الدرس في شرح السياسة الشرعية 31، الدرس الحادي والثلاثون:من( فعذب الله عجوز السوء القوَّادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث ... أما إذا جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستشهدًا بالقرآن والسنة، ويبين أن صلاح العباد والبلاد يعتمد عليهما. كما يؤكد أن قبول المال لإقرار المنكرات يعد إعانة على الإثم.
يشرح المقطع أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منع العذاب الإلهي، ويبين أن وجود الصالحين لا يكفي لمنع العذاب إذا لم يأمروا بالمعروف. كما يوضح دور ولي الأمر في تعيين هيئات للأمر بالمعروف وتطبيق العقوبات.
يتناول حكم قتال الطائفة التي تمتنع عن واجبات إسلامية مثل الزكاة أو الصلاة، ويشرح اختلاف العلماء في حكم تارك الصلاة. كما يشير إلى اجتهاد الصحابة في فهم الشريعة وتطبيق أحكامها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «السياسة الشرعية»: «فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية. فإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يمكن من المنكر بمال يأخذه، كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليه، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين». يوضح ذلك أن صلاح العباد والبلاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وقال الله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فأخبر الله تعالى أن العذاب لما نزل نجى الذين ينهون عن السوء وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد. وفي الحديث الثابت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه». وفي حديث آخر: «إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر أضرت العامة». أبان رحمه الله في هذه الفقرات بأن قبول المال من ولي الأمر ومن كان بمعناه لإقرار أو للسكوت على المنكرات من الإعانة عليها، فكان فعله كفعل سائر من يعينون على الإثم والعدوان في كل معصية من المعاصي. وضرب أمثلة، ومن ذلك ما ذكر في قصة قوم لوط، كيف عذبهم الله عز وجل مع امرأة لوط، وهي إنما كانت تعينهم وتدلهم، فكانت بهذه الإعانة تستحق غضب الله وعقوبته في الدنيا قبل الآخرة. ولذلك لحقها العذاب ولم تنج منه، كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. فكذلك يريد أن يقول ولي الأمر أو من يقوم مقامه إذا أعان على المنكرات، سواء الفاحشة وغيرها، فهو مثله كمثل هذه المرأة التي لحقها هذا العذاب. فهم يستحقون ما يستحقه أولئك من العذاب، هذا من جهة الإثم وما توعدهم الله به. وهكذا كذلك هم في الدنيا، فلذلك أمثال هؤلاء إذا تمكن منهم السلطان الأكبر وجب عليه أن يعزرهم وأن يعاقبهم وأن يؤدبهم بما يستحقون من العقوبة لكونه أعان على الإثم والعدوان. وذكر بعد ذلك ما سمعناه ورأيناه أن فعل ذلك هو من فعل الأضداد، فمثله كمثل من نصب إنسانًا ليعينه على عدو فأعان عدوه عليه، فصارت عنده خيانة عظيمة وكبيرة. فإذا كان كذلك، فما هو إذن جزاء من فعل مثل هذه الخيانة؟ جزاء هو العقاب الشديد عند الناس وعند الله. وكذلك يقال في حق هؤلاء، وهكذا كذلك بمنزلة من أخذ مالًا ليجاهد في سبيل الله فقاتل به المسلمين، فكانت كذلك خيانة كبيرة، كونه أنه صرف المال الذي أعطي ليجاهد به في سبيل الله فيما يكون به مقاتلة المسلمين، هو معطى ليدفع عن المسلمين فاستعمله للإضرار بالمسلمين. فكذلك هذا السلطان أو هذا الولي أو هذا العامل إذا استعان بوظيفته على ما يكون فيه تغيير المقاصد الشرعية من هذه الوظيفة، فهو حاله كحال هذا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة. وبين كذلك معنى آخر، وكل هذه الأمثلة لتجلي وتوضح عظم هذا الذنب وهذه الخيانة. فبين رحمه الله أن صلاح العباد والبلاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك صلاح المعاش وما يكون من أمر العباد بطاعة الله ورسوله. فإذا لم يؤمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ولم يدع إلى طاعة الله ورسوله، فإنه يحصل الشر والفساد. ثم ذكر الآيات التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه من أعظم الواجبات، بل بعضهم جعله الركن السادس من أركان الإسلام. فإن الله عز وجل قدمه على الصلاة والزكاة في آية التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. فاستدل بعض أهل العلم بهذه الآية أنه كاد أن يكون الركن السادس من أركان الإسلام لعظم حاجة الأمة إليه، والآيات التي تدل على ذلك كثيرة. فخيرية هذه الأمة ببقاء هذا الخير: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وأورد بعد ذلك الآيات التي فيها الإشارة إلى التخويف من عذاب الله العاجل في الدنيا قبل الآجل، إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه. وذكر آيات سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت، وكيف أنهم ثلاث طوائف: أنجى الله عز وجل الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس. وسكت عن الطائفة الثالثة، حتى قال بعض أهل العلم: إن الطائفة الثالثة لما كانت لم تنكر، فإنه يخشى أن يكون لحقها ما لحق المهلكين والمعذبين. ويفسره قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلا يكفي أن يكون أهل القرى صالحون، فصلاحهم لأنفسهم لا يمنع الصلاح العذاب والعقاب، ولكن الذي يمنع العذاب والعقاب هو إنكار المنكر والأمر بالمعروف. لأنهم إذا فعلوا ذلك رفع العذاب، وإذا لم يفعلوا ذلك يخشى أن يعمهم الله بعذاب وعقاب. ثم يبعثون على نياتهم، كما في حديث عائشة في الصحيحين: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بأولهم وآخرهم». قالت: «يا رسول الله، يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟» قال: «يُخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم». وهكذا في حديث النعمان بن بشير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مثل القائم بدين الله والواقع فيه كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: «لو أن خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». فهذه الدنيا حالها وحال أهلها كأهل هذه السفينة، فإنهم إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر يخشون على أنفسهم من غرق السفينة. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فإذا أصلحوا رفع الله العذاب، وإذا لم يصلحوا يخشى أن يعاقب الجميع بعذاب الله وعقابه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. فالله عز وجل قد يسلط بعض الفساق والفجار، فيكون سببًا لإرادته الكونية التي يبتلي بها جل وعلا. فإذا لم يأمرهم أهل الخير والصلاح بالمعروف وينهونهم عن المنكر، يخشى أن يعمهم الله بعذاب وعقاب من عنده، فيعم الجميع. وحديث أبي بكرة الذي أورده وهو حديث حسن بمجموع طرقه، وفيه هذا المعنى. فإن حقيقة هلاك الناس ليس بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، ليس تفسيرها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن إذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخشى أن يعمهم الله بعذاب وعقاب من عنده، كما في هذا الحديث يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام. ويبين لهم أنهم فهموا الآية على غير فهمها الصحيح، فإن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه، يعني لابد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقوله في حديث آخر: «إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر أضرت العامة». وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «ويل للعرب من شر قد اقترب». فقالت له زوجته: «يا رسول الله، أهلكنا وفيهم الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». يعني إذا ظهر وفشا، فإن الناس يهلكون ولو كان فيهم صلاح. ولاحظ قولها رضي الله عنها: «وفيهم الصالحون»، ولم تقل: «وفيهم المصلحون». فلا يكفي وجود أهل الصلاح، ولكن لابد من وجود أهل الإصلاح. فإذا أصلح الناس ما أفسد الناس، فإنهم بإذن الله ينجون من عذاب الله وعقابه. وأما إذا بقي الصلاح لأنفسهم وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يخشى أن يعمهم الله بعذاب وعقاب من عنده، لأنهم هم سبب هذا العذاب والعقاب. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد. قال: «وهذا القسم الذي ذكرنا من الحكم في حدود الله وحقوقه ومقصوده الأكبر هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فالأمر بالمعروف مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والصدق والأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام وحسن العشرة مع الأهل والجيران ونحو ذلك. فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلاة المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين. وقوله: «جميع من يقدر على أمره»، فربما يطيق في المدن ما لا يطيق في البواد والقرى، ولكن يحاول ذلك. فمن ذلك مثلًا أن يجعل هناك هيئة من أهل الحسبة مثل ما يفعل في أرض الحرمين، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعينها ولي الأمر من بيت المال، لأن هؤلاء مما تقوم بهم مصالح المسلمين. فتكون مهمتهم أمر الناس بهذه الواجبات مثل الصلاة، فهي تتكرر على الناس خمس مرات في اليوم يأمرونهم بها. ومثل الصيام في شهر رمضان يتتبعون المفطرين ويعينون الناس على إقامة هذا الواجب، ويقومون باللازم فيمن يخالف ذلك. ومثل الزكاة كذلك بإرسال السعاة وجمع الزكاة وإحصائها، وكذلك توزيعها في مواضعها. وهكذا كذلك الحج، ترتيب لجان لتنسيق الحج والعمرة بترتيب أمورها. وكذلك تعليم الناس ما يحتاجون في ذلك، وتفويجهم وإرسالهم واستقبالهم، وغير هذا مما يعان الناس على هذا الواجب. وغير ذلك من هذا الباب كذلك. وكذلك الخصومات الأسرية تقام لجان ومؤسسات لعلاج المشاكل الأسرية، فيكون فيها إعانة الآباء على طاعة الأبناء لهم. وكذلك الإصلاح بين الزوجين والقيام بصلة الأرحام وحسن العشرة بين الجيران والأهل وغير ذلك. فمثل هذا من المهمات والأمانات التي تتعلق بولي الأمر، فعليه أن يهيئ جهات تقوم بمثل هذا. دولة تقوم بمثل هذا، ماذا يكون حالها من الخير والصلاح والإصلاح والإتلاف والاجتماع والتعاون والبر؟ يكون خير كثير يصلح به أمر الدين والدنيا. وهذا من محاسن هذا الدين العظيم. قال رحمه الله: «ويعاقب التارك بإجماع المسلمين». فإن كانت تاركون طائفة ممتنعة، قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين. يعني إن تركوا الصلاة وكانوا جماعة، فأمروا فامتنعوا، فإنهم يؤمرون وينصحون ويزجرون. فإذا لم يستجيبوا قاتلوهم على ذلك حتى يخضعوا لذلك. وهل قتالهم هذا يعني كفرهم؟ الصحيح فيه تفصيل، فإنه قد يفضي ذلك إلى الكفر إن كان فيه معنى الجحود، وكان كذلك معنى ذلك موجودًا، سواء بالفعل، سواء بالفعل فعل المقاتلة أو كذلك بالقول والإقرار. فإن الجحود لا ينحصر بما يكون في القلب، فقد تحتف به الفعل قرائن تدل على ما في القلب. قال: ﴿وَكَذَلِكَ يُقَاتَلُونَ﴾ على ترك الزكاة والصيام وغيرهما. ولا يخفى علينا أن الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا الطائفة الممتنعة عن الزكاة، قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه. وقد راجعه عمر رضي الله عنه، فقال له أبو بكر: «والله لا يقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة». ثم ذكر له حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه أمر أن يقاتل الناس حتى يحققوا هذه الخصال الأربع، وهي من أركان الدين. فإذا كان كذلك، فمن امتنع عن الزكاة يقاتل. فشرح الله عز وجل صدر عمر لذلك، فقاتلوا الطائفة الممتنعة. وقد بين العلماء، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه، أن تلك الطائفة الممتنعة لم يكونوا على حكم واحد، بل كانوا ثلاث فرق. فمنهم أهل الردة الذين ارتدوا، ومنهم من لم يكن كذلك. قال رحمه الله تعالى: «وعلى استحلال ما كان من المحرمات الظاهرة المجمع عليها، كنكاح ذوات المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك». فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله. هذا هو الواجب أن أهل الإسلام يتعاونون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعينهم ولي الأمر على ذلك. ومن ذلك إذا امتنعت طائفة عن بعض الواجبات أو أصرت على بعض المحرمات، فإنها تقاتل. وهذا القتال كما تقدم لا يستلزم الكفر، قد يكون كفرًا وقد لا يكون كفرًا. وهنا تأتي مسألة يكثر التشويش بها بعض الخوارج في هذا العصر من دعاة التكفير والتفجير، يزعمون أن المجاهرة بالمعاصي تدل على الكفر، وأنها تقتضي الكفر. وهذا الكلام لم يأت ما يدل عليه لا من كتاب ولا من سنة ولا من فهم سلف الأمة، ولم يقل به أحد من الأمة والعلماء المعروفين من أهل العلم. حتى في هذا العصر من علماء أهل السنة الراسخين في العلم، بل تضافرت وتكاثرت وتواترت فتاوى العلماء قديمًا وحديثًا في التفصيل في مثل هذه المسائل. ومن ذلك سؤال سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، كما في فتاويه في المجلد الثاني عشر عن مثل هذا المعنى. فقد سئل سؤال حول البلدان التي فيها أسواق للبغاء، فتحمى هذه الأسواق ولا ينكر عليها، فهل يدخل هذا في الإباحية؟ فقال الشيخ رحمه الله: «يخشى أن يصل إلى الكفر، وقد يكون كالقوانين لأنه إذن عمومي، وإن لم يعتقد أنه حلال». ثم ذكر رحمه الله أن الجحود أقسام، وأن الأصل في هذا الباب أن لا يكون تكفير إلا بعد قيام الحجة ووضوح الدليل. وذكر ثلاثة أقسام: القسم الأول ما كان فيه جحود ما علم من الدين بالضرورة، فإنه إذا كان كذلك وكان قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به، فإن ذلك يقتضي الكفر، سواء في الأصول أو الفروع. ويريد بالأصول والفروع العقائد أو العمليات. قال: والقسم الثاني ما يخفى دليله، فهذا لا يكفر صاحبه حتى تقام عليه الحجة. وذكر الثالث: أشياء غامضة لا يكفر الشخص بها حتى ولو أقيمت عليه الدلالة. قال: لا يكفر بها، سواء كانت في الفروع أو في الأصول. ثم جعل رحمه الله هذا السؤال من القسم الثاني، جعل هذا السؤال وما هو القسم الثاني؟ ما يخفى دليله، فيحتاج إلى إقامة الحجة. فإذن فعل مثل ذلك وما يفعله بعض الحكام أو تفعله بعض الدول هو من المنكر العظيم، وقد تقدم معنا أنها خيانة عظيمة وجرم عظيم، لكن لا يستلزم التكفير. فقد قال علماؤنا: وهو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ويندفعون وراء العواطف والحماسات وقول أهل الجهل من دعاة التكفير، وكذلك أفراخ الخوارج الذين يضلون الناس بمثل هذه الحماسات. قال رحمه الله تعالى: «فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله باتفاق العلماء». وإن كان التارك للصلاة واحدًا، يعني ولو كان هذا التارك واحدًا، فقد قيل: إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلي. وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى وإلا قتل. وهذا قول جمهور أهل العلم، بل بعضهم نقل فيه الإجماع. قال: «وهل يقتل كافرًا أو مسلمًا فاسقًا؟ فيه قولان». يعني بين أهل العلم. وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا. ونبه شيخنا رحمه الله: لا يعني قوله ذلك أن السلف اختلفوا في كفر تارك الصلاة، ولكن الصحيح أن السلف كانت كلمتهم واحدة في كفر تارك الصلاة. وكيف يختلفوا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وجاء في السنن بإسناد حسن من حديث بريدة: «أنه قال عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقد روي كذلك من حديث عبد الله بن شقيق قال: «ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركوه كفر إلا الصلاة». قال رحمه الله: «وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا». وهذا كله مع الإقرار بوجوبها. أما إذا جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، وهذا على معنى الكفر الأكبر. وأما لفظ الكفر فالكل متفق، حتى المتأخرون من العلماء متفقون أنه كفر. لكن هل هو كفر دون كفر أم كفر أكبر؟ قول الصحابة فيما جاء في حديث وأثر عبد الله بن شقيق: أنه كفر أكبر. إلى هنا ينتهي النص.