الحث على طلب العلم

المحاضرة بعنوان الحث على طلب العلم، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 20 جمادى الأولى 1443هـ الموافق 24 ديسمبر 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل المجالس العلمية وتخفيف معاناة الناس

يُثني الخطيب على مجالس العلم ويبين أهمية العمل على تخفيف معاناة الناس. كما يحذر من جعل الرخاء المادي هدفًا رئيسيًا للمسلم.

الفرح بالدين وتمييزه عن الفرح بالدنيا

ينبغي للمسلم أن يفرح بدينه أكثر من فرحه بالرخاء المادي، وأن يتجنب المشاركة في أعياد الكفار. الفرح الحقيقي يكون بنصر الله لدينه.

أهمية العلم النافع في مواجهة الفتن

العلم النافع يحفظ المسلم في نفسه وأهله ومجتمعه، ويميز بين النافع والضار. البعد عن العلم هو أحد أسباب التمسك بالباطل والتساقط في الفتن.

العلم النافع والثبات على الدين

العلم النافع يورث اليقين والثبات على الدين، ويعتبر حصناً حصيناً للمسلم ضد الفتن. يأتي هذا العلم من قراءة كتاب الله وسنة النبي.

  • 26 جمادى الأولى 1443هـ - 30/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنحمد الله عز وجل إذ وفقنا لمثل هذا المجلس الطيب المبارك. وإن منافع وثمار هذه المجالس عظيمة وجليلة. يقول سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: «الدنيا كلها جهل إلا العلم فيها، والعلم فيها كله وبال إلا العمل به، والعمل به كله هباء منثور إلا الإخلاص فيه، والإخلاص فيه أنت منه على وجل، أتعلم أقبل منك أم لا؟». فهذه المجالس فيها العلم، وفيها العمل، وفيها الدعوة إلى الإخلاص فيهما. هذه المجالس، عباد الله، عصمة من الفتن. يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «وإذا عمت الفتن اشتغلت القلوب، فإذا تعبد متعبد حينئذ دل على قوة اشتغال قلبه بالله عز وجل، فيكثر أجره». وهذا مقتبس من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». فهذه المجالس مجالس علم، ومجالس اشتغال بالعبادة، من ذكر الله، ومن صلاح القلوب، ومن زكاة النفوس، وغير ذلك من المنافع والفوائد الكثيرة العظيمة، لا سيما إذا توجت هذه المجالس بشيخ من مشايخ السنة، أو بعالم من علمائها، فإنه لا شك يكون أعظم نفعًا وأكثر بركة. والبركة مع أكابركم. وإنه في صباح هذا اليوم نزل في داره، وبين آبائه وطلابه، شيخنا الفاضل أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، حفظه الله تعالى ورعاه. فنرحب به، ونقول له: أهلًا وسهلًا ومرحبًا، وجزاك الله خيرًا على تعهد طلابك وإخوانك. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في جهدكم، وفي علمكم. ﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا﴾. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه وتعالى على نعمه الكثيرة، وآلائه العظيمة التي لا تُعد ولا تُحصى. من ذلكم ما أنعم به علينا من نعمة الإيمان، وأن جعلنا من أهل الإسلام، ومن المقتفين لمنهج خير الأنام، عليه الصلاة والسلام. فلله الحمد حمدًا من بعد حمد. وهكذا نحمده جل في علاه على ما يسر به بمثل هذا المقام، من مقام العلم، بحضور مجلس مبارك من المجالس التي يجمعنا فيها: قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام، نتذاكر وإياكم ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا. فجزى الله خيرًا كل من أعان وأسهم في مثل هذه اللقاءات المباركة، ولمثل هذه المجالس الفاضلة، سواء كان بمشاركته، أو إلقائه، أو ما كان بتسجيله وتقييده، أو ما كان من نشره وإعلانه، أو ما كان من كان بحضوره وجلوسه. فإن من اتصل بهذا الأمر لن يُعدم من خير. والأمر كما جاء في الحديث: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». وإننا نحمد الله جل في علاه أيضًا، في هذه الليلة، ما كان من زيارة شيخنا ووالدنا ومربينا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، حفظه الله تعالى ورعاه، وحقق ربي مراميه ومسعاه، وبارك الله في دربه وخطاه، وشافاه الله وعافاه. إخواني في الله، إن كان من حديث معكم في هذا المقام، فوسيتعلق على ما نراه ونسمعه في هذه الأيام، مما درج على ألسنة كثير من العوام، ما يتعلق بتعافي العملة المحلية من الانهيار، وكيف أن ذلك ألقى بظلاله على تحسين معيشة العباد، وذلك بانتعاش الاقتصاد، وبدبيب الحركة في أرجاء البلاد. وإننا، عباد الله، لنحمد الله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على تيسيره سبحانه وتعالى. فالفضل فضله، سبحانه وتعالى، فهو مغير الأحوال، وهو موزع الأرزاق، وهو الميسر لشؤون العباد. قل: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير». يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فالغلاء بارتفاع الأسعار، والرخص بانخفاضها، هما من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله وحده، التي لا خالق لها إلا الله وحده، فلا يقع منها الشيء إلا بمشيئته وقدرته». انتهى كلامه رحمه الله. فالكون كونه، والملك ملكه، والخلق عبيده، والخزائن بيده، يرزق من يشاء كيف شاء، جل في علاه. وإن من هذا الباب أيضًا، إن شكرنا بعد شكر الله، لموصول لكل من أعان وأسهم في رفع الكلفة والمشقة، وأعان على رفع معاناة الناس، سواء كان من الراعي أو من الرعية، أو كان من شركات ومؤسسات، أو كان من أفراد ولجان، أو كان من أشخاص وأعيان. فإن هذا الفعل والصنيع، أي التخفيف من أعباء الأنام، ليعد من أعظم الأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا». هذه من أحب الأعمال إلى الله. وإن الله سبحانه وتعالى ليجاز العبد من جنس ما يتعامل به العبد مع الخلق. قال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». إخواني في الله، وإني أحب في هذا المقام لأنبه على تنبيهين، ونحن في غمار فرحة الناس بما يشهدون ويشاهدون من تحسن في الأحوال والأوضاع. التنبيه الأول: عليك أن تعلم، يا عبد الله، ما كان من تحسن في معيشة العباد، لا تجعله هو همك ومقصدك، وهي غايتك ومآلك. لا تفعل ذلك. من المؤسف ما كان بالأمس، عندما تردت الأوضاع، وغلت الأسعار، كان من حال بعض الناس - ما عرفناه - إلا أنه كان سبابًا شتامًا متذمرًا متصخطًا هلعًا جزعًا خائفًا قلقًا. فلما تحسنت الأوضاع، إذ به لان واستكان، وفرح واستبشر. هذا خلق من؟ هذا وصف من؟ وصف ربنا جل وعلا، في آمن من الناس، من ضعاف الإيمان، بقوله جل في علاه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. ﴿مِنْهُمْ مَنْ إِذَا أُعْطِيَ رِضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. إن أعطي من الدنيا رضي وفرح، وإن لم يعط تصخط وتذمر. وإلى هذا أشار نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح البخاري، بقوله: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». هذا حال من؟ عبد الدينار والدرهم. لا يكون هذا حالك، يا عبد الله. إن تحسنت الأوضاع فرحت واستبشرت، وإن انتكست الأحوال تصخط وتذمرت. بل إن العبد المؤمن ينبغي أن يكون في كل أموره، وفي كل أحواله وشؤونه، حامدًا شاكرًا لله جل في علاه. وعلى هذا كان حال نبينا، صلوات ربي وسلامه عليه. كما قالت عائشة: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال». ما خرج أبدًا عن نطاق الحمد أبدًا. فالرب جل في علاه يحمد، يحمد على نعمه وعطائه، وعلى آلائه ونعمائه، ويحمد أيضًا جل في علاه على أخذه ومنعه. فهو يحمد على كل حال. ما عندي تسخط، ما عندي تذمر، ما عندي سب أو شتم أو لعن. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام وصف أحوال الصالحين ممن كانوا قبلنا، بلغ منهم الإيمان مبلغًا، لدرجة الفرح بما يكرهون وبما يضرهم، لشدة تسليمهم واستسلامهم لقضاء الله وقدره. كما قال عليه الصلاة والسلام حاكيًا عنهم: «وإن كان أحدهم لا يفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». هذا أحوال السالفين من عباد الله الصالحين. التنبيه الثاني، إخواني في الله، والذي أحب أن أنبه عليه، ونحن في غمار ما نرى من فرحة الناس بهذا التحسن الذي حل في البلاد، أن لا تظن، يا عبد الله، أن هذا هو الفرح الأكبر. لا، بل إن هناك فرحًا أعظم من هذا الفرح، ينبغي أن تتداع له الهمم، وأن تبذل له الأموال، وتصرف له الأعمال والأعمار. وهو الفرح بالدين، الفرح بالإسلام، وبالقيام بأركانه وطاعاته. هذا هو الفرح، يا عبد الله، الأكبر. قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. تنوعت كلمات العلماء من المفسرين في بيان قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾. قالوا: فضل الله: القرآن، وبرحمته: دينه وشريعته. وإنما وصفت بالرحمة؛ لأن الدين والشريعة قائم على الرحمة، مبني على اليسر. فأمر الله جل وعلا بالفرح بالفرح بكتابه، وبدينه، وشريعته. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. مهما جمعت من أموال، من دنانير ودراهم، ليس بشيء أمام الفرح بدين الله. ولهذا أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه خرج إلى إبل الصدقة، ومعه غلام له. فلما قام عمر بعبد الإبل حمد الله، فقال: «الحمد لله». فقال الغلام: «هذا والله من فضل الله ورحمته». قال عمر: «كذبت، كذبت». قال: «هذا مما تجمعون». وذكر هذه الآية: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فجعل الأموال والإبل والحرث مما نجمع. وأما فضل الله ورحمته، ودينه وشريعته، فما أن الفرح، يا عبد الله، ألا وإن من الفرح بدين الله جل في علاه، أن تفرح، يا عبد الله، إن يسأل الله لك بأن تكون مؤديًا للطاعات والعبادات، للفرائض والواجبات. إن يسأل الله لك بأداء فريضة، بأداء واجب، بأداء ركن. فاحمد الله وفرح، وحق لك أن تفرح بهذا. قال عليه الصلاة والسلام لصائم: «فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». فرحة عند فطره: تحمد الله وتفرح وتستبشر بأن الله يسار وأعان على أداء فريضة الصيام. وهكذا قس إن جعلك الله جل وعلا مؤديًا للصلاة، مزكية، حاجًا أو معتمرًا، واصًا لأرحامك، متصدقًا، محسنًا للضعفاء، للمساكين والأرامل. فما من عبادة أديتها، إلا حق لك أن تفرح فرحة حمد وشكر، بأن الله يسر لك ذلك. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. وإن من الفرح بالدين أيضًا، الفرح، يا عبد الله، بأن يجعلك الله جل وعلا مستقيمًا على دينه، بأن جعلك على صراط المستقيم، وعلى منهج قويم. ينبغي أن يمتلئ قلبك فرحًا وطربًا، أن اصطفاك واجتباك، وجعلك على هذا المنهاج المبين، من بين الخلائق أجمعين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. هذه البشارة تستبشر بها، يا عبد الله، وتفرح بها، إذا كنت من أهل الاستقامة والاستجابة. وهذه البشارة ليست فقط مناطة بأن تبشر بالجنة في الآخرة، بل البشارة معجلة، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. لا تبديل لكلمات الله. البشارة في الدنيا، لمن كان آمن واتقى، واستمر على هذا المنوال. وهذه حقيقة الاستقامة: لزوم الطاعة، والدوام عليها. هذه حقيقة الاستقامة. فلك البشارة، يا عبد الله. قال العلماء: البشارة في الدنيا بما تجده من تهيئة الأمور والظروف، وتحسين الأحوال، والرؤيا الصالحة، ومن الثناء الحسن العطر على ألسنة الناس، وما تشعر به من هدوء القلب، وسكينة النفس، وراحة البال. هذا الذي تفرح من أجله. فالمستقيم، إخواني في الله، يفرح باستقامته، ولو كان على فقر، ولو كان على ضيق، ولو كان على شدة. المستقيم يفرح باستقامته، ولو كان على مرض، ولو كان على علة. المستقيم يفرح باستقامته، ولو كان على خلاف ما كان عليه قومه من عادات وتقاليد. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. امض، يا عبد الله، واستبشر، ولا يضرك من خلفك، ولا تبالي من عاداك. مثاله ما نحن بصدد في مثل هذه الأيام، من يوم غد: الخامس والعشرين من ديسمبر، عيد الكريسمس عند النصارى، يحتفلون بمولد إلههم - تعالى الله - ابن الله، كما يزعمون، فيحتفلون. فهو عيد يمجدونه ويقدسونه ويعظمونه، ويرفعون فيه الصلبان. فما لنا نرى جماعات من المسلمين يحتفلون بأعياد الكافرين؟ ما لنا ولأعيادهم؟ أتراهم يحتفلون بأعيادنا؟ لا والله، لا يبال بغيد الأضحى، ولا بغيد الفطر، لا يفعلون رأسًا، ولا يلقون بالًا بأعيادنا. فعلى ما نحن نلقب بأنفسنا بأعيادهم، بالإشادة، بالإشارة، بالتصفيق، بالتطريب، بالاحتفال والاحتفاء؟ لماذا؟ ألهم الدنيا أم علينا؟ ألنا العزة أم لهم؟ نحتفل، عباد الله، بعيد جاهلي كفري. ما يجوز هذا. حتى التهنئة لا يجوز. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «ولا يجوز التهنئة بما هو من خصائص الكفار، كالتهنئة لأعيادهم، كقولهم: عيد مبارك عليكم». قال: «فهذا حرام بالاتفاق، بالإجماع». ثم يأتي مخذول ممن ينتسب للفكر وللدعوة، ويقول: «بلنا رأيهم مستحبة». حرام بالاتفاق، لا يجوز التهنئة في مثل هذه الأيام القادمة بأعياد النصارى. ثم أخيرًا، إخواني في الله، ومن الفرح أيضًا بالدين، الفرح بانتشار الإسلام، الفرح بانتشار الإسلام والدين في جميع المواطن والميادين. المسلم يفرح عندما يرى راية الإسلام ترفرف عالية مستعلية على كل الرايات، مترفعة عن جميع الأنظمة والتيارات. تفرح هذا هو الفرح، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾. فرح المؤمن إنما يتعلق بنصر الله. متى ما نصر الله دينه يفرح، بأن تكون العاقبة لأهل الإيمان، والغلبة لمعسكر أهل الإسلام. وإن الحزن والعار يكون لأهل الكفر والكفار. وإننا والله لفي هذه البلاد لكم نسعد ونفرح، عندما نسمع بتلكم الانتصارات الساحقة، وتلكم الضربات المتلاحقة على رؤوس أعداء الدين من الرافضة. وكيف لا نفرح بهزيمتهم وبإبادتهم؟ وهم السباب والشتام لأزواج رسول الله وصحبه الكرام، وهم المحرفة لكتاب الله القرآن. وهم الذين أباحوا دماء الذين استباحوا أهل الإسلام، باستباحتهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم. بل هم والله في الحقيقة هم شؤم على أهل الأوطان. ما وطأوا أرضًا، وما دخلوا قطرًا، وما دخلوا وطنًا، إلا ودب فيه الفقر والظلم والاستبداد والفساد. فمثل هؤلاء لا بقاء لهم، بل هم شؤم، شؤم على الناس في دينهم ودنياهم. إخواني في الله، هذه مشاركة أحببت أن أتكلم بها بين يدي شيخنا أبي عبد الرحمن، حفظه الله تعالى ورعاه. وإنما فعلت ذلك حبًا وطلبًا ورغبة، استجابة لما أراده، رعاه الله. وإن شاء ستكون له الكلمة. وكذلك نشعر الأخوة، إن شاء الله، إذا يسر الله بوقت بعد كلمة الشيخ، ستكون هناك أسئلة، إن طرحت على الشيخ، سيجيب عليها، حفظه الله تعالى ورعاه. فلتفضل الشيخ، حفظه الله ورعاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله. حلما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بمثل هذه المجالس الطيبة المباركة، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا بإذن الله تعالى على العمل الصالح. وهذه نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل، خصوصًا في مثل هذا الزمان، وقد صرف الناس بأنواع الفتن والمحن. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يعطي نعم الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وأما نعم الدين فإنما يخص من يحب سبحانه وتعالى من خاصة عباده. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا فضله، وأن لا يمنعنا رحمته، وأن يحفظنا بحفظه، ويدفع عنا وعنكم وعن سائر المسلمين الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن. كما نحمده سبحانه أيضًا أن يسر لنا مثل هذه المراكز الطيبة المباركة، التي نستعين بها بعد عون الله عز وجل على حفظ أنفسنا وأبنائنا، وكذلك أهالينا ومجتمعنا، من أنواع الفتن والمحن التي تبتل بها المجتمعات. ولا عاصمة بعد عصمة الله عز وجل بمثل العصمة بالعلم النافع، وكذلك العمل الصالح، والرفقة الصالحة، والمكان الصالح الذي يعينك على حفظ نفسك، وحفظ دينك، وحفظ أسرتك، من أنواع الفتن والمحن التي يبتل بها الناس. وأنتم ترون أيها الأحبة، وأنتم ترون بأعينكم كيف يمتحن الناس بأنواع الفتن والمحن، بما كان سببًا في صرفهم، وكذلك بعدهم عن طريق الخير. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنا وعن المسلمين البلاء والوباء، وكل شر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنا كل ذلك. أيها الأحبة، إن من أعظم ما ينبغي أن يعتني به المسلم في مثل هذا الزمان، وقد تكاثرت الفتن والمحن، أن يقبل على الله سبحانه وتعالى بأخذ الزاد الحقيقي الذي تكون به قوته، وتكون به أيضًا صلابته في مواجهة هذه الفتن والمحن. ومن أعظم هذه الأسباب التي تعين على ذلك، أن يحرص على العلم النافع. فالعلم النافع، أيها الأحبة، مهما تكلمنا فيه، وفي فضائله، فلن نحصي ما فيه من فضائل. فهو ذو فضائل كثيرة، ومنافع عديدة. ومن أعظم فضائله ومنافعه أنه حصن حصين يحفظك، يا أيها المسلم، في نفسك، وفي أهلك، وفي ولدك، وفي مجتمعك، من أنواع الفتن والمحن التي يبتلى بها الناس. لأنك بنور العلم تميز بين النافع والضار، وبنور العلم تميز بين الطيب من الخبيث، وبنور العلم تميز بين طريق الاستقامة من طريق الإعوجاج والانحراف. وبنور العلم تعرف طريق الأنبياء الصديقين والشهداء والصالحين، وما كانوا عليه. فإنك بالعلم ترى وتسمع وتقرأ ما كان عليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وما كان عليه أتباعهم، أتباعهم إم من اتباعهم بإحسان: من الصحابة والتابعين، وأتباع التابعين، وإئمة الدين، وصحابيح الدجا، الذين نفع الله عز وجل بهم العباد والبلاد. فيكون ذلك عونًا لك أن يثبتك في مواضع الشدة، أن تصبر كما صبروا. وكذلك يكون عونًا لك أن تثبت كما ثبتوا. وأن يكون عونًا لك أيضًا أن تدفع تلك الشبهات، وتصبر مع ما يمر عليك من الشهوات. لأن لك فيما قرأت وسمعت، وكذلك وقفت من طريق العلم وأهله، ما يعينك على هذا الثبات، وما يعينك على ذلكم الصبر، وما يعينك أيضًا على ذلكم التميز، ألا تكون كحال الكثير من الناس: هو واحد من الناس، كما يقول بعضهم: «إنما أنا واحد من قومي، إن أحسن أحسنت معهم، وإن أساء أسأت معهم». وليست هذه طريقة الأنبياء وأتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام صبروا، وثبتوا على الحق، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي النبي ومعه الرجل، ويأتي النبي ومعه الرجلان والرهط، ويأتي النبي وليس معه أحد». ومع ذلك ما منع ذلك هذا النبي أن يثبت على ما بعثه الله عز وجل به. وهكذا، هذا ماذا يعطيك، يا أيها المسلم، يا أيها السني، يا أيها السلفي، أن تثبت على الحق الذي علمته من دين الله سبحانه وتعالى، أن تكون ثابتًا، وكذلك صلبًا في دينك، أشد من ثبوت الجبال الراسيات. لأن الحق إذا دخل قلبك، فإنك ستكون في تمسك عظيم به، واعتزاز كبير به. ما يدفعك ألا تغيرك الفتن والمحن مهما كبرت. وهذا هو الفرق بين من وفقه الله لطريق العلم والإيمان والسنة، ومعرفة طريق السلف. فإنه يعتز بالحق الذي وفقه الله له، يفرح كما سمعتم في كلمة أخينا شيخ بهاشم حفظه الله: الفرح الحقيقي هو بنعمة الله عز وجل: نعمة الإيمان والإسلام، وتمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، نعمة الطاعة، نعمة أيضًا الحرص على طريق الاستقامة، وغيرها من معاني فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته. كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. هذا هو الفرح الحقيقي، وهذا هو الاقتضاء الذي يقتدي به من وفقه الله سبحانه وتعالى للخير. لكن لو تأملنا في حال الكثير من الناس، ما هو السبب الذي جعلهم يزهدون في التمسك بالحق، ويجعلهم كذلك سرعان ما يتساقطون في الباطل، وأن يكونوا حقب الفتن، ما ظهر منها وما بطن؟ إن من أعظم الأسباب هو البعد عن العلم، والبعد عن أهله، والبعد عن معرفة حملته وحالهم وسيرتهم، وكذلك قصصهم. ولهذا كان من حكمة الله عز وجل أنه لم يدع الناس هملًا، ولم يتركهم سبهللا. بل أرسل لهم رسلا يثبتونهم، ويرشدونهم، ويعلمونهم، ويكون في نصائحهم ودعوتهم، وسيرتهم ومواقفهم، ما يعين على تثبيت الناس على الحق. وهكذا أيضًا أرسل كتبًا سبحانه وتعالى، ليقرأ الناس في كتاب الله عز وجل، فيتأملون من الأحكام والأخبار، وكذلك الوصايا، ما يعينهم على الثبات على دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك أنت تجد الفرق بين إنسان يقرأ في كتاب الله عز وجل، وهذا من العلم، ويقرأ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من العلم. يقرأ في أخبار وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، التي أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. ويقرأ من سيرة الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين. كيف يكون حاله في قوة إيمانه، وفي ثباته على الحق، واعتزازه به؟ لا شك أن هذا سيعينه عونًا عظيمًا أن يثبت، ثبوتًا أعظم من ثبوت الجبال. وهذا هو ما سبقت الإشارة إليه: أن العلم النافع حقيقة حصن حصين يتحصن به المسلم من أنواع الفتن، ما ظهر منها وما بطن. أنت حين تقرأ قول الله عز وجل تتأمل وتتدبر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. هذا في تلاوة تتلوها وأنت جالس وقاعد. فكيف إذا تدبرت أحكام الله، وتأملت في ما أخبرك الله عز وجل من قصص الأنبياء؟ والله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. أولي الألباب يعتبرون من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخبارهم. حين تسمع ما وقع لنبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وما وقع لنبي الله نوح عليه الصلاة والسلام، وهكذا نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، وعيسى عليه الصلاة والسلام، وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أولي العزم من الرسل، وغيرهم من الأنبياء والرسل. ماذا يكون هذا؟ ألا يوقع في قلبك من الاعتبار والاتعاظ، فيما وقع لهم من محن وفتن، وكيف ثبتوا وصبروا، فنصرهم الله، وكانت العاقبة لأهل التقوى؟ ولذلك من وفقه الله لطريق العلم، أورثه الله عز وجل يقينًا، وبردًا وسلامًا، لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. لأنه عنده علم اليقين أن العاقبة لمن؟ لأهل التقوى. لا والله، لن يخلف الله عز وجل وعده، لا والله، لن يخذل الله عز وجل جنده. هذه سنة الله سبحانه وتعالى الشرعية، التي أخبرنا الله بها في كتابه. انظروا من لدن آدم عليه الصلاة والسلام. نحن قرأنا قصة آدم: كيف امتحن وابتلي، ثم تجاوز الله عنه وأكرمه. وكيف كان قصص الأنبياء من بعده؟ قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن بعده. فكل هذا يورث في قلبك اليقين أن العاقبة للمتقين، وأن الله عز وجل بإذن الله ناصر عباده المؤمنين. ولذلك إذا جاءت فتنة أو محنة، واشتد ما اشتد فيهم، فإننا على يقين أن العاقبة لأهل التقوى، وأن النصر بإذن الله سبحانه وتعالى لأهل الحق وأهل الإيمان. وهذه هي سنة الله سبحانه وتعالى في الامتحان وفي الابتلاء. كم مر على تاريخ الأرض مما كان من صراع بين أهل الحق وأهل الباطل؟ صراع شديد، وامتحان شديد. ولكن العاقبة كانت لمن؟ كانت العاقبة بفضل الله سبحانه وتعالى لأهل التقوى. نوح عليه الصلاة والسلام دعا قومه، وهم يؤذونه ويؤذون من معه، ألف سنة إلا كم؟ إلا خمسين عامًا. مدة طويلة وكثيرة. ومع ذلك صبر عليه الصلاة والسلام. فماذا كانت العاقبة؟ بعد أن علم الله سبحانه وتعالى صدق نبيه ومن معه؟ نجاه الله عز وجل بسفينة، وأغرق كل من عاداه. وهكذا أيضًا نبينا عليه الصلاة والسلام. كم قعد مدة وهو في أذية من كفار قريش، وأصحابه يعذبون ويقتل من يقتل منهم، ويتشرد من يتشرد منهم في تلك الفترة؟ هل كانت محنة أم لم تكن محنة؟ لا شك كانت محنة عظيمة. حتى جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قتل منهم من قتل، وعذب منهم من عذب، وشرد من