الدرس في شرح السياسة الشرعية 10، الدرس العاشر:من( أهل الجنة ثلاثة:ذو سلطان مقسط ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ... إذا خفي الأمر كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم التركيز على صفات أهل الجنة مثل الرحمة والعدل والتعفف، حيث يعتبرون من أهم الصفات لنيل رضا الله ودخول الجنة. كما أن هذه الصفات تعتبر أساسية في بناء المجتمع المسلم.
يؤكد النص على أهمية الجهاد في سبيل الله لإقامة دين الله وجعل كلمة الله هي العليا، مع التركيز على أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو تحقيق العدل في حقوق الله وحقوق خلقه.
يُناقش المقطع معايير اختيار الإمام، حيث يفضل الأقرأ على الأحسن صوتًا، ويُشدد على أهمية تقديم الأصلح والأثبت في الدين، مع الإشارة إلى أن الإمامة في المسجد أو البيت ينبغي أن تكون بإذن صاحب المسجد أو البيت.
ترك الصلاة يعتبر كفرًا وهو أمر عظيم، وقد وردت أحاديث نبوية تؤكد ذلك، حيث ربط النبي عليه الصلاة والسلام بين الإيمان والصلاة، مؤكدًا أن تركها يعد كفرًا، مما يدل على أهمية الصلاة في الإسلام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق». والشاهد منه، كما تقدم، ذكر ذي السلطان المقسط، ففيه الحث على القصد، وهو العدل من السلاطين والولاة والأمراء، وأنه من أعظم أسباب دخول الجنة، بل ممن يخص به دون سائر الناس. ولهذا ذكر هؤلاء الثلاثة، بل وقدم على هؤلاء الثلاثة، كما تقدم. وفيه تأكيد هذا الوصف أن يكون مقسطا، والمقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن سبحانه وتعالى. وفيه كذلك هذا الحديث فضل الرجلين، وهم من الثلاثة: رجل رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم. ففي هذا حث على أن يكون المسلم رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم، وقدم ذي القربى لعظم حقه. ورحمة القلب قد تكون في بعض الناس فطرة يفطر الله عز وجل بها من يشاء من عباده، وكذلك يكون بالاكتساب. ولو لم يكن مكتسبا لما امتدح الشرع هذا الوصف. ولذلك من ابتلي بشيء من الفضاضة والغلظة والجفاء فليقف مع نفسه وقفة؛ لأنه إذا كان أهل الجنة منهم رجل رحيم القلب، فهذا نذير لمن كان فيه شيء من الجفاء والغلظة والغضاضة أن يخشى على نفسه أن يكون من أهل النار. وقد جاءت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإن وجدت في نفسك غضاضة وغضاضة على أهل بيتك وجفاء مع قرابتك ومع المسلمين، فاتهم نفسك وعالجها. وعلاج ذلك بالعلم والعمل الصالح؛ فالعلم النافع والعمل الصالح يعين المرء على إصلاح قلبه. فبكلام أهل العلم تتخذ الوسائل الصحيحة التي تعين على رقة القلب ودخول الرحمة فيها. وبقراءة كذلك فضل هذا الباب: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». والرحمة معنى من معاني الرفق؛ ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. وفي مقابل ذلك الغلظة لها معاني؛ قد تكون الغلظة في أسلوب الكلام، قد تكون الغلظة والجفاء في المعاملة، قد تكون حتى في النفقة. نفقات بعض الناس على أهله وقرابته فيها غلظة وجفاء، وتربيته ربما تكون فيها غلظة وجفاء. فالمطلوب أن يربي المسلم نفسه على الرحمة، والرحمة مقدمة في هذا الباب. ولا يعني ذلك أن تغلب الرحمة فتفسد؛ لأن الرحمة إذا غلبت أثمرت ضعفا وخورا. مثل تربية الأبناء مثلا، تربية الأبناء تحتاج لميزان؛ فإذا غلب الجفاء نفر، وإذا غلب الرحمة بطر. والمطلوب الوسط: رحمة مع حزم، رحمة مع حزم، وكذلك حزم وشدة مع حب وعاطفة تعين على كسر تلك الشدة فتعتدل. وهكذا حتى المسلمين لهم في من هذا حظ ونصيب. ومن ذلك أن تهتم لأمور المسلمين، تهتم لأحزانهم، فتحزن بأحزانهم وتفرح بأفراحهم وتعينهم على ما يحتاجون. وهذا من علامات رحمة القلب. والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا. ومثل المسلمين في توادهم وتراحم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، وغيره من الأحاديث الأخرى بمعناه. والثالث: رجل غني عفيف متصدق. والذي جاءت به الرواية: «ورجل عفيف متعفف ذو عيال». ليس غني؛ لأن الغني يسهل عليه أمر الصدقة، وكذلك لا يشق عليه في التعفف. ولكن كونه فقيرا، ولكنه شديد التعفف، حتى وصف أنه عفيف متعفف: عفيف في نفسه، متعفف عن غيره، وهو مع ذلك ذو عيال. فكونه ذو عيال هذا يقتضي أن يكون محتاجا، ومع ذلك فهو عفيف ومتعفف: عفيف في نفسه، ومتعفف مع غيره، لا يظهر أنه محتاج، ولا يحب أن يكون محتاجا، كما قال الله عز وجل: ﴿يُحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. فهذا أحد هؤلاء الثلاثة الذين هم من أهل الجنة. قال: وبالسنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله». والشاهد منه أن فيه الحث على الصدقة، والسعي بالحق. وكما تقدم معنا: من أعظم ما يصلح دنيا الناس العدل بقسمة الأموال، وما كان بمعناها، وكذلك عقوبات المعتدين. فالسعي بالصدقة بالحق كالجهاد في سبيل الله. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «الساعي على الأرملة والمسكين كالقائم لا يفتر، وكالمجاهد في سبيل الله». فهو فضل عظيم. والحديث أصله كما أشار في الصحيح، لكن ليس بهذا اللفظ، وهو بهذا اللفظ حديث حسن. وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله في تعليقه على صحيح ابن خزيمة. قال: وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». أخرجاه في الصحيحين. وهذا كذلك الشاهد من الحث على إقامة دين الله بالجهاد في سبيل الله؛ فهو من أعظم ما يجب أن يعتني به ولي الأمر المسلم. وكما تقدم في أوائل هذا الفصل: من أعظم أسباب إصلاح الدين إقامة الصلاة، والجهاد في سبيل الله. ومن أعظم أسباب إصلاح الدنيا العدل في الحقوق، ومنه المال، وكذلك معاقبة أرباب العقوبات. فأرادها هنا أن يؤكد ما سبق، ولكن الجهاد المطلوب ليس لأجل الملك، ولا لغيره؛ لأجل الحمية والعصبية، وإنما ما كان لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، فهو الذي يكون به التمكين لأهل الدين. قال رحمه الله: فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله العليا. وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه. وهكذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقصد في حقوق الله وحقوق خلقه. وهذا من أعظم أغراض الجهاد في سبيل الله وأهدافه. فمن أهداف الجهاد في سبيل الله السامية أن تكون كلمة الله هي العليا. وكلمة الله، كما قال، اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه. فكلمة الله هو الحق الذي أمر به أهل الإسلام من التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر أركان الإسلام والإيمان وشرائع هذا الدين. والخير والبر أن تكون تلك هي العليا وتجمل بما ذكر أن يقام بحق الله وحق خلقه، أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه. وهذا من أعظم أسباب إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام. قال: ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. والمعنى فيه الحكمة من إنزال الحديد؛ ففيه حكم كثيرة ومنافع. ومن تلك المنافع أنه ينصر به دين الله، بما يستعمل في الحروب والجهاد في سبيل الله. قال: فمن عدل عن الكتاب قوّم بالحديد. ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. ومعنى عدل يعني خرج عن الكتاب، عن العلم والهدى الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. قوّم بالحديد، بمعنى بقوة السلطان، ومنه الجهاد في سبيل الله. قال: ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف؛ المصحف يعلم ويهدي، والسيف يقوّم ويرد الناس إلى الحق. فهذا بقوة الحجة والبرهان، وهذا بحجة وقوة السيف والإخوان أو الأعوان. قال: وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا -يعني السيف- من عدل عن هذا -يعني المصحف-». وهذا الأثر اشتهر، ولكن كما أشار المعلق: لا يعرف له إسناد مستقيم. قال: فإذا كان هذا هو المقصود ومعنى صحيح كما تقدم، قال: فإذا كان هذا هو المقصود فإنه يتوسل إليه بالأقرب فالأقرب، وينظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب في المقصود وليا. فإذا كانت الولاية مثلا إمامة صلاة فقط، قدم من قدمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا». ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا بإذنه. رواه مسلم. والمعنى أنه بما تقدم علم أنه يراعى الأصلح بالأصلح، بما تجتمع فيه صفات الصلاح في الراعي، وبما يكون به كذلك إصلاح الرعية. فهناك صفات تراعى باعتبار الراعي، وكذلك باعتبار الرعية. وقد تقدم معنا أن بعض الصفات قد تكون مطلوبة أكثر بالراعي، لكن باعتبار الرعية والرعاية التي قد يقوم بها هذا الراعي، قد يغلب المفضول على الأفضل من الصفات. كما تقدم معنا في إمارة الحرب: كيف يقدم القوي الفاسق على التقي الضعيف؟ يقدم إمارة القوي الفاسق على التقي الضعيف؛ لأنه روعي في هذا ليس فقط أمر هذه الولاية والإمارة، بل كذلك ما يقصد منها في حال الرعية. وكذلك هذه المسؤولية، ولما كانت هذه المسؤولية تحتاج إلى القوة أعظم من الحاجة إلى التقوى، قد ماء القوي ولو فيه فسوق، ما دام فسوقه على نفسه. وكذلك إذا كانت الولاية دون ذلك، أو فيما هو من الولايات الخاصة، فينظر إلى الصفات المطلوبة. فإن كانت إمامة صلاة فقط -وفي قوله فقط؛ لأنها قد تكون إمامة صلاة ومعها شيء آخر- فإن كان مع الصلاة شيء آخر، فلا يكفي أن يكون أقرأ بالكتاب؛ فقد يكون نقص القراءة مع وجود الوصف الآخر بما تكتمل به هذه الولاية مقدم. فما يصلح مثلا في إمام مسجد جامع يحتاج الناس فيه إلى خطيب، إلى إمام يحسن القراءة، ولكن لا يحسن الخطابة. وقد يوجد من هو أقل منه قراءة، لكنه يحسن الخطابة فيؤدي المقصود. وليس معنى أقل لا يحسن، ولكن ربما أقل في الحفظ وهكذا. كذلك يراعى نحو ذلك بحسب ما تكتضيه تلك الولاية. ثم ذكر الحديث، والحديث فيه الترتيب في الأولوية: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله». والمراد بأقرائهم، كما ذكر العلماء: ليس فقط الحفظ، الحفظ والتلاوة والعلم. فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، وهذا يؤكد تقديم العلم. فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة. وفي هذا لفتة وتنبيه إلى أهمية التقدم والتمكن في الدين. ويخطئ الكثير من الدعاة في بعض الجهات إذ يتتبعون الأصوات، فيكون إمام القوم أحسنهم صوتا بغض النظر عن ثباته في الدين. ربما أمس كان منتكسا فاسقا، ودخل المسجد فكان حسن الص، فيقدم للإمامة. وما يدرون إلا وينتكس مرة ثانية. وبانتكاسه ينتكس كثير من الناس؛ لأنه صار محل قدوة. ولهذا لا ينصح العلماء تقديم أمثال هؤلاء. وليس من السنة تقديم الأحسن صوتا، ولكن الأقرأ؛ لأن الأقرأ في الغالب يكون ماذا؟ أقوى وأثبت في الدين. لأن الوصول لحفظ القرآن لا يكون إلا بماذا؟ بمشقة وبعلم، فيحتاج إلى وقت حتى يحفظ القرآن، فيعينه ذلك بإذن الله على تقوية إيمانه ورسوخه في هذا الدين. أما الصوت فقد يحصله مغني؛ أمس كان مغني، واليوم يصير قارئ، خصوصا إذا كان قد درس شيء من علم القرآن في المدارس العامة، فربما ينافس من هو أسبق فيصير دين الناس ألعوبة بأيدي أمثال هؤلاء المتدبدبين، فينتبه لهذا المعنى. فالرسوخ له شأنه؛ لأنه محل قدوة وإتساء. قال: فإن كانوا بالهجرة سواء فأقدمهم سنا؛ لأن المقام مقام اقتداء وإتساء، فالأقدم سنا بإذن الله هو أصلح في توجيه المجتمع ونصحه، بخلاف الأصغر سنا؛ فيه من الطيش ومن كذلك الشدة التي تصاحب الشباب ما تكون سببا في عدم الأخذ بالرعية والمجتمع إلى ما فيه صلاحه وسلامته. وقوله: «ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته إلا بإذنه». كذلك هذا أدب من الآداب في الإمامة، سواء في المسجد أو في البيت، في غير مسجده أو في غير بيته؛ فالإذن له شأنه في هذا الدين. ولأن فيه مصلحة أخرى؛ لأن صاحب البيت وصاحب السلطان -أي المسجد- إذا كان المقصود بالسلطان هنا الخاص أعرف بأحوال رعيته، فهو يعرف كيف يدبر أمورهم ويصلح شأنهم ويقدم الأصلح لهم. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن عند أبي داود من حديث أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا زار الرجل قوما فلا يصل بهم، وليصل بهم رجل منهم». لماذا؟ لأنه أولا أولى بذلك، فهو صاحب السلطان. وثانيا: لأنه أعرف بأحوال أهل مسجده، فيعرف كيف يصلح أحوالهم. ولأنه ثالثا: لو ترك هذا الباب صار في هذا تشتيت الإمامة: تارة يتقدم من يحسن، وتارة من لا يحسن، وتارة من يراعي الأصلح، وتارة من لا يراعي الأصلح، خصوصا إذا كان المسجد يكثر فيه مرور الغرباء، فسيكون هناك فوضى في مثل هذا المسجد. فلهذا ولغيره كانت السنة -وهو الأفضل والأكمل- أن لا تكون الإمامة عرضة للزائرين. من جاء زائرا لا يصلي بالناس. واستثنى العلماء ما إذا كان هذا الزائر معلم يعلم الناس، والناس يحتاجون إلى علمه، فيصلي بهم لتعليمهم، لا لأجل التبرك كما يظن العامة. بعض العامة يقولون: نتبرك اليوم بالشيخ، خلوا الشيخ يصلي بنا اليوم. هذا خطأ. أما لأجل التعليم فهذا قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن الصحابة من بعده رضي الله عنهم. فإذا كان التعليم قد كفي الناس فيه بوجود من يعلمهم، فلا حاجة أن يصلي بهم إلا إمامهم. قال رحمه الله: فإن تكافأ رجلان أو خفي أصلحهما أقرع بينهما -يعني في الإمامة- وهكذا في سائر أعمال البر التي يحصل فيها التنافس، هذا إذا كانت على وجه التطوع. وأما إذا كانت ولاية من الولايات، ووظيفة من الوظائف التي يجعلها ولي الأمر، برزق وجعل، فينبغي أن يتتبع ولي الأمر الأصلح، بلجان تنتقي الأصلح، تنتقي الأصلح. قال: كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان، متابعة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». والحديث كما أشار في الصحيحين. والمعنى فيه حث على التنافس على النداء -أي الأذان- والصف الأول. وهذا كما تقدم: إذا لم يكن ولاية من الولايات، وإلا فهو حق لولي الأمر يضع فيه الأصلح، أو من ينيبه ولي الأمر، فلا يصح أن ينافس من وكل من ولي الأمر بهذه الوظيفة بحجة هذا الحديث. هذا الحديث في حال لم يعين له أحد، إذا كان تطوع. قال: فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله -وهو ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر- كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها. والمعنى أنه ينبغي أن يراعى في هذا الأصلح والأصلح، كما تقدم. فإن كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله -وهو ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر- وهذه جملة معترضة توضح معنى بفعله. وبفعله: كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها. والمعنى كما تقدم: تقديم الأصلح فالأصلح، فينظر من الذي يقيم دين الله في نفسه، وفي كذلك من يتولى عليهم، ولو كان حتى إمام مسجد. نعم، والله تعالى أعلم. طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. يقول: ما حكم من ترك الصلاة عاجزا وهو يقول: الصلاة هي الواجبة؟ هل يكون كافرا؟ ماذا يريد بعاجز؟ إن كان عاجز بمرض، فيعلم أن المريض يصلي على أي حال، كما في حديث عمران بن حسين: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع على جنب». وإن كان شيء آخر، فيحذر من الوعيد الشديد في هذا الباب. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن ترك فقد كفر». وقال: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». فأمر ترك الصلاة عظيم، والله المستعان.