على القلب ويؤثر على الأخلاق. فإن للمال أثر على صاحبه، ولهذا كما قال بعض العلماء: من تكرمة الله عز وجل للصالحين من عباده، أن لم يفتنهم بدنيا. لم يفتنهم بدنيا، لأن الدنيا تغير القلب. أن تنظر ولو كان القلوب لا تستوي في الصلاح، لكن في الغالب أن الدنيا تغير القلوب. أن تنظر إلى من تربى في فقر، كيف يكون الغالب عليه التواضع والرحمة ولين الجانب. ومن يتربى على ترف وعلى دنيا، كيف يغلب عليه -إلا من رحم الله وهم قليل- كيف يغلب عليه الفخر والخيلاء والكبر والترفع، وهكذا كذلك عدم لين الجانب. وهذه كل خصال مذمومة. بخلاف من يرزق العلم، فإن من يرزق العلم في الغالب يجد كنزا هو أعظم من تلك الكنوز جميعا. ومع ذلك هو كنز لا تخاف عليه لصا، لأنه في الصدر، ولو كان في الكتب، فاللصوص لا يطمعون في الكتب. اللصوص يطمعون في الكنوز الحسية الأخرى: الذهب والفضة والجواهر وغير ذلك من متاع الدنيا. وأما العلم، فالغالب أن اللصوص يزهدون فيه، الغالب أن اللصوص يزهدون فيه إلا لص العلم. إلا لص العلم، فهؤلاء قليل، هؤلاء قليل بالنسبة لذاك. ومع ذلك لا يأخذونه عنك، قد يأخذون بعض ما ليس لهم فينسبوه لأنفسهم، مثل بعض المؤلفين في هذا الزمان الذي حاله: خذ من هنا وضع هنا، وقل مؤلفه أنا. كان شيخنا رحمه الله عبد الله بن صالح الفالح، إذا دخل مكتبه ورأى بعض الكتب، أقول له: ما رأيك بهذا الكتاب؟ يقول: خذ من هنا وضع هنا، وقل مؤلفه أنا. فيقول: أكثر هذه الكتب الصغيرة من هذا السبيل، يعني من السرق العلمية. يأخذون من بعض الكتب ولا ينسبون إلى المكان الذي أخذوا منه. فالشاهد: العلم كنز لا يخاف عليه، لأنه إما في الصدر محفوظ، وإما كذلك يكون في كتب لا يطمع فيها في الغالب. ولهذا كان بقاء حملته بقاء للعلم، وذهاب حملته ذهاب للعلم. حتى الكتب إذا وجدت ما ينتبع بها الناس، ما يأتي الناس إلى «صحيح البخاري» ويقول: يا «صحيح البخاري» أعطينا فتوى نحتاج إلى فتوى. ولا يأتون إلى «صحيح مسلم» ويدقون عليه ويقولون: نريد منك فتوى. ولا إلى «تفسير ابن كثير» ولا «ابن جرير» ولا غيرها من الكتب. وما أكثر المكاتب اليوم في المساجد وفي غيرها، وبالمكتبات العامة. لكن هل ينتبع الناس بها؟ يعني يحصل لهم التأثير بمثل وجود العالم؟ الجواب: لا. العالم يعطيهم العلم في وقت ما يحتاجون، وهو كذلك يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدل الناس إلى ما فيه الخير لهم في الدين وفي الدنيا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في «الصحيحين» في حديث عبد الله بن عمر: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزع من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء»، يعني بموت العلماء، «حتى إذا لم يبقى عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وقوله: «خفيف الحمل يوجد حيث كنت»، يعني أنه يكون في الصدر، فهو خفيف الحمل، ليس كسائر الكنوز الأخرى. فأنت تريد كنزا خفيفا تنتفع به في أي وقت، هو العلم. تنتفع به في أي مكان وزمان، ويحصل به كذلك الخير لك وللنحاس في هذه الدنيا. وهو هذا الكنز الذي هو العلم. قال: «يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت». وهذه من محاسن الشعر، ولا يزال الناس تمثلون به. ومن محاسن ما وصف به العلم. فالعلم يزيد بكثرة الإنفاق منه، بخلاف المال ينقص. ولو كان الله عز وجل يبارك فيه، يعني في المال الذي يؤخذ منه. لكنه في مرآة العين ينقص. بخلاف العلم، العلم بإخراجه يزيد. كلما أخرجت زاد، من زيادته. وله أوجه كثيرة في الزيادة من زيادته. ثبوت هذا العلم في صدر هذا العالم، فبكثرة تكلمه بالعلم وإخراجه وتعليمه للناس، تثبت مسائل العلم في قلبه، حتى أنها ترسخ وتجري على لسانه، حتى أنها تثبت. بخلاف العلم الذي لا يخرج للناس، فإنه سرعان ما ينسى، وسرعان ما يذهب ويغيب، ويشك حامله فيه. يشك، بخلاف الذي يكثر من إخراج العلم، كلما أكثرت من إنفاقه زادك الله عز وجل فيه. وذلك كما قال: «يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت». ومن زيادته كذلك زيادة معلومات أخرى. أنت إذا تكلمت بالعلم، ربما أول مرة تنقل مسألة في فهم حديث عن أحد العلماء، فأثناء بثك لهذه المسألة يفتح الله عز وجل عليك مسائل أخرى، تجدها أثناء بث هذا العلم. أو كذلك من زيادته ما يرد عليك من فوائد المتعلمين. فإن العالم أحيانا يستفيد من المتعلم، إما بعلم اطلع عليه لم يطلع عليه هو. وهذا من بركة بذل العلم. وإما في سؤال يرد عليه يحتاج إلى جواب، فيبحث فيه فيزداد علما بسبب سؤال هذا المتعلم. وهكذا كذلك إما بالوقوف على فوائد للآخرين، في قراءة كتاب لم يكن قرأه من قبل. أو التدقيق في مسألة قرأها، لكنه لم يمعن النظر فيها. وببذله وتعليمه للعلم، أمكنه ذلك من إمعان النظر. وكل هذا من أسباب زيادة العلم. قال: «فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت»، يعني أن للعلم حلاوة أعظم من كل حلاوة. حلاوة العلم حلاوة فوق كل حلاوة. حلاوة حسية، وحلاوة معنوية. حلاوة حسية يجدها من يفوض في مسائل العلم، وفي تعلمه، وفي حفظه، وكتابته. حتى أنه يشتهيه أعظم من شهوة الطعام. يشتهي حلاوة العلم أعظم من شهوة الطعام. وقد جرب العلماء ذلك، فوجدوه، ووجدوا أثره. ربما ترك بعضهم الطعام الأيام الطوال من أجل تحصيل العلم. وتعرفون قصة «ابن أبي حاتم» التي مرت معنا كثيرا، مع زملائه الذين كانوا يكتبون الحديث في النهار ويقابلونه بالليل، فلا يتفرغون لأكل شيء. يعني إلا ما يسد جوعهم، من غير طبخ، من غير طبخ. بعضهم إذا طلب الحديث يأخذ له «البازل» -لا يعني مثل ما نقول نحن «العتر» يأكله لأجل يختصر على نفسه أمر الطبخ وغيره- يطلب الحديث. وهكذا بعضهم ربما يأكل «الكعك» يسفه «سفا» بالماء، يفته ويشرب عليه ماء، من أجل أن لا يشغله أكل غيره من الطعام، من الخبز طبخه، وهكذا كذلك «الإدام» الذي يحتاج، وهكذا كذلك المضغ. كما كان يفعل «ابن عقيل» رحمه الله، أنه قال: وإني لآثر يستأثر على نفسه، ويبخل على نفسه أن يأكل الخبز، ويذهب ليأكل «الكعك» ويسفه بالماء. قال: لفرق ما بينهما، يعني من وقت المضغ. وكذلك ما يلحق ذلك، يبخل على نفسه حتى في وقت الطعام، من شدة تلذذه وحبه للعلم. وهكذا أولئك «ابن أبي حاتم» ومن معه، لما جاءوا لأحد المشايخ وأخبروا أن الشيخ مريض، رجعوا إلى البيت. الشيخ مريض اليوم، رجعوا إلى البيت، فمروا بالسوق بسمك، وكانوا قد اشتهوا السمك، لهم فترة ما يأكلون السمك، فأخذوا سمكة. فلما ذهبوا بها إلى البيت أرادوا أن يطبخوها، أخبروا أن شيخا آخر قد جاء، فتركوا السمكة وذهبوا للسماع من الشيخ. وهكذا انشغلوا سائر الأيام بالكتابة في النهار والمقابلة في الليل، وهم منشغلون بالعلم، تلذذوا به، حتى إذا شموا رائحة السمك بدأت تتغير، فأكلوها نيئة. أكلوها نيئة. وهذا من تلذذهم بالعلم. وهكذا كذلك غيرهم كثير، ممن بذل الكثير من أجل حلاوة العلم. قال: «ولم يشغلك عنه هوا مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنت». إذا قد طعمت حلاوة العلم، لا يمكن أن يشغلك عنه هوا مطاع، أي هوا كان ما تهواه. لا يمكن أن يشغلك عن العلم، بل العلم قد يشغلك عن الهوى. وليس الهوى يشغلك عن العلم، العلم قد يشغلك عن هواه. ربما ينشغل الرجل عما يحب، والمرأة عما تحب، إذا انشغل كل منهما بالعلم. وهكذا ينشغل الأب وينشغل الابن، ويشتغل الصغير وينشغل الكبير، بسبب حب العلم. وقوله: «ولا دنيا بزخرفها فتنت»، كذلك من عرف حلاوة العلم وذاق كذلك أثره، فإن الدنيا لا تفتنه في الغالب. الدنيا لا تفتنه في الغالب، خصوصا إذا كان ممن يعمل بعلمه، فإنه يعرف حقارة الدنيا، وهو يطمع فيما هو خير منها. وهذا حال العلماء العاملين، فإنهم في الحقيقة يجدون العلم ليس له نظير. وربما تعرض لهم الدنيا عرضا فيأبونها ويرفضونها، لعلمهم أن ما هم فيه خير مما يعرض عليهم. ولهذا شواهد ونظائر كثيرة من أحوال العلماء وقصصهم وأخبارهم. لو تتبعت ذلك لوجدت الكثير. كم من العلماء الذين رفضوا القضاء؟ وكم من العلماء الذين رفضوا هدايا الملوك والأمراء؟ وكم من العلماء الذين عرضت عليهم من الدنيا أشياء آحاد ومثاني، وأشياء كثيرة. ومع ذلك أعرض عنها لحبهم وانشغالهم بالعلم. قال: «ولا ألهاك عنه أنيق روض ولا خدر بزينتها كلفت»، يعني لم يشغلك ولم يلهوك بك «أنيق روض». والمراد بـ«أنيق روض»: المناظر الجميلة، لأنها محل إعجاب الناس. فإن من الناس من يتتبع المناظر الجميلة من بلده إلى بلده، ومن دوله إلى دوله، وهكذا. وهو يتتبع تلك المناظر، فذهب عليه عمره. وآخر ربما يرحل من مكان إلى مكان، لكن في تحصيل العلم. كما رحل الأئمة وأهل الحديث وطلبة العلم والعلماء في تحصيل العلم، فإنهم حرصوا على ذلك أشد الحرص. وربما بعضهم يدخل البلد التي فيها الملاهي العجيبة، فيقال له: ذهبت «حديقة كذا وكذا»، يقول: أين هذه الحديقة؟ يقول: في البلد التي ذهبت إليها، يقول: ما أعرفها، ما ذهبت إليها. أنا ما ذهبت لأنظر الحديقة، ذهبت لطلب علم، أو دعوة إلى الله، أو نحو ذلك. فيتعجب الناس: كيف الناس يبذلون الأموال الكثيرة ليذهبوا لزيارة هذه الحديقة، وأنت قد وصلت إلى البلد ولم ترى هذه الحديقة؟ وهذا بسبب ماذا؟ بسبب من شغل، من حبه للعلم والدعوة ونحو ذلك. وهكذا كذلك قوله: «ولا خدر بزينتها كلفت»، يعني كذلك لم يشغلك أمر عروس أو امرأة جميلة في زينتها. لم يشغلك ولم يلهيك عن العلم. بل إذا أحببت العلم، فإنك بالعكس ستنشغل عن النساء ومفاتن النساء. بل وربما حتى أحيانا عن بعض ما يجب عليك، إذا لم تتق الله وتقيم ماذا؟ وتقيم حق الله في ذلك. فإن بعض أهل العلم ربما انشغلوا، لكن من وفقه الله للعمل بالعلم، علم أن الحقوق لا ينبغي أن يطغي بعضها على بعض. لا ينبغي أن يطغي بعضها على بعض، بل ينبغي أن توضع مواضعها الشرعية التي ليس فيها طغيان. فلا ينبغي حبك للعلم أن تضيع الواجب في حق زوجتك. بل يجب أن تعطي كل ذي حق حقه. ولكن المراد أن العلم في الحقيقة له فضل على صاحبه، أنه لا يجعله يتعلق بما يتعلق به الناس، وما يفتتن به الناس. ومما حفظنا من شيخنا رحمه الله، تلك الأبيات الجميلة التي نقلت عن «أبي القاسم ابن عساكر» رحمه الله تعالى، بقوله: «لقول الشيخ: أنباني فلان، وكان من الأمة عن فلان»، إلى أن ينتهي الإسناد. «وأحلى لقلبي من محادثة الحسان»، إلى آخر الأبيات. فإن التحديث وتحصيل العلم وتدوين العلم، أحلى إلى قلوب حملته وجامعيه من محادثة الحسان، يعني النساء الجميلات. المراد بهن: من الزوجات أو من ملك اليمين. وهكذا كذلك تلك الأبيات التي قالها تلميذ «ابن المبارك»، وقد تزوج حديثا ورحل لشيخه «ابن المبارك»، فوجد منه ما وجد. وهكذا كذلك قول «الزمخشري»: «سهر لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناقي»، إلى آخر الأبيات. قال رحمه الله تعالى: «فقوت الروح أرواح المعاني، وليس بأن طعمت ولا شربت». يقول: فقوت الروح، ومعنى قوت الروح: يعني غذاء. غذاء الروح «أرواح المعاني». والمراد بـ«أرواح المعاني»: أي ما يستفاد من المعاني الشرعية: الكتاب والسنة، وما يحصل من العلم. فهذا هو الحقيقة غذاء الروح. غذاء الروح، فحياتها بذلك. ومصداقه في قول الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام:122]، يعني بهذا العلم. وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، فهذا يدل على أن الحياة الحقيقية هي بأخذ العلم والهدى الذي أنزله الله عز وجل. وقوله: «وليس بأن طعمت ولا شربت»، فإن الطعام والشراب هو حياة وغذاء الأجساد. وأما غذاء الروح، فهو في الحقيقة بهذا العلم. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في «الصحيح»: لما قالوا له وأرادوا الوصال ونهاهم، قال: «ولكنك تواصل»، قال: «إني أبات أطعم وأسقى». قال العلماء: ليس الطعام والسقاء المراد به ها هنا الطعام الحسي، لأنه لو كان كذلك لم يكن صائما، لأن من شروط الصيام الانقطاع عن الطعام والشراب في وقت الصيام. لكن المراد: يطعم ويسقى بالعلم والإيمان الذي يشغله ويكفيه ويغنيه عن الطعام والشراب. بخلاف غيره، فإنه لا يأتيه من العلم والإيمان ما يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فربما يكون له فيه بعض المضرة. ولهذا تجد في الحقيقة أن هذا المعنى له أثر. له أثر. الإنسان إذا انشغل، فربما استكفى عن الطعام والشراب، وصار هذا الاستكفاء ليس بضار له. وعلى هذا فسر بعض العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام». لماذا؟ قالوا: لأن المريض لما كان في حال مرضه منشغلا بما هو فيه، صار الجسم مستغني عن الطعام. لا يريده ولا يحتاجه، فإرغام المريض على الطعام في ذاك الوقت إضرار به. لماذا إضرار به؟ لأنه أولا يزيد في مرضه، من ناحية معنوية، من أذيته وإكراهه. وثانيا من ناحية حسية، لأن الجسم لا يحتاج ربما إلى ذاك الطعام الذي تكرهه عليه. لأن الجسم إذا كان غير راغب، فإنه لا يستفيد منه، بل قد يتضرر منه. ولهذا ينصح الأطباء قديما وحديثا أن يستأذن المريض، ويخير فيما يحب من الطعام. إذا رغبت أن تكرهه على الطعام، لا تكرهه بالقوة، ولكن بكثرة العرض عليه: تريد هذا؟ لا، تريد هذا؟ لا، تريد هذا؟ نعم، يعطى الذي يريد. وهذا أنفع له، من استفادة الجسم منه، ومن كذلك إيجاد أسباب أخرى للشفاء، من الأسباب المعنوية، ويراحته وطمأنينته وفرحه، الذي هو من أسباب الشفاء. وهكذا كذلك غذاء الروح العلم، إذا قد دخل إلى القلب ربما اكتفى بالطعام القليل. اكتفى بالطعام القليل، لانشغال قلبه وانشغال جسده عن العلم. بخلاف الفارغ، لهذا الفارغ تجده ماذا؟ تجده أكل. الفارغ في الغالب تجده أكل كثير الأكل، لأنه كلما شم رائحة انشغل جسده وعقله وسائر أعضائه بذاك الطعام. لكن المشغول، لو مرت عليه عشرات الروائح مكتفي ما يحتاج، ولا يجد في نفسه رغبة، ولا في جسده طلب. فيكون في ذلك غذاء له، أي هذا العلم غذاء حسي وغذاء معنوي. وقوله: «فواضبه وخذ بالجد فيه، فإن أعطاكه الله انتفعت»، يعني احرص بعد هذه النصائح كلها على مواضبتك في أخذ العلم بجد، فإن أعطاكه الله انتفعت. فإذا حصلته انتفعت. وفي هذا أن العلم يحصل بثلاثة خصال: الخصلة الأولى: المواضبة. والخصلة الثانية: الجد فيه. والخصلة الثالثة: دعاء الله عز وجل أن يعطيك إياه. فلو بدلت ما بدلت، إذا لم يوفقك الله لم توفق. وهكذا كذلك إذا دعوت الله ما دعوت، ثم لم تأخذ بأسباب التوفيق لم توفق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل لما قال: «اسألني»، قال: «اطلب أو قال اسألني ما تريد»، قال: «مرافقتك في الجنة»، قال: «أعنّي على ذلك بكثرة السجود». قال: «قبل ذلك أو غير ذلك؟» قال: «بل ذلك يا رسول الله»، قال: «أعنّي على ذلك بكثرة السجود». وهكذا كذلك العلم. ولما سئل الإمام البخاري رحمه الله: «يا إمام، هل من دواء يزيد في الحفظ؟» كان الإمام البخاري رحمه الله يضرب به المثل بكثرة الحفظ. وكان طلبة العلم في ذاك الزمان يريدون شيئا يكثر في الحفظ، ويسمعون أن بعض الأدوية، وكذلك الأعشاب تكثر في الحفظ، مثل ما ذكر العلماء: «اللبان» مثلا، «لبان الذكر» إذا شرب في الصباح وشرب في المساء، وهكذا «العسل» إذا شرب بوصف خاص. ومع ذلك هل هذا حقيقة هو الذي يزيد في الحفظ؟ قالوا: «يا إمام، هل من دواء يزيد في الحفظ؟» ماذا قال إمام البخاري؟ قال: «لم أجد مثل مداومة النظر وهمة طالب العلم». وهذا هو ما قاله الشاعر ها هنا: «فواضبه وخذ بالجد فيه». المواضبة هي مداومة النظر، أكثر من مداومة النظر في العلم، سواء بالسماع أو بالقراءة أو بجلوس في حلق العلم، فإن هذا من المواضبة. وهكذا «همة طالب العلم»، لم أجد مثل مداومة النظر وهمة طالب العلم. همة طالب العلم هي التي تجعله يحرص ويصبر على الحفظ، ويحرص على سهر الليالي في تحصيل العلم، وعلى كذلك نصب النهار في تحصيل العلم، وعلى الرحلة في تحصيل العلم، وعلى الفقر في تحصيل العلم، وعلى الامتحان والابتلاء في تحصيل العلم. كل هذا وعلى قلة العيش وذات اليد، ومشاكل الأهل والزوجات والأبناء وغيرهم، كل ذلك في تحصيل العلم. فهم الطالب العلم أمر عظيم في حصول هذا العلم. وهكذا أخيرا قوله: «فإن أعطاكه الله انتفعت»، أعطاكه الله، يعني احرص على دعاء الله عز وجل الذي بيده كل خير وفضل. وبذلك يحصل لك النفع. وبهذا ننتهي، والله تعالى أعلم.