الدرس في شرح مختصر السيرة 49، الدرس التاسع والأربعون : فيه: ( تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول الله ... وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تآمرت قريش لقتل النبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة بإيحاء من إبليس، حيث قرروا أن يضربوه ضربة رجل واحد من كل قبيلة. أخبر جبريل النبي بالمؤامرة فهاجر إلى المدينة.
هاجر النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى المدينة، وتعرض لمحاولات قتل من قريش أثناء هجرته، لكنه نجا بفضل الله. استعان النبي وأبو بكر بعبد الله بن أريقط الليثي الكافر للهجرة.
استخدم النبي عليه الصلاة والسلام سياسة التعمية والتخطيط في هجرته، مما يدل على أهمية أخذ الأسباب في النجاح والنصر. أمر ديننا بالأخذ بالأسباب على أكمل الوجوه وأحسنها.
ديننا الإسلامي يحث على أخذ الأسباب بشكل كامل ومحكم، كما يتضح من تعاليم النبي عليه الصلاة والسلام في هجرته وأحداثها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة، عرفوا أن الدار دار منعة -يعني المدينة- لأنهم ما يستطيعون أن يأتوا إليها، خصوصا بعد ما وقع الذي وقع بينهم وبين أهل المدينة. قال: وأن القوم أهل حلقة وبأس -يعني مشهورون بالقتال- فقد كانت حروب الأوس والخزرج من أشد حروب العرب ومن أبأسها، فكانت لغيرهم عبرة. ومع ذلك فكان الأوس والخزرج يجتمعون على عدوهم -يعني بينهم البين يقتتلون- فإذا جاء العدو الخارجي اجتمعوا عليه واشتدوا عليه اجتدادا عظيما. وتعلمون من كثر خوضه في الحروب اكتسب خبرة وشدة وبأسا ليس كحال غيره، وشجاعة ليس عند غيره، بخلاف من لم يعرف الحرب عرف الرخاء والتجارة ونحو ذلك، فإنه ليس هو في الشدة مثل من كانت حياته كلها حروب، فإنها تكسبهم من الخبرة والقوة والجلادة والشجاعة وغير ذلك ما هي أسباب من أسباب خوف المخالف له. قال: فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشتد أمره عليهم، فاجتمعوا في دار الندوة، وحضرهم إبليس بصورة شيخ من أهل نجد، فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار كل منهم برأي أو برأي والشيخ يرده ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه برأي -يعني قذف في قلبي برأي- ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما جلدا، ثم نعطيه سيفا صالما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولا يمكنها معادات القبائل كلها، ونسوق ديته -يعني إليهم- نرضيهم بها. قال: فقال الشيخ: لله در هذا الفتى، هذا والله الرأي، فتفرقوا على ذلك. فجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها، متقنعا. والتقنع هو ستر الوجه بالخمار الذي يلبس، واستدل به جماعة من أهل العلم على جواز لبس الخمار والتقنع به -يعني أنه يلف على العنق ويشد ضرفاه إلى الخلف مع ستر الجهة السفلة من الوجه- وقد ثبت لبس الخمار عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث بلال في صحيح مسلم. قال: فقال: أخرج من عندك -يعني يريد أن يسره بكلام- قال: فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: نعم، فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين -وكان كما سبق قد جهز راحلتين- فقال: بالثمن، وأمر عليا أن يبيت تلك الليلة على فراشه. وأصل هذه القصة في الصحيح في صحيح البخاري، وهذه التفاصيل أكثرها لم يصح. وقد روى أكثرها الإمام أحمد والحاكم بمستدركه والنسائي في الخصائص. وقال الذهبي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث الذي أخرجه الحاكم: هذا إسناد نظيف ومتنه منكر. قال رحمه الله تعالى: واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب -يعني من فتحاته- ويرصدونه يريدون بياته، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها -يعني يبدأ بالضرب على النائم- فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فأخذ حفنة من تراب البطحاء فدراها على رؤوسهم، وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، وأنزل الله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وهذه القصة مشهورة لكنها ليست صحيحة -أي في سبب نزول هذه الآيات أو هذه الآية من سورة يس وما بعدها-. قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر. والخوخة أو الخوخة هي الكوة التي تؤدي إلى البيت من غير طريق الباب، والغالب أن صاحب البيت يخرج منها اختصارا. وهكذا كذلك لأغراض أخرى كأن يصل به إلى بيت آخر أو يتحاشى به الخروج أمام من يستحيهم أو من يخافهم أو نحو ذلك. قال: قال في بيت أبي بكر ليلا، فجاء رجل فرأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم. فلما أصبحوا قام علي رضي الله عنه عن الفراش، فسألوه عن محمد، فقال: لا علم لي به. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور، فنسجت العنكبوت على بابه. وقصة العنكبوت والحمامة قصة مشهورة كذلك لكنها ضعيفة لم تصح. فقد رواها البزار وهكذا كذلك ابن سعد، وفي إسنادها أبو مصعب المكي وهو مجهول، وعون بن عمر -وسماه البزار عونا بن عمر- وهو منكر الحديث. قال: وكان قد استأجر عبد الله بن أريقط الليثي -وسمي أنه من بني الديل من بني عدي بن عدي- وكان بينهم وبين المسلمين حلف قبل -يعني بين أصولهم- وهو رجل كافر. قال: وكان قد استأجر عبد الله بن أريقط الليثي، وكان هاديا ماهرا. وفي البخاري: خريتا -يعني عارفا بالطريق- قال: وكان على دين قومه، وأمناه على ذلك. وفيه جواز الاستعانة بالكافر عند أمن الفتنة وعند ضرورة الاستعانة به أو الحاجة إليه. قال: وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث. وهذا من سياسة كذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة، لأنه لو خرج في نفس اليوم فإن الناس في غاية من الشدة في البحث عنه، لكن لما أتأخر ثلاثة أيام وغاب عنهم هذه الأيام الثلاثة كان ذلك كفيلا بيأسهم وقنوعهم بأنه قد فر من أيديهم. قال: وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة. والقافة لفظ يطلق على أكثر من معنى، ومنه من يتتبع الأثر، وقد يطلق أحيانا على من يعرف أخبار الطير ونحوها، لكنه المراد به هنا من يعرف الأثر. فقد كان هذا من علم العرب أنهم يميزون الأثر، ولا يزال ذلك إلى يومنا هذا أن أناس من العرب يميزون الأثر تمييزا عظيما، حتى بعضهم ربما يميز أثر الابن من الأب ولو لم ير الابن يوما من الدهر -يعني يقول هذا الأثر أثر أحد من أبناء فلان- من دون أن يراه. قال: حتى انتهوا إلى باب الغار -يعني القافة- قالوا: ذلك وهذا الله أعلم به -يعني في صحة هذه القصة- كما قلنا أنها رويت بإسناد ضعيف. قال: فوقفوا عليه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما أنهم أتوا إلى رأس الغار فهذا صحيح، وأما أنهم أتوا بتتبع القافة فالله أعلم. وأما كونهم وقفوا على الغار وأتوا عليه فهذا صحيح، بل أخبر الله عز وجل به في القرآن. قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا؛ لأن الغار كانت له فتحة من أسفل. فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا». فأنزل الله عز وجل الآيات من سورة التوبة. قال: وكان يسمعان كلامهم، إلا أن الله عم عليهم أمرهما. والله أعلم كذلك بهذا. وأما أصل القصة ففي الصحيح كما أشار المعلق عندكم في صحيح البخاري وغيره. قال: وعامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر، ويتسمع ما يقال عنهما بمكة، ثم يأتيهما بالخبر ليلا، فإذا كان السحر سرح مع الناس -يعني أنه يعينهم بشيء ويأتيهم بالأخبار-. وهذا من الأخذ بالأسباب، فينبغي أن يعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو نبي منصور ومؤيد- لم يقنع من الأخذ بالأسباب، بل أخذ بالأسباب وأمره الله بذلك، فمن دونه من باب أولى أن يأخذ بالأسباب أسباب الوصول إلى الحق من نصر حسي أو نصر معنوي، ومن ذلك العلم، فإن الوصول إلى العلم والوصول إلى النصر كل ذلك يرجع إلى أخذ صحيح بالأسباب. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز -يعني أهمه وأحسنه- وصنعنا لهما سفرة في جراب -يعني ما يستعينون به من طعام- قال: فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به فم الجراب، وقطعت الأخرى عصاما للقربة، فبذلك لقبت ذات النطاقين. وهذا كذلك أصله في الصحيح. قال: ومكثا في الغار ثلاثا حتى خمدت نار الطلب -ومعناه حتى ضعفت همتهم ويأسوا من وجود النبي عليه الصلاة والسلام- قال: فجاءهما ابن أريقط بالراحلتين على الموعد؛ لأنهم وعدا غار ثور بعد ثلاثة أيام. قال: فارتحل وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة. وفيه كذلك أن المسلم ينبغي عليه أن يعرف أن من الأسباب التعمية والتعمية والتدليس، وهذا من سياسة الحرب، فالحرب خدعة. انظر كيف فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأسباب: السبب الأول ما صنعه في مكة، وقد اجتمع على مجموعة من الخصال والأمور. والسبب الثاني أنه لم يخرج في نفس اليوم الذي خرج من مكة، بل احتبس ثلاثة أيام. والسبب الثالث أنه لم يستعن بمسلم، بل استعان بكافر؛ لأن الكافر يمشي ويخرج بأمان، يمشي ويخرج بأمان بخلاف المسلم لو خرج لا استراب الناس لماذا يخرج هذا المسلم وأين يذهب، وربما يراقب. والسبب الرابع أنه كذلك اتخذ لنفسه مع أبي بكر عليه الصلاة والسلام من يأتيهما بالأخبار وهو ما سمعنا. والسبب الخامس أنه كذلك لم يسلك الجادة -يعني لم يمشي إلى المدينة من الطريق التي يمشيها الناس- بل تأخر عن مكة، فجبل ثور هو في مؤخرة مكة إلى جهة اليمن، جبل ثور في مؤخرة مكة إلى جهة اليمن، وليس هو إلى جهة المدينة؛ لأن المدينة في جهة الشام في شمال مكة. فدل ذلك على أنه أخذ بالأسباب، بل أنه عليه الصلاة والسلام سلك البحر والساحل -يعني أخذ طريق الساحل- وهي طريق غير مسلوكة. وهذا كله من الأخذ بالأسباب، فبه تعرف أن ديننا ونبينا عليه الصلاة والسلام يأمر بالأخذ بالأسباب على أكمل الوجوه وأحسنها.