المحاضرة بعنوان فضل مجالس الذكر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأربعاء 9 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 12 يناير 2022م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبرز أهمية مجالس العلم والعلماء في فهم الدين وحفظ القرآن والسنة، ويشير إلى دورها في تخريج العلماء والدعاة. يُشدد على أهمية حضور هذه المجالس لتحصيل الخير والنجاة من الفتن.
يُشدد على أهمية مرافقة الصالحين وحضور مجالس الذكر والعلم في حفظ الإنسان من الشرور وزيادة إيمانه، ويبين أن هذه المجالس تؤدي إلى نيل الأجور العظيمة واكتساب الخير.
يناقش تحريم الخروج على الحكام وأهمية طاعة ولاة الأمر، ويحذر من الفتن التي يثيرها الخارجون على الحكام، ويبين أهمية طاعة الحكام في حفظ الأمن ودرء الفوضى.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. عباد الله، إخواني في الله، فكما قد قرر وأعلن، وكما قد نشر وذكر، بأننا في هذه الليلة، بإذن الله، وفي هذا المسجد المبارك، في جامع التقوى، دار الحديث بالشحر، على موعد بمحاضرة لشيخنا الفاضل، ووالدنا المربي، ومع عالم من علماء أهل السنة، ورأس من رؤوسها، مع أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى ورعاه، وسدد ربي على الخير خطاه. نرحب بشيخنا المفضال، وهو القائم على هذه الدار، وهكذا القائم على دار الحديث بالبيوش، حرسها الله وحرس الله سائر دور المسلمين. نرحب بشيخنا بين آبائه، وبين إخوانه وطلابه. نرحب به، وبمن أتى معه من ذويه وإخوانه، ومن طلابه وأصحابه. نقول لهم: حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. نزلتم سهلا، ووجدتم أهلا. طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلا. وأسأل المولى جل وعلا أن يجعل ما قدموه، وما لاقوه، وهكذا ما بذلوه في سبيل الوصول إلينا، أن يكون ذلك في ميزان حسناتهم، وحسنات الجميع. إخواني في الله، عباد الله، وكم الله لنفرح، وحق لنا أن نفرح، بل وأن تطيب نفوسنا، وأن تقر أعيننا، وأن تنشرح صدورنا لمثل هذه المجالس المباركة، ولمثل هذه الحلقات الفاضلة، ولمثل هذه اللقاءات الماتعة، كهذا اللقاء، اللقاء المفتوح، والذي متى ما ذكر، فما فارسه إلا شيخنا أبي عبد الرحمن حفظه الله تعالى ورعاه. يقيم مثل هذه اللقاءات، يذكرنا بما كان عليه العلماء، وهو حقيق بهذا اللقاء، فهو من أهل العلم، رعاه الله. في هذه اللقاءات، إخواني في الله، والتي تطرح الأسئلة من هنا ومن هنا، فنجد من شيخنا حفظه الله ما يكون من أجوبة ماتعة، وفوائد نافعة، بل وكذلك من تنبيهات لطيفة، وفوائد عزيزة، قل ما تطرق، وقل ما تسمع. فما يخرج الواحد منا من هذه اللقاءات إلا وقد استفاد علما عظيما. فما منا من أحد، إخواني في الله، من صغير ولا كبير، ولا ذكر ولا أنثى، بل ولا من عظيم ولا من فقير، إلا وتقع له في دينه ودنياه من مشكلات ومعضلات، في عبادات ومعاملات، يحتاج إلى رفع الإشكالات عنها. فهذا، إخواني في الله، هو اللقاء المفتوح الذي يقيمه شيخنا بين الفينة والأخرى، يمتعنا بما متعه الله جل وعلا به من علم غزير، أمده الله جل وعلا من عنده. وهذه باركة وفضل من الله، يؤتيه من يشاء. إخواني في الله، لا أوطل عليكم. فمن أراد، وفي ذهنه سؤال أو إشكال، فيكتبه ويسجله، ويوصله إلى شيخنا. فإن شاء الله، بعد ركعتي السنة، تكون كلمة لأخينا الشيخ أبي همام عبد الله بن علي باسعد حفظه الله تعالى. ثم اللقاء بشيخنا حفظه الله بكلمة توجيهية، وبعد ذلك النظر إلى الأسئلة والإجابة عليها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، أيها الإخوة حفظكم الله جميعا. فلا شك أننا نتشوق إلى سماع شيخنا حفظه الله، وسماع ما فتح الله عز وجل عليه. لكن هذه كلمة، إن شاء الله تعالى، بين يديه حفظه الله. وقد سمعنا من الشيخ بهاشم فضله الله، فضل هذه المجالس، وكذلك أهمية هذه المجالس، والإشارة إلى ذلك. وكما تعلمون أن هذه المجالس هي التي تخرج العلماء، وتخرج أيضا الدعاة، وتخرج طلبة العلم الذين اجتهدوا في هذا العلم. فلهذا فلها أهمية عظيمة هذه المجالس. ولهذا في حديث أبي واقب الذي أخرجه الإمام البخاري في الثلاثة النفر الذين جاءوا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فولج إليها ونص فيها، وأما أحدهما أو أحدهم جلس بعيدا واستحى، وأما الثالث فأعرض. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما انتهى من كلامه عليه الصلاة والسلام: ألا أنبئكم بخبر الثلاثة؟ أما أحدهم فآواه الله، وأما الثاني فاستحي فاستحي الله منه. وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه. وهذه المجالس من آوى إليها إنما يأوي إليها لأجل أن يستفيد، ولأجل أن يتحصل على العلم، علم الكتاب والسنة. وأعظم ما يكون هذا العلم يتلقى من العلماء، ومن أهله، أهل العلم. فلهذا يكون أعظم بركة. وكذلك أيضا هو المقصود في هذا الدين العظيم. ولهذا النبي بل ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فهؤلاء العلماء هم الذين يعرفون الكتاب والسنة. فإذا أشكل على الإنسان، على المسلم، أشكل شيء، رجع إلى العلماء. وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين مرة أن العبرة بمن يفهم القرآن. إذا وجد في الناس من يفهم الكتاب والسنة، من يفهم الكتاب والسنة، فهنا هو المقصود، وهو المراد، وهو أيضا النجاح من الضلالة، وهو أيضا كذلك الحماية من الطرق المضلة. فلهذا أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن نبي الدرداء رضي الله عنه، عن جبير بن نفير، عن نبي الدرداء، أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «هذا أوان اختلاس العلم». هذا أوان جاء في رؤية يختلص العلم، هذا الوقت يختلص العلم. قال لبيد الأنصاري، رجل من الأنصار، قال له لبيد: يا رسول الله، كيف يختلص العلم وقد قرأنا القرآن وتعلمناه وعلمناه نساءنا وأولادنا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فكلتك أمك يا لبيد». فهذا، فهذه اليهود والنصارى، عندهم كتابهم، فما أغنى عنهم؟ وكذلك أيضا أخرج الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عوف بن مالك، وذكر هذه القصة، وقال جبير: فذهبت إلى شداد بن أوسف، فقلت له: إن عوف بن مالك حدث بكذا وكذا. فقال: صدق عوف، وألا أريك أول ذهاب هذا العلم؟ ذهاب الخشوع من الناس. فإذا ذهب أهل العلم، والذين يعرفون الكتاب والسنة، ويعلمونه الناس، ويفهمونه، فإنه يذهب العلم. يذهب العلم. فلهذا بقى أهل العلم في الناس، بقى الدين، وبقى أيضا كذلك الطريق الصحيحة التي يعلموها الناس. فلما مات زيد بن ثابت رضي الله عنه، لما دفن، قال ابن عباس: هذا ذهاب العلم. قال: هكذا يذهب العلم، هكذا يذهب العلم، أي بموت العلماء. وقد جاء في حديث بأمامة، عند أحمد، عندما ذكر قصة بيت، وما قال للنبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان في سناده ضعف، لكنها في الشواهد، قال أبو أمامة: أتدري ما ذهاب العلم؟ ذهاب أو عيته. أتدري ما ذهاب العلم؟ ذهاب أو عيته. وفي الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يذهبه بذهاب أهله، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». هذا الحديث العظيم سمعه عروة، عروة بن الزبير، من عبد الله بن عمر، فأخبر خالته عائشة، فأخبر خالته عائشة بهذا الحديث العظيم. فتعجبت عائشة رضي الله عنها من هذا الحديث. فلما جاء العام القابل، قالت عائشة رضي الله عنها لعروة: اذهب إلى عبد الله بن عمر، فإنه سمعت أنه جاء إلى الحج هذه السنة. اذهب إليه، وسأله عن الحديث الذي حدثك في العام الماضي. قال عروة: فذهبت إليه، فحدثني بسلما، حدثني في العام الماضي. معنا عائشة رضي الله عنها، تلك الفقيهة، عرفت أن هذا حديث عظيم، كيف يذهب هذا العلم؟ يذهبه الله عز وجل بقبض العلماء. فبقاء العلماء في الناس، بقاء الخير فيهم، وبقاء أيضا دين الله جل وعلا. أخرج الإمام ابن أبي داود في المصاحف، أن مطرفا كان يحدث الناس، فقال: فقال له رجل: يا أبي عبد الله، أنتم تحدثوننا بالقرآن، أو تحدثوننا بالحديث؟ ألا تحدثوننا بالقرآن؟ أنا لماذا لا نسمع منكم أنكم تحدثون بآيات تقرؤون علينا؟ فقال مطرف: وهل نريد بالقرآن بدلا؟ أنا هل نحن إلا لأجل نحدث إلا لأجل أن نفهم القرآن؟ فقال: وهل نريد بالقرآن بدلا؟ وإنما نريد من يفهم القرآن. نريد من يفهم هذا الكتاب العظيم، وهذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك ما كان عليه السلف، الصحابة رضي الله عنهم. فلهذا، عباد الله، من أعظم الأمور التي ينبغي أن نحمد الله عز وجل عليها، بقاء أهل العلم، وبقاء من يفهم علم الكتاب والسنة، ومن يفهم مذهب السلف. فإن هذا عزيز هذه الأيام. فإذا وجد هؤلاء العلماء، فهذه نعمة عظيمة. وكما تسمعون أن كثيرا من العلماء يذهب، أو يموت، وهذا فيه ذهاب للعلم، ذهاب علم عظيم. لكن بحمد الله عز وجل، فإن عندنا بقية باقية من علماء أهل السنة، حفظهم الله، يعلمون الناس دين الله، ويدعونهم إلى الخير، وإلى الطريق الصحيح، وإلى الطريق التي توصل إلى الله جل وعلا، طريق السلف رحمة الله عليهم. فلهذا نحرص على مجالس أهل العلم، وسماع كلامهم، وسماع ما يقولونه. فإن هذا هو الهدى الذي ينبغي للمسلم أن يسلكه. وأما أنه سيفهم القرآن بفهمه، أو بما أدى إليه فهم بعض، مثلا من العصريين، الذين ليس لهم مشاركة في العلم، علم الكتاب والسنة، فهذا سيضله، وأيضا ما سيمشي على الطريق الصحيحة. فعندك الخوارج، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، لأنهم ما يفهمون القرآن إلا على فهمهم، وتركوا فهم الصحابة الذين هم أعلم بالكتاب والسنة، وأعلم بهذا القرآن، تركوا أفهامهم، وأخذوا أفهامهم للكتاب، فظلوا، فكفروا المسلمين، وخرجوا عليهم بالسيف. فلهذا، فكما قال الإمام الزهري رحمه الله: «الاعتصام بالسنة نجاه». وسنة كسفينة نوح، من ركبها نجأ. فهذه السنة هي التي يمشي عليها هؤلاء علماء السنة، التي تركها النبي عليه الصلاة والسلام بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذا الذي يزيغ هو الذي ينحرف عن طريق السلف الصالح، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فمن خالف ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، فإنه لا شك سيكون من أهل الضلال، والعياذ بالله. فلهذا نحرص، عباد الله، على الارتباط بالعلماء، وسماع كلامهم، وسماع فهمهم للكتاب والسنة. فإن هذا من أعظم ما يحتفي به العبد، وخاصة في هذه الأزمان، أزمان الفتن، والقلاقل، والاضطرابات، والبلايا. فنسأل الله عز وجل أن يعصمنا من هذه الطرق المضلة، ويجعلنا من أهل السنة، وأهل الخير، وأتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وإن شاء الله تعالى نترك المجال لشيخنا حفظه الله تعالى. فكم نحن مشتاقون إليه حفظه الله. فالحمد لله رب العالمين. نحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة، لا تعد ولا تحصى. ونخصه سبحانه وتعالى بالثناء عليه، بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا، وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا إن شاء الله تعالى للعمل الصالح. كما نحمده سبحانه أن يسر كذلك بمثل هذه الدور الطيبة المباركة، دور العلم النافع، دور يتحصن فيها من وفقه الله للالتحاق بها، أن يكون في صف من أقبل على العلم النافع، فيتحصن في حصون عظيمة، يحفظ نفسه، وأهله، وولده، في زمن كثرت فيه الفتن، ما ظهر منها، وما بطن. وهذه نعمة عظيمة أن يوفقك يا عبد الله أن تكون في صفوف الملتحقين، وركب المسابقين في طريق العلم النافع. فإن لم تكن في أوائل هذا الركب، فلا تبخل على نفسك أن تكون في صفوف هذا الركب، ولو في آخره. فإن المرأة مع القوم لا يشقى بهم جليسهم. فرب إنسان، كما صحت السنة بذلك من عدة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم، يأتي، وليس بقلبه ذاك الإقبال، وتلك الهمة، ولكنه كما قيل: أحب الصالحين ولست منهم، لعل الأنان بهم شفاعة. فكونك ترافق الصالحين، وتحرص على مجالس أهل العلم، والعارفين، هذه رحمة ونعمة، لا تحرم نفسك، ولا أهلك، ولا ولدك من أن تكون من أهلها. فإن لم تكن في أوائل الركب، فلا تبخل على نفسك أن تكون في الركب، ولو أن كنت في آخرهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي جاء إلى القوم، إنما جاء لحاجة، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضل العلم، مجالسه، فذكر له ذلك. فقال القوم: لا يشقى بهم جليسهم. لا يشقى بهم جليسهم. فهكذا ينبغي أن نحرص على مجالس الخير، وعلى حضور الخير. والنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول في حديث أبي هريرة المشهور في الصحيح: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده». أربع جوائز عظيمة، كل واحدة أعظم من الأولى، جعلها الله عز وجل لمن وفقه لحضور مجالس الذكر. فكيف بمن واضب عليها؟ كيف بمن واضب عليها؟ لا شك أنه بإذن الله تعالى لن يعدم خيرا، ولن يحرم من دفع مضرة. وهذا هو الواقع. فإن من يوفق لمجالس الذكر، ومجالس العلم، ومرافقة الصالحين، يحفظ بإذن الله سبحانه وتعالى من أن تتخطفه شياطين الجن والإنس، وما أكثرهم. لا كثرهم الله في المجتمع. فإن القلوب اللاهية، والغافلة، تتخطفهم الشياطين، وتأخذهم، وتخرجهم عن سواء السبيل. ولكن إذا صار القوم، إذا صار الرجل يلازم الصالحين، ومجالس الخير، ومجالس العلم، فهو لا يعدم من خير يكتسبه. إما أن يسمع شيئا لم يعلمه فيعلمه، ويعمل به. وإما أن يكون سمع شيئا نسيه، فيتذكره، فيوفق للعمل به، واستزادة منه. أو كذلك شيئا فهمه على غير وجهه، فيصوب له ذلكم الفهم، ويصحح ما كان منه من سوء فهم، وخطأ في عمل. أو كذلك ربما وصله شيء ليس بكامل، معلومة ناقصة، وفائدة غير كاملة، فيسمعها بأكملها، فيكمل نقصها، ويتمم ما يكملها، فيكون سببا في إكمال خير لنفسه، أو لأهله، وغير ذلك من الفوائد الكثيرة التي لن يعدمها من حرص على هذا الخير. ولو لم يكن إلا ما يسمع من آيات الله، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما سبق من الجوائز الأربع التي جعلها الله عز وجل لمن وفقه الله لهذه المجالس الطيبة المباركة. فإنك لا تسمع آية إلا وكان لك بكل حرف حسنات مضاعفات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أقول ألف، لا لام، لا ميم، حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وكم من حروف من القرآن، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، تسمعها، تكون فيها أجور عظيمة، وأبواب من الخير كبيرة. فضلا عما يكون سببا في زيادة الإيمان، وقوته. فأنت تبني إيمانك يا أيها المسلم بما تسمع من آيات الذكر الحكيم، وأحاديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. لا شك أن من يسمع قرآن، ويسمع الآيات من كتاب الله العزيز، يكون ذلك سببا في زيادة إيمانه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. هل يستوي الذي يسمع آيات الكتاب فيكون سببا في قوة إيمانه، وزيادته، أو إنسان في غفلة، أو أعظم من ذلك في إعراض، ومعصية، ويعني تجاسر، ورفقة سوء، وغير ذلك من الأبواب التي يكون بها الحرمان؟ وكذلك ما سبقت الإشارة إليه في الحديث، فإنه إذا قعد في مجلس من مجالس الذكر والعلم، وإذا كان في مسجد، فهو زيادة خير في خير. فأحب البقاء إلى الله مساجدها، وأبغض البقاء إلى الله أسواقها. فإذا كان في المسجد، ازداد خيرا فوق خيره. فهو لا يزال في رباط، من تظر الصلاة، وهو لا يزال يجد استغفار الملائكة، ودعاءها لمن بقي في هذا المسجد، حتى تأتي الصلاة الأخرى. مع ما جاء من فضائل أخرى كثيرة. فكما جاء في الحديث: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه». وهذا كما قال العلماء: خرج مخرج الغالب. فكل مجلس علم لا يحرم من هذا الفضل، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده. أيباه الله عز وجل بعباده هؤلاء عنده سبحانه وتعالى، في علوه، وعند ملائكته سبحانه وتعالى. فلا نبخل على أنفسنا، معاشر المسلمين، والمسلمات، من مجالس الذكر، ومجالس العلم، التي فيها فوائد كثيرة. أنت حين تربي نفسك على جلوس هذه المجالس، وتربي ولدك على جلوس هذه المجالس، أنت بهذا تروض نفسك، وكذلك تروض ولدك على حب الخير، وعلى الصبر عليه، حتى يثبت الله عز وجل قلبك بالقول الثابت في هذه الحياة الدنيا، وكذلك بإذن الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. وتجد بذلك بإذن الله الطمأنينة، والراحة، وكذلك الانشراح، بما يكون من تعويذ نفسك أن يكون قلبك معلقا في بيت من بيوت الله. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، في السبع الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل معلق قلبه بالمساجد». كيف تعلق قلبه بالمساجد؟ هل بكونه يرى المسجد، ويمر بجانبه؟ بكونه يسمع مجالس الذكر، فيعرض عنها؟ لا والله، ولكن قلبه تعلق بالمساجد، بما كان من ترويض نفسه على البقاء في هذه المساجد، في عبادة الله، وذكر الله، ومجالس العلم والذكر، حتى صار قلبه متعلقا بهذا المسجد. يجد راحته، وطمأنينته، وانشراح صدره في هذا المسجد. إذا خرج من المسجد، كأنه أخرج من مما فيه حياته، ومما فيه سعادته. فيجد الشوق أن يرجع مرة أخرى إلى المسجد، كالسمك إذا أخرج من الماء، فإنه يجد الموت. وهكذا كذلك، ولهذا الصحابة رضي الله عنهم شكوا هذا المعنى بعينه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، إن إذا كنا معك، وجدنا من الإيمان ما نجد، وإذا ذهبنا إلى أهليتنا، وعافسنا الأزواج والأولاد، فإنا ننكر نفوسنا. أو كما قالوا رضي الله عنهم. فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنه «ساعة وساعة». والشاهد من هذا أنهم كانوا يجدون في مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، ولزوم المسجد، قوة إيمان، ويقين، وإقبال على الله، ورغبة في الخير، وراحة، وانشراح، لا يجدونها إذا خرجوا من المساجد، ومن مجالس الذكر. وهكذا كذلك أنت، يا من روضت نفسك على حضور الخير، ومجالس الخير، فإنك بإذن الله، بهذا الترويض، وبهذا الاستمرار، ستجد إن شاء الله هذا الذي ربما لم تذقه، تذوق حلاوة الإيمان، بما يكون من ترويض نفسك لحضور مجالس الخير. ولذلك ستجد من نفسك، كما قيل: بداهة وفطرة، إقبالا أكثر وأكثر في الخير. في البداية كنت في آخر الصف، مستحيا، تستحي وتتردد، ثم يشرح الله عز وجل صدرك، خطوة خطوة، حتى تكون من أهل الصف الأول، وتكون كذلك ممن يحب أن يشارك في الخير، ويحرص على الخير. وهذا هو يعني صريف الإيمان، وعلامات توفيق الرحمن لمن شاء، ومن اصطفى من عباده. وفي حديث الثلاثة الذين دخلوا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بالصحيح كذلك. فأحدهم وجد فرجة فدخل فيها، فاقترب من النبي صلى الله عليه وسلم. والآخر استحى فجلس بطرف المجلس. والثالث جاء إلى المجلس ثم خرج. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخبر الثلاثة؟ أما الأول فآوى فآواه الله، وأما الثاني استحى فاستحى الله منه، وأما الثالث أعرض فأعرض الله عنه». وهنا انظروا إلى هذا المثل، وهذا الحديث العظيم، الذي يخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم. ليس أحد من العلماء، ولا أحد كذلك من الأئمة، ولا من التابعين، واتباع التابعين، والصحابة، بل النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بهذا. فمن يحب أن يكون الثالث، فضلا أن يكون الرابع، من الرابع الذي ما دخل المسجد أصلا. الرابع الذي ما دخل المسجد أصلا. فإذا كان الذي دخل المسجد، وأقبل على الحلقة، ثم تركها، وأعرض، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الثالث أعرض فأعرض الله عنه». فكيف بمن لم يكن أصلا الثالث؟ فهو في حسرة، وندامة أكبر، وفي خسارة أعظم. فلا تكن يا أيها المسلم ممن يحرم نفسه مثل هذا الخير. وتأمل ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأول: «فآواه الله». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأوينا، وإلى أبواب الإيمان، وإلى كذلك طريقه سبحانه وتعالى، ودينه، بما يكون فيه زيادة إيماننا، وصلاح أعمالنا، وقلوبنا، وأجسادنا. وكما جاء بحديث أبي هريرة في الصحيح مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسادكم»، وفي رواية: «ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وإلى أعمالكم». ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم. فإن من أعظم ما يجب أن يعتني به المسلم في هذه الدنيا هو صلاح قلبه، وقلب أولاده، وقلب من يحب من قرابته، وكل مسلم. وأن يحرص كذلك على إصلاح عمله، وعمل أولاده، وعمل من يحب. فهذا هو المطلوب أن نعتني به. ومن أعظم ما يعيننا أيها الأحبة على إصلاح قلوبنا، وعلى إصلاح أعمالنا، الإقبال على مثل هذه المجالس المباركة. والله إن هذه المجالس المباركة تؤثر في القلوب، وإصلاح الأعمال، أعظم أعظم أعظم من تأثير الحديد والنار. لو أن إنسان كوية بالحديد والنار، ما أثر فيه مثل ما يؤثر فيه الوعظ، مثل ما يؤثر فيه القرآن، مثل ما يؤثر فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما يؤثر فيه نصائح العلماء، ومواعظ كذلك الأئمة، والفضلاء، بما يكون به إن شاء الله إحياء القلوب، وإصلاحها، وزيادة الإيمان، وكذلك استقامة الجوارح، والأركان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أقوالنا، وأفعالنا، وقلوبنا، وجوارحنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين، ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. يقول السائل: هل هناك فرق بين الانقلاب العسكري على ولي الأمر، وبين خروج الشعب عليه؟ كل هذا لا يجوز. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصبر على ولاة الأمر، وإن جاروا، لأن مفسدة الخروج على ولاة الأمر أعظم من المصلحة المرجوة من الوصول إلى أي شيء من متاع الدنيا الناقص. فالخروج على ولاة الأمر لأجل شيء من حطام الدنيا، سواء أكان غذاء أو لباسا أو نقصا في معيشة أو نحو ذلك، هذا أقل مفسدة من مفسدة سفك الدماء، وانتهاك الأموال، والأعراض، وضياع الأمن. وهذا هو الواقع، ما خرج الطائفة على ولي من ولاة الأمر إلا وكانت الشرور، والمفاسد المترتبة أعظم من المصالح المرجوة، وكانت كذلك العواقب الوخيمة في خسارة الدنيا، فضلا عن الدين، أعظم مما كان عليه الناس من قبل. وانظروا على سبيل المثال للحصر، هذا الذي أحدث في هذه العصور المتأخرة، ما يسمى بالربيع العربي. كيف استطاع أعداء هذا الدين من إثارة الفتن في المجتمعات المسلمة، حتى أثاروا أهل الجهل، والتشغيب، واستغل ذلك أهل الفتن، وكذلك أذناب الكافرين، أن يثيروا الفتن في المجتمعات المسلمة، من بعض من عندهم حماسة منحرفة، من الجماعات الإسلامية التي تنتسب إلى الإسلام خطأ وجهلا وزورا وكذبا، كجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك جماعة التكفير، سواء كان بمسماها الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان، أو غيرها من الفروع الأخرى الكثيرة. فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة هذا الدمار الذي نراه اليوم بأعيننا، وكذلك لا ينكره إلا جاحد ومكابر. يعني قتل مئات الآلاف، وشرد الملايين، ورمل أمثال ذلك، وأضعاف، وغير ذلك من الجراح، والثكل، وغير ذلك من المضار الكثيرة العظيمة، مع الدمار الذي نراه في الكثير من بلاد المسلمين. ثم ازداد الفقر فقرا، وازدادت الفاقة فاقة، وازدادت الشدة شدة. هل وصلوا إلى ما يريدون؟ لا والله، الكثير منهم اليوم يتمنى ما كان عليه حالهم قبل هذه الفتن. هذا هو الواقع. هذا هو الواقع. فهل من معتبر؟ هل من معتبر بعد هذه الفتن كلها؟ فلذلك الحذر الحذر أيها المسلمون من أن نكون ضحية أرباب الفتن الذين يهيجون المجتمعات بالخروج على ولاة الأمر، سواء بالسيف، والسنان، أو كذلك بما يكون من الخروج باللسان. وهؤلاء كان يسميهم السلف فرقا من فرق الخوارج، القاعدية، الذين يثيرون الفتن، والتهييج على ولاة الأمر. وهذا لا شك أن له عواقب وخيمة. وللأسف الكثير ممن ليس عنده عمق نظر، ولا معرفة بالعلوم الشرعية، وأدلتها، ينطلي عليه بعض شبه المخالفين، والمنحرفين، من من ينتسب إلى الإسلام خطأ، وإلى نصرة الدين زورا، كبعض الجماعات الإسلامية السياسية، سواء الإخوان المسلمين، أو غيرهم. فيقولون: لا يدعو إلى طاعة ولاة الأمر إلا العملاء، والخوانة، وأرباب العمالة، وغير ذلك من التهم الباطلة. وهذا والله كذب، وافتراء. أبعد الناس عن أبواب السلاطين، وعن التقرب، والتزلف للملوك، والحكام، والرؤساء، هم علماء أهل السنة والجماعة. وإنما يدعون إلى طاعة السلطان لعلمهم أن الأدلة الشرعية أولا دلت على ذلك، ولعلمهم أن خرق هذا الباب سبب في ضياع الأمن في المجتمع، وحصول الفوضى، وحصول الشر الكبير، ولغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي ذكرها سلفنا، وأمتنا، وعلماؤنا، من مئات السنين. وهم يحذرون من الخروج على أولاة الأمر. بل نبينا صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك. فهو دين يدينون الله عز وجل به، ومع ذلك فهم أبعد الناس عن التزلف، وأبعد الناس عن التملق. هل تجدون سنيا صادقا يتزلف فيطلب كرسيا من الكراسي، أو كذلك يتقرب إلى منصب من المناصب، أو يحرص عليه؟ لا والله. ما نافس أهل السنة والجماعة يوما من الدهر لا على كرسي، ولا على حزب، ولا على كذلك منصب. وإنما ينصحون الراعي، والرعية، لله، وفي الله، وفي ذات الله، يدعون الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يريدون بذلك جزاء، ولا شكورا، ولكن يريدون الخير للمجتمع، وللعباد، والبلاد. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا، ويهدي جميع المسلمين. يقول السائل: هل يجوز مس المصحف من غير طهارة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الأفضل، والأكمل أن يتطهر الإنسان