الدرس في شرح مختصر السيرة 65، الدرس الخامس والستون:من( وكان أمية قد قال قبل ذلك:من المعلم في صدره بريش النعامة ... فأنزل الله فيهم إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن غزوة بدر ومعجزة سيف عكاش بن محصن وخطاب النبي لقتلى المشركين، كما يذكر دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة.
يفصل الكلام في مسألة سماع الأموات، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويفرق بين عموم الموتى وخصوص بعضهم.
يؤكد أن الدين كله لله، وأنه يجب قتال المشركين حتى لا يكون هناك شرك ويكون الدين لله وحده، مستدلاً بسورة الأنفال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال: وكان أميت قد قال قبل ذاك: «من المعلم في صدره بريش النعام»، فقال له ذاك حمز بن عبد المطلب، قال: «ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل». قال: وانقطع يومئذ سيف عكاش بن محصن، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذلا -أي الحطب اليابس أو الغليظ من حطب-، قال: فلما أخذه وهزه عاد في يده سيفا طويلا، فلم يزل يقاتل به حتى قتل يوم الردة. قال: ولما انقضت الحرب، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى، فقال: «بئس عشير، رأت النبي، كنتم كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس»، ثم أمر بهم فسحبوا حتى ألقوا في القليب -قليب بدر-، ثم وغف عليهم، فقال: «يا عتبة بن ربيع، ويا شيبة بن ربيع، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيفوا -يعني صاروا جيفا-، فقال: «ما أنت بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا». وهذا أصله بالصحيحين، كما أشار المعلق، وهو كذلك، يدل على أن الأموات لا يسمعون، وهذا هو الأصل، ولكن قد يسمعون في أوقات خاصة إذا شاء الله عز وجل ذلك، بما دل عليه الدليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر أن الأموات لا يسمعون، ولكن أنكر عليه في كون هؤلاء يسمعون الآن، ففيه إثبات نفي، وكذلك إثبات سمع، فالمنفي هو عموم الموتى، والذين يسمعون هو خصوص هؤلاء المشركين، وبهذا تجتمع الأدلة التي وردت في هذا الباب في أمر سماع الأموات، فالله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، والأحاديث بهذا كثيرة، فيدل هذا على هذا التفصيل في مسألة سماع الأموات، ومنه سمع قرع النعال، فإنه خاص في ذاك الوقت لكل ميت، وليس هو في كل حال وحين للميت. قال: ثم ارتحل مؤيدا منصورا، قرين العين معه الأسرى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضرب عنق النضر بن الحارث، ثم لما نزل بعرق الضبي ضرب عنق عقبة بن أبي معيط، وقد توعده النبي صلى الله عليه وسلم -كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب- توعده أنه إذا خرج من مكة فإنه سيضرب عنقه، حتى لما كان يوم بدر خاف عقبة بن أبي معيط من ذاك الذي توعده به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق والصدق، ولا يتكلم إلا بما هو جد، فخاف من ذاك التوعد فهيجه، وأيده بعض قرابته وأهل بلدته بما دفعه للخروج على خوف ووجل، فوقع ما توعده به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من دلائل نبوته كذلك، وآيات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. قال: ثم دخل المدينة مؤيدا منصورا، قد خافه كل عدو له بالمدينة، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، ودخل عبد الله بن أبي -رأس المنافقين وأصحابه- بالإسلام، وجملة من حضر بدرا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، على ما سبق أنهم ليسوا كل المسلمين، فإن فيهم -أي من المسلمين- من تأخر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو لا يعلم أنه يواقع قتالا، وإنما أراد يتتبع القافلة التي خرج فيها أبو سفيان. قال ابن إسحاق: كانوا ناسا قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسهم أهلهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني بالتأخر عن الهجرة وبالخروج مع الكافرين، كما جاء في سبب نزول هذه الآية، وهكذا كذلك فيما جاء من كلام علماء الأمة سلفا وخلفا في تفسير هذه الآية، وفيه التحذير من التأخر في الهجرة مع الإمكان، وهكذا كذلك من الخروج مع الكافرين مع الإمكان، يعني من التخلف ونحو ذلك. والخلاصة أن المؤلف رحمه الله أورد هذا كذلك ليستدل به على مواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يجب على أهل التوحيد من نصرة التوحيد، وما يجب عليهم من محاربة أهل الشرك، ومن ذلك أنهم يقاتلون بالسيف والسنان إن أبوا إلا الشرك، وأنه تستحل دماؤهم وأموالهم، وهكذا كذلك نساؤهم، بما يكون من أمر الشرك، وإن دل ذلك على شيء، دل على عظمة التوحيد، وكذلك علو منزلته، ولهذا أمر الله عز وجل بمقاتلة أهل الكفر لأجل أن يكون الدين كله لله، «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة -يعني بالشرك والكفر- ويكون الدين لله»، وفي سورة الأنفال: «ويكون الدين كله لله». نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.