شرح السياسة الشرعية  26

شرح السياسة الشرعية 26

الدرس في شرح السياسة الشرعية 26، الدرس السادس والعشرون:من( لكن يجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه ... وبذل المنافع نظيره في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم

يجوز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات والفيء لتأليف قلوبهم، ويشمل ذلك المسلمين والكفار. يكون إعطاؤهم إما لرجاء نصرة الإسلام أو لدفع شرهم.

تأليف القلوب وتوزيع الأموال

يشرح المقطع مفهوم تأليف القلوب وتوزيع الأموال على الرؤساء، ويبين أن هذا العمل ليس ظلمًا إذا كانت النية صادقة. يفرق بين الورع الفاسد والجبن والبخل.

أهمية الجود والشجاعة في السياسة

يؤكد النص على أهمية الجود والعطاء والشجاعة في إصلاح الأمور ونصرة الحق. يبين أن السياسة الدينية الناجحة تتطلب الجمع بين التقوى والإحسان.

علاقة الصبر بالشجاعة والعطاء

يشرح العلاقة بين العطاء والصبر وبين الأخذ والغضب، وكيف أن العطاء نظير الصبر والشجاعة في دفع المضار. يوضح التشابه بين السخاء والشجاعة.

  • 24 جمادى الأولى 1432هـ - 27/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله: لكن يجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان هو لا يحل له أخذ ذلك، كما أباح الله تعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الأقرع بن حابس سيد بني تميم، وعُيينة بن حصن سيد بني فزارة، وزيد الخير الطائي سيد بني نبهان، وعلقم بن علاث العامري سيد بني كلاب، ومثل سادات قريش من الطلقاء كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير. ومعنى هذا كالاستثناء لما سبق، أنه يجوز أن يعطي العطاء لمن لا يستحق أن يعطى إذا كان هذا العطاء على هذا الوجه المأذون فيه، وهو لأجل التأليف. وكما سيأتي معنا إن شاء الله، معناه التأليف يكون لأحد أمرين: إما لمن يرجى أن ينصر به الإسلام، فيستعان به مسلمًا كان أو كافرًا، والكافر إما لأجل ما يرجى من إسلامه، أو لأجل ما يستعان به ولو لم يسلم. والنوع الثاني: أن يكون لدفع ضرره، وهذا كذلك يشمل للمسلم والكافر، مسلم فاجر يعطى ولا يستحق العطاء، ولكن يتألف لأجل أن يندفع شر مثل هذا الفاجر، أو كذلك كافر ويعطى ليدفع شر هذا الكافر. فمعنى التأليف يدخل في هذين المعنيين، وبهذه الإشارات سيأتي معنا إن شاء الله تفاصيل. وقوله رحمه الله: «وإن كان هو ولا يحل له أخذ ذلك» يعني إن سأل. وهل معناه إذا لم يسأل لا يحل أن يعطى؟ الجواب: لا، وإنما هذا حسب ما يرى الإمام. لكن فيه شيء أكثر مما سبق، وهو أن بعض الناس قد يعطى وهو ليس من المؤلفة، لكن يعطى ليندفع شره بما يكون من فحش كلامه. ويدخل في هذا المعنى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل ليأتيني فيسألني فأعطيه فينطلق ويحمل في حضنه ما يحمل في حضنه إلا النار» رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء عند ابن حبان وغيره وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب. وجاء معناه كذلك من حديث أبي سعيد فيما رواه ابن حبان وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «معنى ما سبق وذكر في آخره أنه يرجع بالنار إلى أهله». وجاء في صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله عنه أنه قال: حين قال له عمر -وقد أعطى قومًا يرى عمر أنهم لا يستحقون- فقال: «والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل ولست بباخل» يعني ما كنت لأمنعهم فيكون في ذلك تبخيله عليه الصلاة والسلام ويرمى بالفحش عليه الصلاة والسلام. فدعا لهذه المفسدة أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا وهم لا يحق لهم أن يسألوا فضلًا أنهم يلحون فيعطون، ولهذا قال: «إنما يحمل في حضنه النار أو يرجع إلى أهله بالنار». فهؤلاء صنف آخر ممن قد يعطون ليدفع شرهم، ويدخل في معنى هؤلاء بعض من له وجاهة كمشايخ القبائل وغيرهم ممن قد يتسلطون. فإعطاءهم حلال وأخذهم حرام، وهذا معنى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بعث علي وهو باليمن بدهيبة في تربتها -يعني في معدنها- ما زالت في معدنها»، قال: «إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظري، وعُيينة بن حصن الفزاري، وعلقم بن علاث العامري -ثم أحد بني كلاب- وزيد الخير الطائي -ثم أحد بني نبهان-». قال: «فغضبت قريش والأنصار»، فقال: «يعطي صناديد نجد ويدعنا»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني إنما فعلت ذلك لتألفهم -أو لتألفهم- الظاهر لأتألفهم -لتألفهم- يعني لأتألفهم» فاللام للتعليل. قال: «فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس»، فقال: «اتق الله يا محمد»، وهو «رأد الخويصرة من بني تميم من أهل نجد»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن يطع الله إن عصيته؟ أيامنني أهل السماء ولا تأمنوني؟». قال: «ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله -ويرون أنه خالد بن الوليد-»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لا أقتلنهم قتل عاد». والحديث كما أشار في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، حديث أبي سعيد في الصحيحين له ألفاظ كثيرة. والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى هؤلاء الأربعة، واعترض من اعترض، يعني وقع في نفوسهم كونه خص هؤلاء ولم يعط غيرهم، وظاهره أنه أعطى الأقوياء وترك الضعفاء. وهذا ما قد يظنه من لم يعرف هذه السياسة الشرعية الصحيحة المأذون فيها، أنه من الظلم وأنه من الأثرة ونحو ذلك. قال رحمه الله: عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعُيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك»، فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عُيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تخفض اليوم لا يرفع يريد أن يقول: لا تنقصني، ليس لأجل المال، ولكن لأجل ما سيقوله العرب بعد ذلك، فسينقصون منزلتي من منزلة هؤلاء. فقول: «أتجعل نهبي ونهب العبيد» المراد بالعبيد فرسه، أي سهمي وسهم العبيد، وهو سهم الفارس بين عُيينة والأقرع، يعني أعطيتهم أكثر مني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة» رواه مسلم. والعبيد اسمه فرس له. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى هؤلاء كذلك يتألفهم، أعطاهم عليه الصلاة والسلام لأجل التأليف. قال: والمؤلف قلوبهم نوعان: كافر ومسلم، فالكافر إما أن يرجى بعطيته منفعة كإسلامه، أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك. قال: والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضًا كحسن إسلامه أو إسلام نظيره، حسن إسلامه يتقوى في الإسلام، وهذا كحال مشايخ القبائل وغيرهم إذا احتيج إلى تأليفهم. وليس معنى أنها سنة وقاعدة ينفق عليهم من بيت المال على كل حال، وإنما ينفق عليهم إذا اقتضت المصلحة ذلك. قوله: «أو إسلام نظيره» يعني يعطى لأجل يسلم غيره، مثلًا بلاد فتحت للمسلمين فيها رؤساء عشائر، فأسلم مجموعة فيعطى هؤلاء إعانة لهم فيما يكون به تقوية إسلامهم وتهييجًا لغيرهم ممن لم يسلم أن يسلم. قال رحمه الله تعالى: أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف أو لنكاية في العدو أو كف ضرره عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك. وهذه كلها نظائر تدخل في معنى من يعطى لأجل ماذا؟ تأليفه أو التأليف به، وهو يتناول ما يكون فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة. فجباية المال: جمع المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، فإذا كان إسلام بعض هؤلاء يكون سببًا في تخويف آخرين، أو إعطاء هؤلاء يجعلهم نصرة أو نحو ذلك، فهذا فيه مصلحة للإسلام. قال: إذا لم ينكف إلا بذلك، يعني معناه إذا انكف بغير هذا فينبغي أن يسلك المسلك الآخر. قال: وهذا النوع من العطاء وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل الملوك -يعني على وجه الظلم والاستعانة بأمثال هؤلاء الرؤساء على بقاء ممالكهم-. ولكن كما قال: «فالأعمال بالنيات»، فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله كان من جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه. قال: وإنما ينكره ذو الدين الفاسد كذي الخويصرة الذي أنكره على النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال فيه ما قال، وكذلك حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما قصد به المصلحة من التحكيم ومحو اسمه وما تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم. والشاهد من هذا أنه أشار رحمه الله أن ذوي الدين الفاسد -أي المنحرف- وهم الذين لا يراعون مثل هذه المصالح في هذا الدين، وكذلك يجهلون مثل هذه النصوص التي ينبغي أن يستنار بها في مثل هذه المقامات. قال رحمه الله: وهؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأن معهم دينًا فاسدًا لا يصلح به دنيا ولا آخرة. قال: وكثيرًا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل، فإن كلاهما فيه ترك، فيشتبه ترك الفساد لخشية الله تعالى بترك ما يؤمر به من الجهاد والنفقة جبنًا وبخلًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع» قال الترمذي: حديث صحيح. والحديث جاء من حديث أبي هريرة، وكما أشار المعلق: صححه غير واحد، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي. فالشاهد يريد أن يقول رحمه الله: بعض الأمور الخفية قد تشتبه على بعض الناس، فأهل الغلو مثلًا يشتبه عليهم باب المصالح والمفاسد التي ينبغي أن تراعى بالتضييع والتساهل. قال: وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظنًا أو إظهارًا أنه ورع، وإنما هو كبر وإرادة للعلو في الأرض. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» كلمة جامعة كاملة؛ فإن النية للعمل كالروح للجسد. ثم مثل بهذا المثال، ويريد به كذلك الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى في هذا الباب في تصرفات الولاة في هذه الأمانات. قال: فنحن الآن في الكلام على أمانات الأموال، فإنها تتناول تصرفات كثيرة. قال: لكن إذا كان المقصد هو ما عند الله ونصرة هذا الدين، حتى لو أخطأ لكان خطأه بين الأجر والأجرين. قال: بينما من كانت نيته سيئة وفاسدة المقصود الملك المقصود الدنيا، فلو زور وزين الأعمال ما زين، فالعبرة بالحقائق. قال: وهذا هو قوله قبل ذلك في إظهار الورع وهو في الحقيقة إرادة للكبر وإرادة للعلو في الأرض. قال: وقد يذم الإنسان نفسه يظن الجاهل أنه أراد بذلك التواضع، لكن من له معرفة وعلم ومن خبر الإنسان وعرف حاله علم أنه أراد بذلك الرفعة والثناء. قال: فالعبرة بالنيات، لكن ننتبه كما تقدم: لا يعني ذلك أنه يكفي أن تكون النية حسنة ولو خالف الشرع. قال: وحديث عائشة في الصحيحين ومعناه من حديث أنس في قصة الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم تقالوها، كانت لهم نيات حسنة، ومع ذلك لم تقبل أعمالهم. قال: بل قال عليه الصلاة والسلام: «ومن رغب عن سنتي فليس مني». قال: نعم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ يعني هذا مما يدل على صحة النية. قال: وفي الأثر: «أفضل الإيمان السماح والصبر» كما ذكر أصله حديث عمر بن عبسة وهو صحيح. قال: ثم ذكر رحمه الله أن رعاية الخلق وسياستهم تحتاج إلى الجود والعطاء، وتحتاج كذلك إلى النجدة وهي الشجاعة. قال: وبذلك يصلح أمر الدين والدنيا، فالجود والسخاء يكون به إصلاح الأمور والتأليف، والنجدة يكون به دفع الشر ونصرة الحق. قال: والأمر كما قال، ثم بدأ يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب في هذه الآيات التي فيها معنى النجدة وهي آيات الجهاد في سبيل الله. قال: وكذلك ثن بآية الإنفاق؛ لأنها فيها المعنى الأول الذي أشار إليه الجود والعطاء. قال: فالجود والعطاء يكون به نصرة الحق كذلك ودفع الباطل، كما تقدم بما يكون من إبقاء المصالح. قال: وقد تقدم عنا في أوائل هذا الفصل تفاصيل كثيرة مما لا تستغني عنها الدولة المسلمة. قال: وكذلك قال الله تعالى في غير موضع: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ومعنى قرن بين الجهاد بالمال والنفس، وهذا فيه معنى الإنفاق ومعنى النجدة المتقدم. قال: وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال: ويقولون: «لا طعنة ولا جفنة» يعني جمع بين هذين الأمرين، جمع بين هذين الأمرين، يعني لا شجاعة ولا كرم. قال: «لا طعنة» كناية عن الشجاعة، «ولا جفنة» كناية عن الكرم؛ الجفنة الذي يوضع فيها الطعام. قال: ومعناه: من لم يكن عنده هذا ولا هذا فليس فيه خير. قال: ويقولون: «لا فارس الخيل ولا وجه العرب»، «فارس الخيل» كناية على ماذا؟ الشجاعة، «ووجه العرب» المراد به الكرم؛ لأن العرب اشتهروا بالكرم من سائر الأمم. قال: ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء. قال: وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها، فصاروا نهابين وهابين، يعني وهبهم من النهب، وهذا لا يجوز، وهو يضر ولا ينفع. قال: وليس مثل هذا يكون به صلاح الدين والدنيا، وإنما صلاح الدين والدنيا بأن يكون الأخذ من حله ووضعه في حله، وأن لا يمنعه من مستحقه. قال: فإذا حقق ذلك فقد أدى حق الله في هذه الأمانات في باب الأموال. قال رحمه الله تعالى: وهؤلاء يقولون: «لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويطعم»، «أهل الأسف صارت مقولة أكثر الناس إلا من رحم الله». قال: «فإنه إذا تولى العفيف الذي لا يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه إن لم يضروه في نفسه وماله» يعني ربما يقتل أو يصاب أو كذلك يضر بماله؛ لأنه ليس على قاعدتهم: لا يأكل ولا يطعم، وهم يريدون واحد يأكل ويطعم مثلهم. قال: «هؤلاء نظروا في عاجل دنياهم أهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم»، لو نظروا إلى الآجل من الدنيا والآخرة لا حصل لهم الخير. قال: وفريق عندهم خوف من الله تعالى ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا من ظلم الخلق وفعل المحارم. قال: «فهذا حسن واجب، ولكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام»، فيمتنعون يمنعون عنها مطلقًا، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل أو ذيق خلق ينضم إلى ما معهم من الدين. قال: فيقعون أحيانًا في ترك واجب يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله. قال: والفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه، على عامة الناس وخاصة من يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس وإن كانوا رؤساء بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال. قال: وليقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها الدين، وعفته في نفسه -يعني هو في نفسه عفيف- وإن كان يعطي العطاء العظيم. قال: النبي صلى الله عليه وسلم مثال أهل التقوى والعفة، وهو الأسوة الحسنة لهذه الأمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال: فلا يأخذ ما لا يستحقه، فيجمعون بين التقوى والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. قال: ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة، وهي الطريقة الوسط كما علمنا وتقدم من التفاصيل الكثيرة التي ذكرها. قال: وهذا هو الذي يطعم الناس ما يحتاجون إلى طعامه، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب. قال: ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأولون؛ فإن الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس ما لا تطمع في العفيف. قال: وفي الصحيحين عن أبي سفيان بن حرب -النضرق الملك الروم- قال له عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بماذا يأمركم؟» قال: «يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة». قال: وفي الأثر: «أن الله أوحى إلى إبراهيم الخليل عليه السلام: يا إبراهيم أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ قال: لأني رأيت العطاء حب إليك من الأخذ». قال: هذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع نظيره في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضار.