شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 61

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 61

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 61، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

حكم سجود التلاوة وخلاف العلماء في وجوبها واستحبابها

يتناول الفصل إجماع العلماء على مشروعية سجود التلاوة واختلافهم في حكمها، حيث ذهب الجمهور إلى الاستحباب وأبو حنيفة إلى الوجوب مستدلين بآيات القرآن وفعل عمر بن الخطاب. كما يستعرض أدلة الجمهور من أحاديث زيد بن ثابت وابن عباس التي تؤكد كونها سنة غير واجبة.

تحديد عدد سجدات التلاوة ومواضعها التفصيلية في السور

يبين الفصل أن العدد المختار عند الشافعي والجماهير هو أربع عشرة سجدة مع تفصيل مواضعها في سور القرآن الكريم. ويناقش الخلاف الفقهي الوارد في سجدة ص وسجدة الحج الثانية، وموضع السجود في سورتي فصلت والنمل وفق أقوال المذاهب الأربعة.

الخلاف الفقهي في مواضع سجود محددة وإحالة إلى أدلة صحيح مسلم

يركز الفصل على خلاف الإمام مالك مع الجمهور في تحديد موضع السجود عند آية ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ مبيناً رد المالكية لقول الجمهور. ويختم بالإحالة إلى دروس سابقة في صحيح مسلم تفصل مواضع السجود وأدلة كل منها.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله: «فصل: نبهنا على أن من لغات التأمين: قال آمين بالإمالة، مع المد، بينهما يكون النطق بهذه: فل آمين بالإمالة، آمين». قال رحمه الله: «فصل في سجود التلاوة». قال: مما يتأكد الاعتناء به فقد أجمع العلماء على الأمر بسجود التلاوة، واختلفوا في أنه أمر استحباب أم أمر إيجاب. وهنا في الحاشية: أخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار». قال: فقد أجمع العلماء على الأمر بسجود التلاوة، واختلفوا في أنه أمر استحباب أم أمر إيجاب. يعني الكل على مشروعية سجود التلاوة، فقال الجمهور: ليس بواجب بل هو مستحب، وهذا قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وسلمان الفارسي، وعمران بن حسين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وغيرهم رضي الله عنهم. يعني الجمهور على أن سجود التلاوة للاستحباب، الأمر في سجود التلاوة. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هو واجب، واجب، لم يقل هو فرض ولكن قال واجب على اصطلاحه في التفريق بين الفرض والواجب. قال: واحتج بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 20-21]، وأيضًا احتج بقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]. قال: واحتج الجمهور بما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال: «يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه»، ولم يسجد عمر. رواه البخاري. وهذا الحديث ظاهر في عدم الوجوب. قالوا: هذا الفعل والقول من عمر رضي الله عنه في هذا المجمع دليل ظاهر، يعني في عدم الوجوب. قالوا: أما الجواب عن الآية التي احتج بها أبو حنيفة رضي الله عنه فظاهر، لأن المراد ذمهم على ترك السجود تكذيبًا، كما قال الله تعالى بعد: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: 22]، فالله أنكر عليهم أنهم تركوا السجود تكذيبًا وإعراضًا وتكبرًا. قال: وثبت في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد، ولو كان واجبًا لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود. قد يقول قائل: لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن هو القارئ. فيقال: إذا كان القارئ واجبًا عليه السجود، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر زيد بن ثابت بالسجود، فدل على عدم الوجوب، يدل على أنه غير واجب. قالوا: ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سجد فيها والنجم، فدل على أنه ليس بواجب، يعني هو سجد في موضع، إذا الحديث الأول لا يكفي في الدلالة على عدم الوجوب: قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد. سيقول قائل: لأن هذا الموضع ليس موضع سجود، فدل الحديث الثاني على أن هذا الموضع موضع سجود. وإذا قال قائل: النبي عليه الصلاة والسلام في الموضع الأول لم يكن هو القارئ، فالجواب: أنه لم يأمر القارئ بالسجود، فيتحصل من هذا عدم الوجوب. وأيضًا مما يستدل به على عدم الوجوب: أن الآيات التي فيها الأمر، يعني مواضع السجود عند أهل العلم، منها ما هو بصيغة الخبر وهو الأكثر، ومنها ما هو بصيغة الأمر كما في الحج وإقرأ والنجم، فالتي بصيغة الأمر محل خلاف بين أهل العلم هل يسجد فيها أم لا، فلو كان السجود واجبًا لما اختلف أهل العلم في السجود في هذه المواضع التي فيها الأمر بالسجود، لكان السجود في هذه المواضع التي فيها الأمر أولى بالسجود من المواضع التي فيها مجرد الإخبار. قال رحمه الله: فالحاصل أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب، وهذا قول جماهير أهل العلم. قال رحمه الله: «فصلا في بيان عدد السجدات ومحلها». في بيان عدد السجدات ومحلها. قال: أما عددها فالمختار الذي قاله الشافعي والجماهير أنها أربع عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، والنحل، ﴿سُبْحَانَ﴾ يعني الإسراء، ومريم، وفي الحج سجدتان، وفي الفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك. قالوا: أما سجدة ص فمستحبة وليست من عزائم السجود، أي متأكداته. ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها». وهذا مذهب الشافعي ومن قال مثله. قال: وقال أبو حنيفة: هي أربع عشرة أيضًا، ولكن أسقط الثانية من الحج وأثبت سجدة ص، واجعلها من العزائم. وهذا قول داود. وعن أحمد روايتان: إحداهما كما قال الشافعي، والثانية خمسة عشر، زاد ص، وهو قول أبي العباس ابن سريج، مشهور بالصين عندنا بالشين، لا صوابه بالصين. قال: وأبي إسحاق المروزي من أصحابنا الشافعي، وهذا قول الليث، وإسحاق، وابن وهب، وابن حبيب من المالكية، وقول ابن المنذر. قول الليث، وإسحاق، وابن وهب، وابن المنذر، وابن حبيب من المالكية. قالوا: عن مالك روايتان: إحداهما كما قال الشافعي، وأشهرهما إحدى عشرة، أسقط النجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ، وهو قول قديم للشافعي. قالوا: الصحيح ما قدمناه، يعني من أنها أربع عشرة سجدة التي ذكرها المصنف. قالوا: الصحيح ما قدمناه، والأحاديث الصحيحة تدل عليه. وأما محلها: فسجدة الأعراف في آخرها، والرعد عقب قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15]، هنا تعليق: الآصال جمع أصيل، وهو آخر النهار، ووقيل ما بين العصر وغروب الشمس. انتهى من كلام النووي رحمه الله. قالوا: النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، وسبحان: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109]، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]، والأولى من سجدتين الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18]، والثانية: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، والفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60]، والنمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26]، وألم تنزيل: ﴿هُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15]، وحم: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]، والنجم في آخرها، وإذا السماء انشقت: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 18]، واقرأ في آخرها. قال: ولا خلاف يعتد به في شيء من مواضعها إلا التي في حم، فإن العلماء اختلفوا فيها، فذهب الشافعي وأصحابه إلى ما ذكرناه أنها عقب ﴿يَسْأَمُونَ﴾، ﴿بَلِ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]. قالوا: وهذا مذهب سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وأبي وائل شقيق بن سلمة، والسفيان، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن راهويه. وذهب آخرون إلى أنها عقب قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]، ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]. حكاه ابن المنذر عن عمر الخطاب رضي الله عنه، والحسن البصري، وأصحاب عبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي صالح، وطلحة بن مصرف، والزبيد بن الحارث، ومالك بن أنس. قال هنا: زبيد من الحارث بضم الزاي وبعدها باء موحدة مفتوحة، من تعليق النووي، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، حكاه البغوي في التهذيب. قالوا: أما قول أبي الحسن علي بن سعيد العبدري من أصحابنا في كتاب الكفاية في اختلاف الفقهاء عندنا: أن سجدة النمل هي عند قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 25]. قالوا: هذا مذهب أكثر الفقهاء، وقال مالك رضي الله عنه: عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26]، فهذا الذي نقله عن مذهبنا ومذهب أكثر الفقهاء غير معروف ولا مقبول، بل غلط ظاهر، وهذه كتب أصحابنا مصرحة بأنها عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، والله أعلم. بالنسبة لمواضع السجود مر بنا قريبًا في دروس صحيح الإمام مسلم رحمه الله ما يتعلق بالمواضع والأدلة على كل موضع، فنحيل على ذلكم الموضع. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر