شرح السياسة الشرعية  49

شرح السياسة الشرعية 49

الدرس في شرح السياسة الشرعية 49، الدرس التاسع والأربعون:من( وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم:إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن ... فهذا أمر عمر مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الأخلاق والتعامل الحسن

يؤكد الشيخ على أهمية حسن الخلق والصبر في التعامل مع الناس، ويبين أن الإحسان إلى الرعية يكون بفعل ما ينفعهم في الدين والدنيا. كما يشير إلى أن حسن الخلق سبب لخير الدنيا والآخرة.

العدل والإحسان في التعامل

يناقش أهمية الجمع بين العدل والإحسان في التعامل مع الناس، ويشير إلى ضرورة مراعاة مشاعر الناس عند رفض طلباتهم، ويقدم أمثلة من القرآن والسنة النبوية على ذلك.

استغلال المباحات في المصلحة الشرعية

يشرح كيف يمكن استخدام المباحات والشهوات بشكل يخدم تحقيق المصلحة الشرعية، ويستشهد بأمثلة من السنة النبوية مثل جواز الجعالة في المسابقة لتحفيز الناس على الجهاد.

سد الذرائع المفضية إلى الحرام

يتناول مفهوم سد الذرائع المفضية إلى الحرام، ويستدل ببعض الأحاديث والآثار عن الصحابة، ويشرح كيفية تطبيق هذا المفهوم في المجتمع.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن واله. قال رحمه الله: في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن». ومعناه: كذلك من الإحسان إلى الخلق، الإحسان إليهم بالخلق الحسن، وهو كذلك. أي: هذا الحديث حديث صحيح، وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة. قال: ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم سلمة: «يا أم سلمة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة». وهذا الحديث لا يصح، كما أشار بالتعليق فيه ضعف، وقد ذكره ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات»، لكن معناه صحيح؛ فحسن الخلق سبب لخير الدنيا والآخرة. فربما كافر بحسن خلقه يكسب ود المسلمين، ومسلم بسوء خلقه يفتقد ود المسلمين، وهذا واقع. قال: وفي الصبر، قال رحمه الله: في الصبر احتمال الأذى، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، ومخالفة الهوى، وترك الأشر والبطر؛ لأن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، ومنه مخالفة الأهواء والأشر والبطر وحب الدنيا والتوسع فيها والانتقام ونحوه، والصبر على أقدار الله المؤلمة. فالمطلوب الصبر بجميع مراتبه وأقسامه. قال رحمه الله: كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 9 - 11]، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133، 134]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34، 35]، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40]. وهذه الآيات تناولت أنواعًا من الصبر: صبر على أقدار الله، وهكذا كذلك صبر في معاملة الناس، ومنه الصبر على الجاهلين، وهكذا كذلك الصبر في خلق الإنسان، وكظمه لغيظه، وعفوه عن الناس. وهذا كله يتناول أنواع الصبر المذكورة. قال: وقال الحسن البصري رحمه الله: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطمان العرش: ألا ليقم من وجب أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح». يعني: حث على العفو والإصلاح. وكما علق شيخنا، فقال: «إن معناه ليس ببعيد، لكن أشبه ما يكون معنى كلامي: إنه من الإسرائيليات». فمثل هذا في الأمور الغيبية مما لا يقبل، وليس هناك ما يسند ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه. وهذا ملحظ مهم يكثر الوقوع والابتلاء به؛ فإن من الناس من يظن أن الإحسان بالرعية أن يفعل ما يطلبونه ويهوونه ولو بالوقوع في المحرمات، والسكوت عنها، ولو كذلك بالتساهل عن إقامة الواجبات، وهذا خطأ. قال رحمه الله: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71]، وقال تعالى للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7]. قال: وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه. ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كان الرفق بشيء إلا زانه، ولا كان العنف بشيء إلا شانه». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». وأصله في صحيح مسلم: أن عائشة رضي الله عنها... والشاهد: يفعل ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولو كرهه الناس، لكن بحكمة ورفق؛ لأن الحكمة والرفق تعين على تحقيق المطلوب والمقصود. قال: وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: «والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق، فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه». ومعناه: أنه يريد أن يأمرهم بما فيه النفع لهم في الدين والدنيا، مما يشق عليهم أو يكرهونه، ولا ترغبه نفوس الكثير ممن يكثر فيهم الجهل وقلة الدين. وهذا حال أكثر العامة إلا من رحم الله. فمن حسن سياسته برعيته: رحمه الله ورضي الله عنه؛ أنه كان يرفق فينتظر حتى تجيء الحلوة من الدنيا فيخرج هذه مع هذه. ومعنى «الحلوة من الدنيا»: يعني ما يحبون، كأن يكون ذلك مثلًا في وقت رخائهم، وقت الأمطار، وحصول الزروع، أو كذلك وقت توزيع العطاء، أو غيره مما يعلم أنه من الحلو الذي يحبونه، فيجمع معه ما أراد أن يأمر به مما يكرهونه، لكن هو حق. قال رحمه الله: قال: وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. ومعنى أنه كان يجمع له بين الأمرين: بين الإحسان به، وبين العدل؛ لأنه إن كان مستحقًا وعنده أعطاه، أو كان غير مستحق فإنه يرده بميسور من القول، سواء في الأمور الدينية أو الأمور الدنيوية. فمن حسن خلقه عليه الصلاة والسلام، وهو من السياسة الشرعية التي ينبغي أن يتحلى بها الناس جميعًا، والولاة خصوصًا. قوله: مثلًا، على سبيل المثال، لما قال الرجل: «ادعو الله أن يجعلني منهم»، قال: «سبقك بها عكاشة». ما قال له: «لا»، ولكن صرفه بميسور من القول، فقال: «سبقك بها عكاشة». وهكذا كذلك قد يدعو لبعض من يسأله، ولا يجد ما يعطيه. قال: وسأله مرة بعض أقاربه أن يولي على الصدقات، ويرزقه منها، فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد». والحديث أصله في صحيح مسلم، وفيه قصة في قصة العباس، وابن العباس، ورجل آخر. قال: فمنعهم إياها، وعوضهم من الفيء؛ يعني أعطاهم شيء آخر. وتحاكم إليه علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم، ولكن قضى بها لخالتها، ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة. فقال لعلي: «أنت مني وأنا منك». وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي». وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا». والشاهد: أنه طيب أنفسهم بميسور القول؛ لأنه وإن لم يعطهم - وهذا هو العدل - لأنهم لا يستحقون ذلك - لم يردهم إلا بما فيه الرفق. وكذلك حسن - بل أحسن - القول. قال: فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه؛ فإن الناس دائمًا يسألون ولي الأمر ما لا يصلح بذله من الولايات والأموال والمنافع، والجود والشفاعة في الحدود وغير ذلك. يعني: يوطن نفسه على مثل ذلك. ولكن هل يجاملهم فيوافق وهم لا يستحقون ذلك؟ الجواب: لا، فيعدل فيجمع بين العدل وبين الرفق وحسن الخلق. قال: فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن؛ يعني بشيء آخر يستحقونه. فإن جاء من يطلب الولاية وهو لا يستحقها، وكان عندك من الزكاة وهو يستحق الزكاة، أعطيته من الزكاة. أو جاءك من يطلب الشفاعة ولا يجوز، ولكن تعينه في دفع الدية وهو يستحق أن يعان، كان هذا من المأذون فيه، ونحو ذلك. قال: أو يردهم بميسور من القول؛ يعني القول الحسن والكلمة الطيبة. قال: ما لم يحتج للإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصًا من يحتاج لتأليفه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26] إلى قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: 28]. والمعنى: هذا هو الأصل أن هؤلاء يعطون القول الميسور. قال: وقد يحتاج ببعض المقام الإغلاظ لمن علم منها الإفساد والشر، ويعلم أن شره لا يندفع إلا بالإغلاظ عليه. قال: وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك من تمام السياسة. وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض من الطيب الذي يسوغ الدواء الكريه. وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام لما رسله إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وموسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما لما بعثهما إلى اليمن: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا». والشاهد في قوله: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا». والمعنى: من استطاع أن يدخل مع العدل طيب القول وحسن الخلق ما يسهل به ثقل وقوة العدل والحق، فهذا من السياسة الشرعية. مثل الدواء الكريه فإنه قد يحلى بالعسل مثلًا، أو توضع له رائحة ونكهة طيبة حتى يستصاغ. قال: وبال مرة أعرابي في المسجد، فقام أصحاب إليه، فقال: «لا تزرموه». أي: لا تقطعوا عليه بوله؛ يعني: فإن ذلك ضره. ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعث ميسرين، ولم تبعثوا معسرين». والحديثان في الصحيحين؛ يعني الأول والثاني. قال: وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته. حتى الرجل في أهل بيته يحتاج إلى مثل ذلك. قال: فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حضوضها التي تحتاج إليها، فتكون تلك الحضوض عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. والمعنى: إذا احتسب الإنسان ذلك كانت عبادة وطاعة. فالابتسامة عبادة وطاعة، والمال عبادة وطاعة، وكذلك بشاشة الوجه، والجلوس لينًا الجانب، كلها عبادات إذا احتسبها الإنسان نال بها أجر، وكانت كذلك معينة له على إعظام أجره في إدخال الحق على من يريد إدخاله إليه. قال: ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان، حتى لو اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء. فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدى إلا بهذا. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرهما. والمعنى: هذا مما يستدل به على أنك تحتاج إلى بعض ما يكون من أبواب الإحسان في إقامة الواجبات. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فكذلك أبواب الإحسان التي يقام بها الحق. قال: ففي السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا». فقال رجل: «يا رسول الله، عندي دينار». فقال: «تصدق به على نفسك». فقال: «عندي آخر». قال: «تصدق به على زوجتك». قال: «عندي آخر». قال: «تصدق به على ولدك». قال: «عندي آخر». قال: «تصدق به على خادمك». قال: «عندي آخر». قال: «أنت أبصر به». ومعنى: «ضعه حيث ترى أنه أصلح». والشاهد: أنه جعل هذا في الأقرب فالأقرب. فأبواب الإحسان مما يعان بها العبد في أداء الواجبات والحق. ولهذا أمر بالصدقة على نفسه؛ لأنه يعينه على أداء ما أوجب الله عز وجل عليه من عبادته. والحديث صحيح، قاله في صحيح مسلم، كما ترون في التعليق. قال: حسنه العلامة الألباني. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى». وهذا تأويل قول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]. وذلك لأن نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين، بخلاف النفقة في الغزو والمساكين؛ فإنه في الأصل إما فرض على الكفاية، وإما مستحب. قال: فإن إطعام الجائع واجب. ولهذا جاء في الحديث: «لو صدق السائل لما أفلح من رده». وهو لا يصح هذا الحديث، كما أشار: أن بعضهم حكم عليه بالوضع. وأما الحديث الذي قبله فأصله في صحيح مسلم. والشاهد: يريد أن يقول: ما تقدم من ضرورة الجمع بين الإحسان مع الحق المأمور به الذي هو العدل؛ لأنه يعين عليه. ولهذا في هذه المقامات أمر أن يبدأ بنفسه؛ لأن الإحسان إلى نفسه يعينه على أداء ما أوجب الله عليه. وهكذا الأقرب فالأقرب. قال: ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا علم صدقه وجب إطعامه. ومعناه: يعني لو صحا - وهو لا يصح - أنه لو كان صادقًا لا يكذب له أمر حاجته. قال: وقد روى أبو حاتم البستي في «الصحيح» حديث أبي ذر رضي الله عنه الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه أنواع العلم والحكمة. وفيه: أنه كان في حكمة آل داود عليه السلام: «حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذاته فيما يحل ويجمل». فإن في هذه الساعة وِردًا على تلك الساعات. والمعنى: أن بعض المباحات تعين على بعض الطاعات. وهذا الأثر أشبه ما يكون بالأخبار الإسرائيلية. وقد أشار: أن البيهقي يخرجه من طريق وهب بن المنبه موقوفًا عليه. ووهب بن المنبه يكثر من إخراج الإسرائيليات، فهو لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا. لكن فهمنا المقصود: يريد رحمه الله هذا المعنى؛ أي: أن الإنسان ينبغي عليه أن يستعين ببعض أنواع الإحسان وأبواب المباحات ما يعينه على إدخال الحق على نفسه وعلى غيره. قال: ولهذا ذكر الفقهاء أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة. وفسر المروءة: باستعمال ما يجمله ويزينه، وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق». والمراد بالباطل: يعني خلاف الأفضل والأكمل، كالمباحات. وهذا من حرصهم على الخير وعلى العبادة. وقد اشتهر أبو الدرداء رضي الله عنه بالعبادة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده. وحديثه مع أبي الدرداء في الصحيح معروف مشهور. قال: والله سبحانه إنما خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك - أو: فإنهم - صوابه: فإنهم - بذلك يجلبون ما ينفعهم. يعني: بهذه اللذات والشهوات يستعينون بها على أداء الطاعات بقوتهم، وبترويح عن أنفسهم. قال: كما خلق الغضب ليدفعوا به ما يضرهم، كقتال العدو، والدفع عن النفس والمال والعرض. قال: وحرم من الشهوات ما يضر تناوله، ودم من اقتصر عليها. والمعنى: أن هذه الخلال والصفات خلقها الله لحكمة. فلذلك فليستعن بها ولي الأمر على إدخال الحق على الناس. قال: فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق، فهذا من الأعمال الصالحة. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: «يا رسول الله، أأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟» قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أما يكون عليه وزر؟» قالوا: «بلى». قال: «فكذلك إذا احتسبها». ومعنى: «احتسبها بالحلال، ولا تحتسبون بالحرام». وهذا معنى الحديث في صحيح مسلم. قالوا: في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعًا، حتى اللقمة تجعلها في فم امرأتك». والمراد: ما تنفقه من نفقة، فتأكلها المرأة، فهو لك فيه أجر إذا احتسبت. قال: والآثار في هذا كثيرة. فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته. والمنافق لفساد قلبه ونيته يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء. فانظر كيف أكرم الله المؤمن في المباحات، وأذل المنافق في العبادات. فالمؤمن يؤجر من المباحات فضلًا عن العبادات، والمنافق يحرم أجر العبادات فضلًا عن المباحات؛ بسبب ماذا؟ صلاح النية وفسادها. قال: فإن في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب». والحديث المشهور حديث النعمان بن بشير في الصحيحين. قال: وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات وترك المحرمات، فقد شرع أيضًا كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممكن. مثل: أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره. وهنا يأتي إشكال عند بعض الناس، فيقول: «أنا إذا فعلت هذا غيرت نيات هؤلاء، وصارت نياتهم فيها شيء». فيقال: «الشرع أذن بمثل ذلك». وهناك أدلة كثيرة تدل على هذا. قال: فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة والإعانة عليه والترغيب فيه بكل ممكن. مثل: أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره. ولهذا شرعت المسابقة بالخيل والإبل، والمناضرة بالسهام. وهذا لأن هذا الباب يحتاج إليه بالجهاد في سبيل الله. فلو قيل للناس: «اجتهدوا بارك الله فيكم، وأعدوا العدة لقتال العدو»، وتتلى عليهم الآيات والأحاديث، هل سيقبلون؟ ما إذا وضع الإمام ولي الأمر الجوائز. قال: «اليوم مسابقة بين الخيل، ومن يفوز له جائزة كذا وكذا». كم سيأتي من الناس؟ سيأتي كثير، وسيتنافسون. والذي ما عنده خيل سيشتري خيل، والذي عنده خيل ضعيف سيبدله بقوي، والذي جائع سيعلفه ويقويه، وهكذا. وهذا كله مطلب شرعي يحبه الإسلام: أن يكون أهل الإسلام أقوياء. ونفس الشيء في الرماية: لو قيل: «اليوم ولي الأمر سيجعل هدية لمن يفوز في مسابقة الرماية». اليوم كلهم سيأخذون أطراف الوديان والجبال، ويتعلمون الرماية. وما يأتون في المسابقة إلا وكل واحد أحسن من الآخر. لكن إذا قيل لهم: قال الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ما ينتفع بهذا إلا القليل من الناس. وأكثر الناس ما ينفع فيه ولا يؤثر فيه الوعظ. فمن السياسة الشرعية: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر». وهو من باب المغالبات الذي يجوز فيه بعوض وبغير عوض، كما نص عليه العلماء، ودلت عليه الأدلة. ولكن له شروط عند أهل العلم. قال: أخذ الجعل عليها لما فيه من الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله. حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يسابق بين الخيل هو وخلفاؤه الراشدون. ومر معنا قريبًا حديث بن عمر وغيره من الأحاديث في التسبيق بين الخيل المضمرة وغير المضمرة. قال: ويخرجون الأسباق من بيت المال؛ يعني الجوائز من بيت المال، يعطى هؤلاء تشجيعًا. وكذلك عطاء المؤلفة قلوبهم؛ يعني من بيت المال، يعطى للمؤلفة، ومن الزكاة؛ حتى من الزكاة. فقد روي: أن الرجل كان يسلم أول النهار رغبة في الدنيا، فلا يجئ آخر النهار إلا والإسلام وحب إليه مما طلعت عليه الشمس. وهذا كثير. وأصل الحديث كما أشار في الصحيح. فهذا كثير: كم الذين أسلموا يوم فتح مكة، وفي غزوة حنين، وأكثرهم تألفهم النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن ما مرت أيام إلا والإسلام حب إليهم من كل شيء. بينما في أول الأمر تألفهم بالشاة والبعير عليه الصلاة والسلام. قال: وكذلك الشر والمعصية ينبغي حسم مادته وسد ذريعته ودفع ما يفضي إليه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة. مثال ذلك: ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا يخلون الرجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان». يعني كما صح معناه في الحديث، وهو حديث صحيح. وقال: «ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو رحم محرم». جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث، بعضها مقيد، وبعضها غير مقيد. ومنها حديث ابن عباس: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم». منها مطلق. فعلم بهذا: أن التقييد بيومين أو يوم ليلة أو ثلاثة أيام خرج مخرج الغالب، وليس هو تقييدًا. فلا يجوز السفر قليلًا أو كثيرًا. فليس معناه: أن القليل... كما فهم بعض من فيه هوى من بعض المعاصرين الذين انتسبوا إلى العلم، قال: «يجوز أن تسافر المرأة من دون محرم إذا كان السفر أقل من يوم وليلة». وهذا حكي عن بعض أهل الرأي، وهو خلاف الصواب. قال: فنهى صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية، والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. ومعناه: كل وسيلة تفضي إلى الحرام فهي ممنوعة. فالزنا حرام، وكبيرة من الكربائر، وحرمت أشياء كثيرة؛ لأنها تفضي إليه. كمصافحة المرأة الأجنبية، والخلوة بها، وكذلك كونها تبقى من دون محرم، وسفرها من دون محرم، وغير ذلك. قال: وروي عن الشعبي: «أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه خلف ظهره، وقال: إنما كانت خطيئة داود النظر». وهذا كما صدره بقوله: «روي»، مشعرًا بالضعف، وهو ضعيف لا يصح. كما نبَّه عليه في التعليق. بل وأشار شيخنا رحمه الله في شرحه: أن معناه فاسد. فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من مثل هذه الأمور. ثم ما نُسب إلى داود عليه الصلاة والسلام من الكذب: من كذب اليهود على داود عليه الصلاة والسلام. وأشار إلى معنى ذلك في الشرح. ولكن الشيخ أراد بذلك أن يستأنس بهذا المعنى. وكونه يستدل بالصحيح يغني عن مثل هذا. وهو: أن الإنسان ينبغي أن يترك كل وسيلة تفضي إلى الحرام. فإذا كان الخلوة بالأمرد قد يكون فيها شر، فيمنع من ذلك، ويمتنع الإنسان من ذلك. قال: وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يعس بالمدينة - يعني يحرس بالليل - من قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]. قال: فسمع امرأة تتغنى بأبيات تقول فيها: «هل من سبيل إلى خمر فأشربها، هل من سبيل نصر بن حجاج». فدعا به، فوجده شابًا حسنًا، فحلق رأسه، فازداد جمالًا، فنفاه إلى البصرة؛ لئلا تفتن به النساء. وهذا لا يصح عن عمر رضي الله عنه. فقد روي من طريق عبد الله بن بريدة عن عمر، وهو لم يسمع من عمر. وقد أشار في التعليق إلى معنى ذلك: ذكره ابن سعد في «الطبقات»، ولم يصح عن عمر رضي الله عنه. قال: فنهى صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية، والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. ومعناه: كل وسيلة تفضي إلى الحرام فهي ممنوعة. فالزنا حرام، وكبيرة من الكبائر، وحرمت أشياء كثيرة؛ لأنها تفضي إليه. قال: وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يعس بالمدينة... الحديث. قال: والمقصود: يريد أن يقول: كل ما يفضي إلى الشر ينبغي أن يسد ويقطع ويغلق؛ حتى تنغلق على الناس أبواب الشرور. قال: ومعناه: كما أن من السياسة الشرعية: إعانة المجتمع والرعية من قبل ولي الأمر على الواجبات، بترغيبهم إليها بأنواع المباحات. فكذلك ينبغي عليه أن يسد عليهم كل ما يفضي إلى الحرام من وسائله وذرائعه. سواء المنصوص عليه، أو غير المنصوص. قال: فمن المنصوص: الاختلاط المحرم. فلا يجوز لولي الأمر أن يأذن للمدارس المختلطة: لا في الابتدائية، ولا في الإعدادية، ولا في الثانوية، ولا في الجامعات؛ لأن هذا يفضي إلى الشر والحرام. بل ولا يجوز حتى على الصحيح في الحضانة: إن استطاع أن يفصل فصل. فهذا هو الأولى. وكذلك كل ما كان بمعناه مما فيه إفضاء وذريعة للحرام: يجب كذلك سد الأبواب الموصلة إليه. فالحدائق العامة المختلطة: ينبغي أن تفصل. فتجعل الحدائق للعوائل خالصة، وللعزاب خالصة، أو أيام بأيام. بل إذا كان ذلك لا ينضبط: يمنعها بالمرة. وفتح باب السياحة بما يكون به إدخال أهل الفساد، أو الفنادق بما يكون به الشر والفساد: فكل ذلك يضبط بما تسد به ذرائع الوقوع في الحرام. قال: وروي عنه: أنه بلغه أن رجلًا يجلس إليه الصبيان، فنهى عن مجالسته. وهذا صح عن عمر رضي الله عنه. وبعضهم ضعفه؛ يعني فيما جاء في سندي الإمام البخاري في «الأدب المفرد». وقد ضعفه الشيخ الألباني. لكن رؤية آثار تدل على معنى ذلك. ومعنى صحيح: فمن كان يكثر من ذلك فهو مظنة السوء. ولهذا ينبغي أن يمنع الكبير من مخالطة الصغير؛ لأنه ليس يصلح له صديق. لماذا يصادقه ويصاحبه وهو كبير في السن، وهذا صغير؟ فينبغي أن يكون هناك ضوابط للصحبة والصداقة. فيكون هناك تجديد في المدارس، في الجامعات، في المساجد، وفي غيرها: ألا تكون هناك خلطة مشبوهة. قال: فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال أو على النساء: منع وليه من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه. لا سيما بتبريجه وتجريده بالحمامات. ومعنى «تبريجه»: أي تزيينه؛ حتى يصير كالمرأة المتبرجة التي تريد أن تفتن غيرها بالمزينات وبالروائح. بل إذا كان في الولد نظارة: ينبغي أن يعمل بالعكس: إضاعة هذه النظارة. إن كان شعره يزينه: حرص على قص شعره. أو بعض الألوان تزينه: حرص على لبس ضدها من الألوان. وغير ذلك سدًا للذرائع. قال: ومن ذلك: متابعة المجتمع في ألبسته. ينبغي أن يعتني ولي الأمر بذلك. فيجعل هناك هيئة الحسبة: الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر. تتتبع كل ما يكون ذريعة للفساد. فتبرج النساء يحارب، والألبسة المشبوهة تحارب؛ حتى ألبسة الشباب التي فيها صرخات الكف