الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 61، الدرس الحادي والستون : (فانظر إليهم قد غلوا وزادوا ... لاسيما في هذه الأعصار). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن الغلو عند القبور ورفع البناء عليها، ويعتبر هذا الغلو من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الشرك. يُستشهد بأبيات الحافظ حكمي التي تصف تجاوزات العامة في بناء القبور وتشييدها.
نهى النبي ﷺ عن رفع القبور وتزيينها، وأمر بتسويتها، واستُشهد بأحاديث متعددة في النهي عن ذلك، مثل حديث علي وجابر وأبي الهياج. البناء على القبور يشمل كل أنواع البناء وتزيينها.
يفسر معاني البناء والزخرفة على القبور، ويبين أن العطف في النصوص يقتضي المغايرة بينهما. النهي عن هذه المظاهر يأتي سدًا لذريعة الافتتان بالقبور، ويرتبط انتشار عبادة القبور بمظاهر الشرك.
يختتم بالتأكيد على شكر الله وحمده، ويعبر عن الامتنان لله رب العالمين، ويُنهي الدروس السابقة بالتوجيه إلى شكر الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في الحافظ حافظ حكمي، رحمه الله تعالى، الذي قد وفق في هذه الأبيات في عرض عقيدة أهل السنة والجماعة في أبواب متفرقة. وكان آخر ما قد قرأناه ما يتعلق في الغلو الذي وقع فيه عباد القبور، وذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، أصنافًا من ذلكم الغلو، فنواصل من ذلك. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: «فانظر إليهم أدغلوا وزادوا ورفعوا بناءها وشادوا بالجص والآجر والأحجار، لاسيما في هذه العصار». أورد المؤلف، رحمه الله تعالى، هذين البيتين كذلك تتمة لما سبق في ذكر بعض ما يفعله العامة عند القبور من الشرط الصريح والغلو المفرط في الأموال. فقال، رحمه الله تعالى: «فانظر إليهم قد غلوا وزادوا». ويريد بذلك أن من صبر الغلو الذي قد نهينا عنه وقع فيه بعض العامة، مما هو فيه شرك شرك الأولين الغلو بهذه القبور، حيث رفعت البناء فيها، وحصل التشييد. قال «فانظر إليهم» أي هؤلاء العامة، ومن يهيجهم من أهل السوء، علماء السوء والضلال. «فانظر إليهم قد غلوا وزادوا». وقد مر معنا الغلو في الأبيات الماضية، وأن الغلو من أعظم الأسباب التي أوقعت الأمم بالشرك، كما وقع في قوم نوح، ومن بعدهم من الأمم. وقوله «وزادوا» يريد أنهم وقعوا في الغلو، وزادوا في هذا الغلو. والغلو كما مر معنا هو شيء يكون في القلب أولًا، ثم يظهر أثره بالقول أو الفعل، بالقول بالإطراء فوق الحد المشروع، أي المديح، وبالفعل كذلك ما يكون بما ينافي الشرح، مما فيه التعظيم المتجاوز للحد المشروع، كرفع الأبنية. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، أو كذلك وضع السطور والسرج، ونحو ذلك مما فيه مخالفة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، مما فيه غلو. قال «ورفعوا بناءها وشادوا» أي ورفعوا بناء القبور. وقد مر معنا على حديث الكثيرة في النهي عن رفع القبور، ففي حديث علي رضي الله تعالى عنه، بصيغ مسلم، قال: «ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ؟ ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا محوتها». فقوله «ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته» فهذا فيه أن النبي ﷺ كان يأمر بتسوية القبور. وهكذا في حديث جابر بن عبد الله، وفي حديث أبي الهياج الأسدي، وغيرها من الأحاديث التي سبقت، ومر الكلام عليه. وقوله «وشادوا» التشييد هو نوع من البناء، إلا أن هذا النوع من البناء، أي التشييد، يكون فيه شيء من الزخرفة، وكذلك الرفع الزائد. ومعنى أنهم لم يكتفوا فقط بالبناء والرفع المنهي عنه، بل إنهم زادوا ذلك بشيء من الزخرفة التي قد نهينا عنها. وقد مر معنا أن البناء ليس لازمه أن يربط هذا البناء بالطين أو بالإسمنت أو بالجص، لا، بل إنه لو رص رصًا لعد هذا كذلك من البناء المنهي عنه. فكل ما كان من وضع الحصى، وما كان بمعناه، فهو من البناء. وقوله «بالجص والآجر والأحجار» وفي نسخة «بالشيدي والآجر والأحجار». والشيد بمعنى الجص، إلا أن الشيد أوسع معنى من الجص، فالشيد يطلق على ما يطلق على الجدران مما له جرم، سواء كان هذا الطلاء بالجص، وهو ما نسميه نحن بالنورة، أو كان هذا الطلاء بغير الجص، كالطين أو الإسمنت، أو كذلك بعض الألوان التي تطلى بالجص. فكل ما يطلق مما له جرم يقال له شيد، بكسر الشين وسكون الياء. والجص معروف، هو النورة، وما كان بمعناها. والآجر هو الطين المطبوخ الذي نسميه نحن الطوب الأحمر، وما كان بمعناه مما يكون فيه طبخ لهذا الطين، فيزيد هذا الطين قوة. والأحجار، المراد بها مطلق الحجر، والمقصود ها هنا الأحجار المزخرفة المزينة التي هي غير البناء. والدليل على هذا التفريق أولًا لأن العطف يقتضي المغايرة، فهو ذكر البناء قبل قليل، فأراد إذن ليس مطلق البناء بالأحجار، وإنما أراد بذلك الزخرفة. ويؤيده ثانيًا ما ذكره، رحمه الله، في الشرح. ومعنى أن الناس قد وقعوا بالغلو ليس بالبناء والرفع فقط، بل بالبناء والتشييد، ووضع الجص والآجر والأحجار. وكل هذا من دواعي تعظيم هذه القبور، ومن كذلك ذرائع الافتتان بها. وقد نهى النبي ﷺ عن جميع الذرائع والوسائل التي تؤدي إلى الافتتان بالقبور، كما قد مر معنا في النواهي الكثيرة التي جاءت متوجهة فيما يتعلق بالقبور، سدًا لذريعة الافتتان بها. قال، رحمه الله: «لاسيما في هذه العصار». ويريد بالعصار أي العصور المتأخرة، ما بعد القرون الثلاثة المفضلة. وأخص من ذلك حين انتشرت فتنة القبور. وقيل إن الزمن الذي حصل فيه انتشار فتنة القبور، عبادتها، كان من زمن الفاطميين العبيديين. هذا من جهة ظهور مظاهر الشرك في جهة عبادة القبور. أما من جهة ظهور ما يخالف هدي النبي عليه الصلاة والسلام في القبور، فقد ظهر في أواخر بني أمية. فإن أول قبة ضربت، ضربت في أواخر بني أمية. وهكذا وقع في عهد بني العباس، فحصل رفع القبور، وحصلت بعض المخالفات الشرعية التي هي ذرائع للوقوع بالشرك. أما الشرك الصريح الذي تعلق بالقبور، فقيل إن أول ما وقع، وقع في عهد دولة العبيديين الذين يسمون بالفاطميين. هذا خلاصة ما يذكر في البيتين. وسيأتي، إن شاء الله، تتمة في الأبيات الآتية. وبهذا نختتم، الحمد لله رب العالمين.