الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 59، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع خلاف العلماء في تسمية قراءة الفاتحة في صلاة النافلة ويرجح كونها ركناً لكونها جزءاً من الصلاة تتوقف صحتها عليها، مبيناً الفرق بين الركن والشرط. ثم يفصل حكم من يعجز عن قراءتها فيقرأ ما تيسر منها أو من الأذكار استناداً إلى أدلة التيسير الشرعية.
يبيّن المقطع أن من لا يحسن قراءة الفاتحة يقرأ ما تيسر من القرآن دون اشتراط سبع آيات، ويجوز الجمع بين سور متعددة في ركعة واحدة. كما يوضح مواضع الجهر بالقراءة بالإجماع في صلاة الصبح والجمعة والعيدين وأوليين المغرب والعشاء والتراويح والوتر، ويكره للمأموم الجهر.
يبيّن المقطع مواضع الجهر والإسرار في الصلوات: صلاة الجنازة سرية إلا للمصلحة، وصلاة العيد واجبة والجهر فيها، وصلاة الاستسقاء سنة والجهر فيها. كما يوضح أن الاعتبار في القضاء بوقت الفوات، وأن الإخلال بسنة الجهر أو الإسرار لا يبطل الصلاة.
يبيّن المقطع أن أحاديث سمرة وعمران بن حسين الدالة على السكتة بعد التأمين وبعد الفراغ من القراءة ضعيفة لا تصح، إما لانقطاع السند أو للتدليس. وبالتالي فإن السكتات الثلاث غير الأولى لا دليل عليها ولا تشرع لعدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: «أما قراءة الفاتحة في صلاة النافلة فلا بد منها، واختلف أصحابنا في تسميتها فيها، يعني: ماذا تسمى الفاتحة في صلاة النافلة؟ فقال القفال: تسمى واجبة، يعني الفاتحة أن قراءتها واجبة. وقال صاحبه القاضي حسين: تسمى شرطًا، يعني قراءتها شرط في صحة الصلاة، تكون شرطًا في صحة الصلاة. وقال غيرهما: تسمى ركنًا، وهو الأظهر والله أعلم». كل من الشرط والركن يتوقف عليهما صحة العبادة، والفرق بين الشرط والركن أن الركن ما كان جزءًا من العبادة، يعني ما تتوقف صحة الصلاة عليه وهو جزء منها، أو ما تتوقف صحة العبادة عليه وهو جزء منها. والشرط ما تتوقف صحة العبادة عليه وهو شيء خارج عنها. مثلا: الطهارة بالنسبة للصلاة، والسجود بالنسبة للصلاة. الطهارة ماذا تُقال بالنسبة للصلاة؟ الطهارة شرط. بالنسبة للضابط: ما هو ضابط الشرط والركن؟ ما تتوقف صحة العبادة عليه. هل يمكن أن تصح العبادة بدون طهارة؟ الجواب: لا. هل الطهارة جزء من الصلاة؟ الجواب: لا. إذن الشرط ما تتوقف صحة العبادة عليه وهو ليس جزءًا من العبادة، وإنما هو شيء خارج، مثل الطهارة بالنسبة للصلاة. والركن أيضًا ما تتوقف صحة العبادة على وجوده وهو جزء من العبادة، مثل الركوع، السجود، قراءة الفاتحة. هذه أركان، هي جزء من العبادة وتتوقف صحة العبادة على وجودها. فمن هذا البيان يظهر أن الراجح أنه يطلق على الفاتحة بأنها ركن أم شرط أم واجب؟ ركن. من هذا يظهر لنا أن الفاتحة تعتبر ركنًا في صلاة النافلة، لأن ضابط الركن: ما تتوقف صحة العبادة عليه وهو جزء من العبادة، فقراءة الفاتحة جزء من الصلاة، بخلاف الطهارة؛ الطهارة ليست من أفعال الصلاة ولكن هذه شروط خارجية. قال رحمه الله: «والعاجز عن الفاتحة في هذا كله يأتي ببدلها، فيقرأ بقدرها من غيرها من القرآن، فإن لم يحسن أتى بقدرها من الأذكار كالتسبيح والتهليل ونحوهما، فإن لم يحسن شيئًا وقف بقدر الفاتحة ثم يركع». والله أعلم، الراجح في هذه المسألة أن من لم يحفظ الفاتحة فليقرأ ما تيسر منها، لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة للحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، والفاتحة سبع آيات، فإذا لم يقدر على قراءة الآيات السبع فيقرأ ما تيسر من هذه السبع، ويعلم ما تيسر من هذه السبع. يقول: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم. إذا كان هناك شيخ كبير أو امرأة عجوز ما تحسن القراءة ولا تستطيع أن تحفظ الفاتحة، أو إنسان فيه شيء من القصور في الفهم والحفظ، فيلقن ولو آية أو آيتين: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. إذا استطاع يأتي بالثلاث، الحمد لله، ما استطاع يأتي ولو بآية واحدة. ما هو الدليل؟ قوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». بارك الله فيكم. تنبهوا يا إخواني، أنت يا صاحب السارية... هو ما يزعجنا الكلام، لكن نحب من إخواننا وأبنائنا أن يتآدبوا بآداب مجالس العلم. طيب، يا صاحب السارية، أهلا، رحمه الله. نعم، بالنسبة للحديث أنه يسبح ويحمد، هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلذلك الذي لا يستطيع أن يقرأ شيئًا من الفاتحة فليقرأ ما تيسر من القرآن، لقول الله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». فالذي لا يستطيع أن يقرأ شيئًا من الفاتحة ويستطيع أن يقرأ شيئًا من القرآن فهذا هو البديل، لكن لا يشترط أن يكون سبع آيات كما ذكر المصنف، وليست هناك سنة، وليست هناك دليل على أنه يسكت بقدر قراءة السبع الآيات، هذا أيضًا لا دليل عليه، هذا لا دليل عليه. قال رحمه الله: «فصل: لا بأس بالجمع بين سور في ركعة واحدة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهم». هنا تعليق: «يقرن» بضم الراء على اللغة الفصيحة، وفي لغة بكسرها: «يقرن»، «يقرن»، «يقرن» بضم الراء على اللغة الفصيحة، وفي لغة بكسرها «يقرن». قال: «فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، كل سورتين في ركعة». هذا في البخاري ومسلم. وهنا تعليق: قال الحافظ في الفتح: «أي السور المتماثلة النظائر، أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص، للمتماثلة في عدد الآي». قالوا: «قد قدمنا عن جماعة من السلف قراءة ختمة في ركعة». هذا الحديث حديث ابن مسعود، وأيضًا حديث أنس وعائشة في شأن الرجل الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم القراءة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. حديث ابن مسعود، وأنس، وعائشة فيها دلالة على جواز قراءة السور في الركعة الواحدة، هذا جائز. بل نقل البيهقي في مناقب الشافعي عن الشافعي أنه استحب ذلك، ونازع بعضهم وقال: هذا في النفل دون الفرض. لكن كما هو معلوم: ما جاز في النفل الأصل أنه يجوز في الفرض، وحديث أنس وعائشة في شأن الفرض، فهذا هو الراجح: أنه لا بأس بقراءة السورتين والثلاث والأربع في الركعة الواحدة. قال رحمه الله: «فصل: أجمع المسلمون على استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الصبح والجمعة والعيدين والأوليين من المغرب والعشاء، وفي صلاة التراويح والوتر عقبها، وهذا مستحب للإمام والمنفرد بما ينفرد به منها». هذه الصلوات محل إجماع، مشروعية هذه الصلوات الجهر فيها محل إجماع: الصبح، والجمعة، والعيدين، والأوليين من المغرب والعشاء، وصلاة التراويح والوتر. قال: «وهذا مستحب للإمام والمنفرد بما ينفرد به منها». قالوا: «أما المأموم فلا يجهر بالإجماع، بل يكره له الجهر». لحديث عمران بن حسين أن رجلًا جهر في صلاة الظهر مرة، وقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء الصلاة: «أيكم القارئ؟» أو «أيكم قرأ؟» فقال: أنا يا رسول الله، قال: «فإني أظن أنازع القرآن» أو بهذا المعنى، فهو مكروه، أقل أحواله أنه مكروه. قالوا: «يسن الجهر في صلاة كسوف القمر، ولا يجهر في كسوف الشمس». لا، الراجح أنه أيضًا يجهر في كسوف الشمس، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءته. قال رحمه الله: «ويجهر في الاستسقاء، ولا يجهر في الجنازة إذا صليت بالنهار، وكذا بالليل على المذهب الصحيح المختار». أما في الاستسقاء فلحديث عبد الله بن زيد: «ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة»، وهو في الصحيحين. وأما صلاة الجنازة: نعم هي صلاة سرية، إلا إذا كان لمصلحة فيجهر، كما جهر ابن عباس وقال: «لتعلموا أنها سنة». جهر بقراءة الفاتحة. قالوا: «لا يجهر في نوافل النهار غير ما ذكرناه من العيدين والاستسقاء». نوافل النهار والرواتب لا يجهر فيها، قال: «إلا الاستسقاء». نعم، صلاة الاستسقاء سنة ويجهر بالقراءة فيها. وأما صلاة العيد فالراجح أنها واجبة. قالوا: «اختلف أصحابنا في نوافل الليل، فالأظهر أنه لا يجهر، والثاني يجهر، والثالث وهو اختيار البغوي: يقر بين الجهر والإسرار». والراجح أنه يسر في نوافل الليل والنهار. قال: «ولو فاتته صلاة بالليل فقضاها بالنهار، أو بالنهار فقضاها بالليل، فهل يعتبر في الجهر والإسرار وقت الفوات أم وقت القضاء؟ قال في وجهين لأصحابنا، أظهرهما الاعتبار بوقت القضاء». لا، الراجح أن الاعتبار بوقت الفوات، لحديث أبي قتادة في نومه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر، ففيه أنه صلاها كما يصليها في كل يوم، يعني أنه جهر. وأما إذا فاتته صلاة الليل فصلاها بالليل، أو فاتته صلاة النهار فصلاها بالنهار، فهذا لا خلاف أنه يجهر في الصلاة الليلية، وأنه يسر في الصلاة النهارية. فإن الإنسان مثلًا نام عن صلاة العشاء أو نسي صلاة العشاء ولم يذكرها إلا في الليلة التي بعدها، تذكر أنه بالأمس لم يصل العشاء، هذا واضح أنه يجهر بالقراءة لأنها صلاة ليلية يصليها في وقت الليل. وهكذا لو تذكر في هذا الوقت العصر أنه لم يصل صلاة العصر بالأمس، فأيضًا هذا يسر، ولا خلاف في هذا. لكن الخلاف في العكس: إذا نسي صلاة الليلية وتذكرها بالنهار، أو بالنهار وتذكرها بالليل. صلاة النهار إلى آخر... قال رحمه الله: «ولو جهر في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر، فصلاته صحيحة لكنه ارتكب المكروه، ولا يسجد لسهو». نعم، لأن الجهر بما يجهر به والإسرار بما يسر به هذا سنة، وليس بواجب، ولا تبطل به الصلاة، ولا تلزم على وجه. قالوا: «اعلم أن الإسرار في القراءة والتكبيرات وغيرهما من الأذكار هو أن يقوله بحيث يسمع نفسه، هذا هو الإسرار، ولا بد من نطقه بحيث يسمع نفسه إذا كانت صحيح السمع ولا عارض له، فإن لم يسمع لم تصح قراءته ولا غيرها من الأذكار بلا خلاف». يعني ليس معنا الإسرار أنه يجري القرآن على قلبه أو أنه يجري الأذكار على قلبه، لا. الإسرار أقل شيء أنه يسمع نفسه ويحرك لسانه. وأما الجهر فهو أن يسمع من يليه، أدنى الجهر أن يسمع من يليه، ومنتهاه أن يسمع من خلفه. قال رحمه الله: «فصل: قال أصحابنا: يستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات في حال القيام: إحداها بعد تكبيرة الإحرام ليقرأ دعاء الافتتاح، وليحرم المأمومون». ودليل حديث أبي هريرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر سكت، فقلت: يا رسول الله، ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي...» الحديث. فهذا الموضع، وهو أن الإمام إذا قال الله أكبر يسكت حتى يأتي بدعاء الاستفتاح، هذا ثابت بالصحيحين. الثانية: عقب الفاتحة، سكتة لطيفة جدًا بين آخر الفاتحة وبين آمين، لألا يتوهم أن آمين من الفاتحة. هذه السكتة لا دليل عليها، بل أنكرها جمهور العلماء لعدم الدليل. الثالثة: بعد آمين، سكتة طويلة بحيث يقرأ المأمومون الفاتحة. هذه الثالثة والرابعة سيأتي دليلها. قال: «والرابعة بعد الفراغ من السورة، يفصل فيها بين القراءة وبين تكبيرة الهوي إلى الركوع». بالنسبة للثالثة والرابعة استدلوا بحديث سمرة وعمران بن حسين، وفيهما السكوت بعد التأمين والسكوت بعد الفراغ من القراءة كلها، والحديث ضعيف لا يصح من طريقي الحسن عن سمرة، والحسن عن عمران وهو لم يسمع من عمران، وإن كان سمع من سمرة في الجملة لكنه مدلس وقد عنعن، فالحديث لا يصح. فهذه السكتات الثلاث غير الأولى، هذه كلها لا دليل عليها ولا تشرع لعدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، والحمد لله.