الدرس في شرح مختصر السيرة 110، الدرس العاشر بعد المائة:من( قتال أهل الردة ... ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن قتال أبي بكر لأهل الردة ومشاورته للصحابة في قيادة الجيش. يبرز أهمية المشورة واختيار القائد المناسب.
يتناول كيفية التعامل مع المرتدين وفق نهج الصحابة، مع التشديد على بيان أحكام الإسلام والصبر عليهم وإعطاء الفرصة للتوبة. يبرز أن نية القتال يجب أن تكون لإعلاء كلمة الله.
يشرح وصفات إمارة الجيش والتعامل مع المنافقين والمرتدين، مع التركيز على الرفق بالمسلمين وتفقد أحوالهم. يشدد على عدم قبول الصلح أو الفدية من المرتدين إلا بالعودة إلى الإسلام.
يروي أن أبا بكر كتب كتابا لخالد وأمره بقراءته في كل مجمع، وسيتم تناول هذا الكتاب في الدرس اللاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قتال أهل الردة. ولما كان من العرب ما كان، ومنع من منع منهم الصدقة، جد بأبي بكر الجد في قتالهم، وأراه الله رشده فيهم، وعزم على الخروج بنفسه. فخرج في مئة من المهاجرين والأنصار، وخالد يحمل اللواء، حتى نزل بقعا، يريد أن يتلاحق الناس، ويكون أسرع بخروجهم. ووكل بالناس محمد بن مسلم يستحثهم -يعني يتخلف خلفه ويتأخر ويلحق ببقية تلحق بالجيش-. قال: وأقام ببقعا أياما ينتظر الناس، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا خرج. فقال عمر: ارجع يا خليفة رسول الله، تكن للمسلمين فئة، ومعنى تكن للمسلمين فئة: يعني يبقى للمسلمين بقية. قال: فإنك إن تقتل يرتد الناس، ويعلو الباطل على الحق. فدع زيد بن الخطاب ليستخلفه، فقال: قد كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أرزقها، وأنا أرجو أن أرزقها في هذا الوجه. وإن أمير الجيش لا ينبغي أن يباشر القتال بنفسه. فدعى أبا حذيفة بن عتبة، فعرض عليه ذلك، فقال مثل ما قال زيد. فدعى سالما مولى أبي حذيفة، فأبى عليه. فدعى خالدا، فأمره على الناس، وكتب معه هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا فيه كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من كثرة المشورة، والأخذ بالرأي فيما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، وأنه إذا وقع في نفسه ريبة من رأي، لا بأس أن يعرضه على أكثر من واحد ممن هم أهل الرأي. وفيه كذلك أن الاستشارة ليست لكل أحد، وأن محل المشورة تكون فيمن يظن فيهم الأمانة والديانة والكمال والرجاحة في الخبرة. قال: وكتب معه هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد، حين بعثه لقتال من رجع عن الإسلام إلى ضلالة الجاهلية وأمان الشيطان. وأمره أن يبين لهم الذي لهم في الإسلام والذي عليهم، ويحرص على هداهم. فمن أجابه قبل منه، وإنما يقاتل من كفر بالله على الإيمان. فإذا جاب إلى الإيمان وصدق إيمانه، لم يكن له عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد في عمله. ولا يقبل من أحد شيئا أعطاه إياه إلا الإسلام والدخول فيه والصبر به وعليه. ولا يدخل في أصحابه حشوا من الناس حتى يعرف على ما اتبعوه وقاتلوا معه. وهذه نصائح عظيمة، الواحدة تلو الأخرى، كلها تدل على ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم والدين، وما كانوا عليه كذلك من الحزم في الحق. فقوله: وأمره أن يبين لهم الذي لهم في الإسلام والذي عليهم، معناه أنهم لا يقاتلون حتى تقام عليهم الحجة. وليس هذا فقط، بل قال: ويحرص على هداهم، ومعناه أنه يبذل كل الوسائل في ردهم إلى الحق، فلا يبدأ بالقتال، مع أن هؤلاء أهل الردة هم بدأوا بالقتال. قال: فمن أجابه قبل منه، ومعناه أنه يعفو عما سبق، ويصفح عما سلف. وفي هذا معان وفوائد، ففيه أولا إعانة لهؤلاء على العودة والتوبة، لأن بعض أعمال السوء الذي قد يعملها الخائن والمرتد وغيره ممن يحصل منه تغيير وتبديل، إذا أراد أن يتوب ويصحح، يتذكر ما عمل من سوء وأنه سيآخذ عليه، فيكون عثرة في رجوعه. فإذا بيّن له أنه ليس كذلك، فإن ذلك يكون معينا له على سرعة الرجوع والتوبة. وفيه كذلك أمر آخر، وهو أن هذا كذلك مع ما فيه من هذه المصلحة، فيه الحفاظ على أهل الإسلام، والناس متفاوتون في الإيمان والإسلام، وغير ذلك من المصالح الأخرى. وكون المسلم يشتط في الانتقام لله وليس للنفس، حتى ولو كان لله ولنصرة دين الله، فإن هذا قد يضعفه، وقد كذلك يكلب الأعداء عليه. فإن أمكن كف الأذى بما هو أخف فذاك حسن، ويكفي الله عز وجل للمؤمنين القتال. وقوله: وإنما يقاتل من كفر بالله على الإيمان بالله، هذا تأكيد لمعنى قتال الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأهل الردة، فهم يقاتلون من وقع في الكفر، ومن أصر على نصرة الكفر. وقد مر معنا أن أهل الردة ثلاث طوائف. وهكذا كذلك فيه أن نية القتال ينبغي أن تصحح، لا تكون لغير الإيمان بالله، فلا غنيمة ولا كذلك فخر. ولذلك فربما يترك القتال ولو قدر عليه، ما دام حصل مثلا توبة ولو في آخر لحظة، لأنه يريد القتال إيمانا بالله. وقوله: فإذا جاب إلى الإيمان وصدق إيمانه لم يكن له عليه سبيل، فيه أن إظهار الإيمان ينبغي أن يتثبت منه، لا يكون خيانة ومكرا. فإن كان كذلك فحق على الخائن والماكر أن يعاقب بقدر خيانته ومكره. وإن لم يكن فالأصل قبول توبة التائبين. وأما قوله: وكان الله حسيبه بعد في عمله، يعني أن أمثال هؤلاء أمرهم إلى الله. وفي هذا إشارة إلى أن هذا الذي أمر به الناس وهو أصل عظيم من أصول هذا الدين، فإن من الناس من قد يعلم أن هذا رجع نفاقا، فيقال: قد كان قبلهم منافقون. فكون هذا رجع نفاقا لا يعني أنك تستحل دمه وماله وغير ذلك، بل تتركه كما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المنافقين، فأمرهم إلى الله، حتى لا يختلف الصحابة في أحوال بعض الناس، وهذا كثير ما يقع بين أهل الحق بسبب هذا المعنى. وقوله: ولا يقبل من أحد شيئا أعطاه إياه إلا الإسلام، يعني لو أرادوا صلحا وأرادوا فدية أو أرادوا غير ذلك، فإنه لا يقبل منهم إلا أن يرجعوا إلى الإسلام أو يقتلوا. وهذا حكم المرتد من غير دينه: ﴿فَاقْتُلُوهُ﴾. قال: والدخول فيه والصبر به وعليه، ولا يدخل في أصحابي حشوا من الناس حتى يعرف على ما اتبعوه وقاتلوا معه. وفي هذا التحذير أن لا يستكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالجيش بأناس يناصرونهم، فيكونون عونا عليهم لا لهم، سواء مما قد يكون من الخيانة والمكر، أو ما قد يكون من الذنوب والمعاصي. فالكثرة لا يفرح بها. قال: فإني أخشان يكون معكم ناس يتوسمون بكم، ليسوا بكم ولا على دينكم، فيكونون عونا عليكم، لهذين المعنيين السابقين: إما للخيانة، وإما للذنوب والمعاصي. قال: وارفق بالمسلمين في مسيرهم ومنازلهم، وتفقدهم. وهذا كذلك أصل عظيم من أصول أهل الإسلام، ولو حتى في باب الجهاد في سبيل الله، الرفق بالمسلمين في سيرهم ومنازلهم، وأن يتفقد الرعية التي معه، ومن يمر بهم. قال: ولا تعجل بعض الناس عن بعض في المسير، يعني يمشي الجيش متحدا، وهذا أدعى للقوة والاجتماع، ولا في الارتحال يعني لا يتفرق. قال: واستوصي بمن معك من الأنصار خيرا، وفيه فضل الأنصار والاعتناء بهم، وفيه أن الإمارة تكون غالبا في قريش. قال: فإن فيهم ذيقا ومرارا وزعارا، ولهم حق وفضل وسابقة، ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى فيهم ذيقا ومرارا وزعارا: أي مما يكون من قلة ذات اليد، أو ما يكون من الطبع، والناس يجبلون على صفات متنوعة. وفيه ما ينبغي من تفقد أحوال الناس بحسب أخلاقهم، يعني بما لا يكون مدعاة للفتنة، وأن أهل الفضل مهما بلغوا من الفضل فالكل لله. قال: وفضل وسابقة، ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم. قال: ويروى أن أبا بكر كتب مع هذا كتابا آخر، وأمر خالدا أن يقرأه بكل مجمع. وهذا نتركه إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.