الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 29، الدرس التاسع والعشرون : (وأنه يجيء يوم الفصل ... كما يشاء للقضاء العدل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أثبت الشيخ صفة المجيء لله عز وجل مستندا إلى أدلة الكتاب والسنة، ورفض تأويل المجيء إلى معان أخرى. اللفظ القرآني يدل على حقيقة المجيء بمؤكدات لغوية وبلاغية.
يتم الرد على من ينفي صفة المجيء لله تعالى بأن نفس المنطق الذي يستخدمونه لنفي صفة الغضب يمكن تطبيقه على نفي المجيء. كما يتم الاستشهاد بآيات قرآنية أخرى تؤكد صفة المجيء والإتيان لله تعالى.
المقطع يشرح معاني المجيء والإتيان لله عز وجل كما وردت في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبين أن الأدلة تثبت هذه الصفات لله على ما يليق بجلاله وعظمته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وأنه يجيء يوم القصر كما يشاء للقضاء العبدية، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا البيت ليبين رحمه الله صفة المجيء لله عز وجل. فصفة المجيء قد جاء بإثباتها أدلة الكتاب والسنة. أما أدلة الكتاب، قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، والمجيء مجيء حقيقي على ما نفهم في اللغة، يليق بجلال الله وعظمته. وأما تأويل من أول لأنه مجيء الرحمة أو مجيء القوة أو نحو ذلك، هو تأويل باطل. أولا لأنه مخالف للنص، وقد دلت النصوص الشرعية على إثبات المجيء. وثانيا أنه تحكم في غير موضع تحكم، فإنهم يذكرون شيئا من دون مرجح ولا قرينة، مع أن من شروط المجاز أن يصرف اللفظ عن ظاهره بقرينة دلت عليه. هذا إذا تنزلنا وقلنا أن المجاز له وجود، مع أن الحقيقة أن المجاز لا وجود له لا بالشرع ولا باللغة. فلو تنزلنا وقلنا لما قالوا أنه هناك شيء يسمى مجاز، نقول أن من قال بالمجاز فتحرك شروطه، فلابد للمجاز من قرينة وعلاقة. فالقرينة هي الشيء الصارف، والعلاقة والمعنى الجامع، ولا وجود لهما في هذا الموضع. فما هي القرينة الصارفة وما هي العلاقة الجامعة حتى يقال أن المجيء ليس هو المراد على ظاهره وإنما المراد الرحمة؟ لأنه قد يقول قائل بل المراد الغضب، لماذا الرحمة؟ وقد يقول آخر بل المراد القوة. فهم يرتضون هذه التفسيرات جميعا، لكنهم لا يرتضون أن يبقى على ظاهره. ويعلم بهذا أن هذا من الباطل. ويرد عليهم كذلك بأنه لو قيل بهذا التفسير لاستلزم من ذلك أن يلزموا أنفسهم لإثبات أصل الصفة. فإنهم سيقابلهم إذا أثبتتم الرحمة وأنتم بصفة الرحمة تنفون الرحمة، فالرحمة تنفونها بصفة الرحمة وتثبتونها في موضع المجيء، والقوة تثبتونها في موضع القوة وتثبتونها في موضع المجيء، والغضب تنفونه في موضع الغضب وتثبتونه في موضع المجيء، هذا تناقض. كيف تنفونه في موضع صفة الغضب وتقولون أن الله ينزع عن ذلك حتى لا يشاهده الخلق، وهنا تثبتونه؟ فإن قلتم هنا أثبتناه على ما يليق بجلال الله وعظمته، حيل لكم كذلك المجيء أثبتوه على ما يليق بجلال الله وعظمته، هذا هو الواجب. وهكذا يرد عليهم بأن اللفظ أولا جاء باللفظ العربي الواضح المبين الذي يدل على أن المجيء حقيقي. وأكد ذلك بمؤكدات، المؤكد الأول أنه عطف عليه من يكون المجيء في حقه حقيقيا، وهو مجيء الملائكة، فإنه قال جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا صَفًّا﴾، فعطف مجيء الملائكة على نفس العامل. ويقول أهل اللغة والبلاغة أن المتعاطفات إذا عطفت على عامل واحد، اكتسب أن يكون هذا العامل لهم جميعا. هذا كذلك لأنه لم يذكر عاملا للملائكة، فعلم أن عامل الملائكة هو نفس العامل، يعني الفعل. ويقول مجيء الملائكة حقيقي، فيلزم أن يكون مجيء الله عز وجل كذلك مجيء حقيقي. وأكد ذلك أن مجيء الملائكة مجيء حقيقي ليس مجيء معنويا، بماذا؟ بما بعد من قوله: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾، فهذا تأكيد لحقيقة اتصاف الملائكة بهذا المجيء. فهذه كلها مؤكدات. فكيف أيضا فضلا عن ذلك الأدلة الأخرى من الكتاب التي تثبت هذه الصفة، والأدلة الأخرى من السنة التي تثبت هذه الصفة. فمن الكتاب ما جاء معناه بصفة الإتيان، كما قال الله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿وَنُزِّلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، وكل هذا بعد ذكر الإتيان، فعلم بهذا أن النزول وأن المجيء وأن الإتيان كل ذلك حقيقي على ما يليق بجلال الله عز وجل وعظمته. وقد جاء كذلك بالصحيح من حديثه، بوريره ومعنى من حديثه بسعيد، بإثبات هذا المجيء لله عز وجل، كما ذكر في حديث الشفاعة الطويل، إذ ينتظر الناس على رصات يوم القيامة، فيأتيهم من رب جل وعلا الحديث. وقد ذكره الشارع مقولا، فيرجع إليه الشرف الشاهد من هذا أن هذه الأدلة كلها تثبت الإتيان والنزول والمجيء. فكيف يقال أن هذا اللفظ لم يرد أن الذي أريد شيء آخر؟ لا شك أن هذا من الباطل والمخالفة بالنصوص الشرعية. وهنا يأتي سؤال: هل هناك فرق بين المجيء والإتيان؟ نقول أن الأدلة جاءت بمعنى متقارب. ولكن عندنا في اللغة أن بينهما فرقا، لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فنحن نؤمن بالمجيء ونؤمن بالإتيان، ولهذا فرق بعض أهل العلم بينهما، وهو الأفصح وهو الأرجح. لماذا؟ لأنه فرق بينهما في الأدلة الشرعية. كما ذكر رحمه الله شيئا في كتاب الإبانة المتلمسية، فذكر صفة الإتيان وذكر صفة المجيء، ففرق بين المجيء والإتيان. والفرق بينهما شيء يسير، قيل أن المجيء هو الإتيان الذي يسبقه مقدماته، وأن الإتيان هو المجيء الذي لا يسبق بمقدماته. لا يسبق بمقدماته، ولهذا يكون المجيء مسبوقا بإتيان الملائكة ومنزلهم ونحو ذلك، والإتيان قد يكون كذلك وقد لا يكون كذلك. فإن كان فهو إتيان مجيء، وإن لم يكن فهو إتيان فقط، فهو إتيان فقط. وكل ذلك معنى ظاهر وواضح لا ينافي ما دلت عليه الأدلة الشرعية، ونثبتها على ما يليق بجلال الله وعظمته. ومعنى إيراد المؤلف رحمه الله للمجيء بهذا الموضع، أن من معاني المجيء النزول، لأنه جاء ببعض الأدلة ما يدل على ذلك، كما في الآية التي سمعتم: ﴿وَنُزِّلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، فمعنى ذلك أن الإتيان والمجيء يكون بنزول، الإتيان والمجيء يكون بنزول على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس بذلك شيء ما يقدح بكمال الرب جل وعلا وعظمته وتعاليه سبحانه وتعالى. هذا الذي ناسب أن يذكر بهذا البيت، وهذا القدر من الكلام، الحمد لله.