المحاضرة بعنوان أمانة ونصرة الدين، والتي كانت بمسجد لعلال قرية منفرة المفلحي بيافع يوم الاثنين 5 محرم 1447هـ الموافق 30 يونيو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الخطيب على أهمية الدعوة إلى الله ونصرة دينه، ويبين أن خيرية الأمة الإسلامية تكمن في تبليغ دين الله لمن يفتقر إليه. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصيحة الناس.
يذكر الكاتب تضحيات الصحابة لنصرة دين الله، مثل تحمل الأذى والابتلاء، ويضرب أمثلة من سيرة النبي وصحابته. يشير إلى إيثار النبي للمساكين وتوزيعه الغنائم على بعض القبائل لتأليفهم على الإسلام.
يؤكد الخطيب على أهمية تحمل المسؤولية ونصرة الدين، مستشهدًا بآيات القرآن وأحاديث النبي. يشير إلى أمثلة من التاريخ الإسلامي والواقع المعاصر لبيان أن الابتلاء يتبعه خير ونصر بإذن الله، ويدعو إلى التعاون على نصرة الدين بكل ما يستطيع المرء.
يتضمن المقطع دعاءً لله تعالى ألا يرد الدعاء خائبًا وأن يمنح الرحمة والفضل والعطاء. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا هذه الزيارة لأحبابنا وآبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه البلاد الطيبة المباركة، بلاد يافع، وفي هذه القرى التي نفع الله عز وجل بها وبجهود أهلها، وكذلك الخير الذي فيها، أهل المفلحي بجميع قرارها وجميع شعابها. وهكذا في هذا المسجد الطيب المبارك، في هذه البلدة الطيبة المباركة، أن نجتمع لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى، نتذاكر من العلم النافع ما يعيننا بإذن الله سبحانه وتعالى على العمل الصالح. أيها الأحبة، سمعنا في كلمات المشايخ الفضلاء، الشيخ صديق حفظه الله تعالى، والشيخ عبدالغفور حفظه الله تعالى، هذه النصائح العظيمة، وهذه التوجيهات المهمة التي تدل على أهمية الدعوة إلى الله، وأهمية نصرة دين الله سبحانه وتعالى، وأن نحمل أهم هذا الدين، وأن نتعاون في إبلاغ هذا الدين إلى من ينتفع به، وأن نؤدي بعض الأمانة والرسالة التي حملنا الله عز وجل إياها. أيها الأحبة، عباد الله، إن هذا الدين شأنه العظيم، والله عز وجل قد حملنا أمانة عظيمة، فكل مسلم تحمل أمانة عظيمة بدخوله في هذا الدين العظيم، فإن دين الإسلام، ومن وفق إليه وفق إلى خير عظيم، وأكرم بعطاء جزيل، وصار في نعمة عظيمة كبيرة. ومع ما في هذا الخير من التشريف والإكرام، ففيه كذلك من التكليف والمهام العظام ما يجب أن يؤدي الإنسان بعض هذه الأمانة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذه الأمانة هي أمانة هذا الدين التي حملنا الله عز وجل إياها، أن نقيمها في أنفسنا، وأن نقيمها في أبنائنا وأسرنا، وأن نقيمها في مجتمعاتنا. والأمر كما قال الله عز وجل، آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر لأمته جميعًا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينًا عظم هذه الأمانة، وهذه المسؤولية، وهذا الواجب العظيم، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. فجعل من أعظم صفات أهل الإيمان، ومن أعظم خصال أهل هذا الدين العظام، أن يؤدوا ما أوجب الله عز وجل عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو تبليغ دين الله. فإن أعظم واجب أوجبه الله هو تبليغ دين الإسلام، وأعظم واجب أوجبه الله هو إيصال هذا الإيمان لمن حرمه. وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل صحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وبهذا كانت خيريتهم، وخيرية هذه الأمة. خيرية هذه الأمة، أيها الأحبة، ليس فقط بأن تدخل في هذا الدين، ولكن بتبليغ هذا الدين لمن يفتقر إليه. فكل من في الأرض سيسألنا يوم القيامة، حين نجتمع بين يدي الله عز وجل: أكرمك الله بدين الإسلام، فأخرجك به من الظلمات إلى النور، وأنعم الله عز وجل عليك بالتوحيد، فكنت من أهل التوحيد لا من أهل الشرك، ومن أهل الإيمان لا من أهل الكفر، ومن أهل السنة لا من أهل البدعة، ومن أهل الطاعة لا من أهل المعصية. بينما غيرك يتخبط في وثنيات وشركيات، وأنواع من الكفريات والبدع والضلالات والخرافات والمعاصي والسيئات، سنسأل عن هؤلاء. خيرية هذه الأمة بأداء هذا الواجب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة للخلق على الإيمان بالله عز وجل، لأنه هو حقيقة وبرهان الإيمان. الإيمان كما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري: «ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». ومن العمل أن ننصح للناس، أن لا نرضى للناس أن يبقوا على الكفر الذي هم فيه، ولا الشرك الذي هم فيه، ولا الخرافة التي هم فيها، ولا البدع والضلالات التي هم فيها، ولا المعاصي والسيئات التي أخذت بهم إلى مستنقعات الرذائل والفواحش وغير ذلك. أن ننقذ هؤلاء الناس مما هم فيه، ونأخذ بأيديهم إلى طريق الجنان. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجنادب والجراد يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي». هذا المثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، وهو مثل لكل أتباعه من الصادقين من أهل أمته. أن أهل الدين الحق، أهل الإسلام الصحيح، أهل السنة والجماعة، هم الذين يحرصون على الخير للغير، حتى أنهم يحجزون غيرهم من أن يرموا بأنفسهم في نار الشرك والكفر، نار البدعة والضلالة والخرافة، نار الذنوب والمعاصي، لعلمهم أن الله سبحانه وتعالى سيسألنا عن ذلك كله. ولهذا جاء في حديث تميم بن أوس الداري المشهور العظيم، الذي يحفظه صغارنا قبل كبارنا، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة». رواه الإمام مسلم الله، وجاء في رواية خارج الصحيح: «كرواه عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: «لمن يا رسول الله؟» قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». أي كان الدين أن ينحصر في النصيحة لعظيم منزلته، وكبير رتبته عند الله سبحانه وتعالى. مثل ما قال عليه الصلاة والسلام في الحج: «الحج عرفة». أي: من أدرك عرفة أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة فلا حج له. فمن لم يدرك النصيحة، وواجب الله عز وجل فيها، فإنه لم يدرك حقيقة هذا الدين، وهذا الإيمان الذي بعث به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام. أيها المسلمون، عباد الله، قد بشرنا نبينا صلى الله عليه وسلم ببشارات عظيمة، كما سمعنا بالأحاديث التي ذكرها المشايخ الفضلاء، من أن الغلبة لهذا الدين، وأن العاقبة للمتقين. بل أخبرنا الله عز وجل بذلك بكتابه الكريم، بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. الظهور والظفر سيكون لدين الإسلام بإذن الله سبحانه وتعالى، المستقبل لهذا الدين. وقد جعل الله عز وجل أسباب البشارة كثيرة، وجعل الله عز وجل أسباب النصر كذلك كثيرة. فالواجب على أهل الإسلام أن يتعاونوا، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، علماء ودعاة، ووجهاء ومحسنون، وكذلك مسؤولون، الكل يبذل لنصرة دين الله، لأجل أن يبلغ دين الله عز وجل ما يكون به الخير للعباد والبلاد. اسأل نفسك، يا أيها المسلم، ماذا قدمت لهذا الدين حتى تنجو من السؤال في ذلك اليوم العظيم، حين تقف بين يدي رب العالمين؟ هل خلقنا الله عز وجل لأجل أن نشبه ونقارب البهائم، نأكل ونشرب ونتنافس على هذه الدنيا الفانية بالقصور الفاخرة، والمراكب الفارهة، والبنيان، والتنافس في طولها وعرضها؟ لا والله. ولكن الله عز وجل خلقنا لحكمة عظيمة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. هذه الحكمة العظيمة أن نتوجه لعبادة الله سبحانه وتعالى، الذي لا يناهيها أن تأخذ من متاع هذه الدنيا ما تستعين به على الدنيا والدين. فالذي أمرك بعبادته، والذي أمرك كذلك بأداء حقه، لم ينس حقك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. هذا هو عدل هذا الدين، وهذا هو كذلك حكمة رب العالمين، أنه أمرك بما فيه الخير لك في دنياك وآخرتك. أمرنا أن نبني آخرتنا التي فيها البقاء، وأن لا نبني دنيانا التي فيها الفناء. جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته الأموال يومًا، فأمر بالتصدق بها، إلا الكتف، جعلها لأهل بيته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم وأراد أن يعلم عائشة ويعلم أمته: «ما بقي منها يا عائشة؟» قالت رضي الله عنها وأرضاها: «بقيت كتفها يا رسول الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل بقيت كلها إلا كتفها، فإنما أنفق الإنسان بقى، ومن ادَّخر بنى فنى». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذا رسول الله، أكرم الخلق عند الله، ومع ذلك آثر أن يكون نبيًا مسكينًا على أن يكون نبيًا ملكًا، حين جاءه جبريل وأخبره أن الله عز وجل أمره أن يختار، وخيره أن يكون رسولًا ملكًا أو يكون رسولًا ونبيًا مسكينًا، فاختار أن يكون مع المساكين. ليبين لكل ما جاء بين يديه لآخرته عليه الصلاة والسلام. كم أتاه من الخير مما فتح الله عز وجل عليه، ولكنه ترك ذلك كله لله سبحانه وتعالى. جاء في حديث عائشة بالصحيح: «إن كان ليمر عليه الهلال والهلال والهلال، أي ثلاثة أهلة، ثلاثة أشهر، وما في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام، إلا الأسودان: التمر والماء». كان أكثر طعام النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا عن قلة قدرة، فقد كان يقدر، وقد أقدره الله سبحانه وتعالى. جاءوا من الغنائم مالًا عظيمًا، فجاء رجل من الأعراب يسأله، فأعطاه غنمًا يملأ أفق ما بين جبلين. فقال: «هذا لي يا رسول الله؟» قال: «هو لك». فذهب به ولم يترك واحدة، ورجع إلى قومه وقد أسلم، وقال لقومه: «أسلموا، فإني جئت من عند رجل، والله يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». فأسلم قومه كلهم. لماذا؟ لأن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة لدين الله، أن يدخل الناس في دين الله عز وجل أفواجًا. ولما فتح الله عز وجل عليه في حنين، ودخل بأس المشركين، وبعض من أسلم حديثًا على النبي صلى الله عليه وسلم، أعطى كل واحد منهم مئة من الإبل. حتى تعجب كيف يعطي هذا العدد الكبير، ويقول: «أذهب به يا رسول الله». قال: «اذهب به». فيذهب به الأول والثاني والثالث، ويذهبون بذلك يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم على دين الإسلام. ورجع المهاجرون والأنصار، ولم يعطهم ما أعطى هؤلاء، حتى وقع في نفوس بعض المهاجرين، فاجتمعوا يتشاورون: «هل نسينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال بعضهم: «لعله رجع إلى قومه فنسينا». فمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبلغ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءهم بالسويقة، مجتمعين، ثم قال عليه الصلاة والسلام، وهو يعطيهم: «يا معشر الأنصار، بلغتني عنكم ألكم قلتم: رجع إلى قومه فنسينا؟ يا معشر الأنصار، الناس جِلد، والأنصار شعار، لو سلكت لما سلكت إلا شعب الأنصار». «يا معشر الأنصار، أتغدرون أو تحزنون على لعاعة من لعاعة الدنيا، أعطيتها لأناس أتألفهم على دين الله سبحانه وتعالى؟ أما ترضون أن ترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرجع الناس بالشاة والبعير؟». وما زال يعظهم حتى بكوا، وأغروا لحاهم من البكاء، رضي الله عنهم وأرضاهم. فصاروا يرفعون أصواتهم: «رضينا يا رسول الله، رضينا يا رسول الله». آثروا حقهم مع حق النبي صلى الله عليه وسلم، رجعوا فقراء كما أتوا فقراء، مع أن الله عز وجل أعطاهم خيرات كثيرة، فآثروا بها جميعًا. لماذا؟ لأجل أن يدخل هؤلاء في دين الإسلام، يتألفهم ليدخلوا في دين الله عز وجل، لأن الله قد علم من هؤلاء قوة إيمانهم، وقوة دينهم، وقوة كمالهم، قربهم. فعند ذلك آثر أن يكون حابًا لتأليف هؤلاء، فوافقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلوا مثل ما فعل، وأقروا على ما فعل عليه الصلاة والسلام. هذا قليل من كثير من البذل والعطاء والتضحية التي قام بها سلفنا رضي الله عنهم وأرضاهم، بذلوا الكثير ليدخل الناس في دين الله عز وجل. ليس هذا بحساب، بل الواحد منهم يصبر على الكثير من الأذى، وعلى الكثير من الابتلاء، لأجل أن تكون كلمة الله عز وجل هي العليا. لما أصاب ما أصاب المسلمين في مكة، وأوذوا بأنواع الأذية، منهم من قتل كعمار ووالديه، ومنهم من عذب كبلال وسائر الضعفاء، ومنهم من قطع قطعة قطعة، كما حصل لبعض الصحابة. وجاء بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم، كاد أن يقتل عدة مرات، ودفع عنه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه. جاء بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو متكئ على جدار الكعبة، فيقول: «يا رسول الله، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟». فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كان بمن كان قبلكم ينشر من إنشار الحديد، فيفرق فرقتين، فما يرده ذلك عن ديني من شيء، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، فما يرده ذلك عن ديني من شيء. ولكنكم قوم تستعجلون». وهو يشير إلى بعض ما أصاب الأمم السابقة، كما أخبرنا الله عز وجل في قصة أصحاب الأخدود. كيف أنهم امتحنوا على إيمانهم بالله، حتى أنهم شقوا بالمناشير، ومشطوا بمشاط الحديد، ورموا في الأخدود في النيران، فما ردهم ذلك عن دين الله سبحانه وتعالى. قدموا أنفسهم رخيصة أن ينتشر هذا الدين، وأن يكون الغلبة لأهل هذا الدين. فاسأل نفسك، يا أيها المسلم، كيف بلغ هذا الدين مشارق الأرض ومغاربها، وأقصى الشمال شمالًا، وأقصى الجنوب جنوبًا؟ هل بالدعة والرخاء والغفلة، وكذلك البعد عن المسؤولية؟ لا والله. ولكن بتحمل هذه الأمانة، وهذه المسؤولية التي بها، بإذن الله سبحانه وتعالى، يكون الخير الذي نرجوه، والوعد الذي وعد الله عز وجل به. ولنعلم أيها المسلمون أننا قد أرينا من شواهد الحق، وعلامات الصدق، ما يدل على أن الظفر والنصر لهذا الدين بإذن الله سبحانه وتعالى. فما نراه في العالم من امتحان وابتلاء، جاء بعده من الخير والفرج ما هو من علامات الحق وبراهين الصدق، أن العاقبة بإذن الله سبحانه وتعالى، وللمتقين. انظروا إلى ما حصل لإخواننا في فلسطين: شدة وبلاء، وقتل وامتحان، وبعد ذلك ماذا حصل؟ حصل أن العالم كلهم تعاطف مع هؤلاء المسلمين، من لم يعرف الإسلام، عرب وغير عرب. حتى كتب الكثير من الكتاب، وكتب كذلك بالإحصائيات: أن سنة 24 و25 بالميلاد هي أكثر السنوات في دخول الناس في دين الإسلام. لماذا؟ لأجل ما كان من امتحان وابتلاء، وبعده حصل هذا الخير من تعرف الناس على الدين، وسؤالهم عن القضية، فكان بعدها دخول الناس في دين الله عز وجل أفواجًا. وظهرت بذلك مظاهر الحق والصدق التي وعد الله عز وجل بها. وهكذا الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وغير ذلك مما في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر إلى بلادنا اليمنية، هذا الخير الذي نرى بفضل الله سبحانه وتعالى: إقبال الناس على السنة، إقبالهم على الدين. الكبير منا يعرف، كانت المساجد قليلة، وإذا وجدت فهي مع الصوفية: ضرب للطبول، وهد للرؤوس يوم الخميس، ويحب الناس المساجد إلا لكبار السن. أما اليوم بفضل الله سبحانه وتعالى، مساجد بالمئات، بل بالآلاف، يقبل الناس فيها صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً على السنة، بفضل الله سبحانه وتعالى. ودور العلم بكل مكان، يتخرج الحفاظ بالمئات. ها نحن قبل أيام في احتفال لمعهد المراكز في تخرج مئات الطلاب، وقبله تخرج كذلك مئات الطلاب من الجامعة الإسلامية، واليوم في تخرج مجموعة من الطلاب في الدورة العلمية المكثفة للقرآن في يهر. وهكذا بعد أسابيع قليلة، كذلك يتخرج مجموعة من حفظة القرآن، في الفيوش، من حفظة القرآن للدورة المكثفة، كذلك بالمئات. حفظة القرآن من الرجال ومن النساء، ودور العلم بفضل الله سبحانه وتعالى عامرة. الندوات العلمية والمحاضرات والخطب، الخطباء والقراء والعلماء والدعاة، والدورات العلمية، عمرت البلاد، السهل والجبل، بفضل الله سبحانه وتعالى. حتى أقبل الناس لتعلم العلم في بلادنا، هذا على ما فيها من قلة ذات اليد. من مشارق الأرض ومغاربها، كم خرجت دور العلم من طلبة العلم، من الخطباء والقراء والأئمة والدعاة والعلماء، إلى مشارق الأرض ومغاربها. مساجد بالمئات في أندونيسيا وماليزيا، وهكذا حتى إلى الصين، يوجد من طلبة العلم ممن تخرج بفضل الله من هذه الدور. وأوروبا بجميل مدنها، لا أستثني، يوجد من طلبة العلم، إما من الجامعات الإسلامية، والجامعات من المملكة العربية السعودية، أو من بلادنا اليمنية، ودور العلم فيها. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك أفريقيا، فما تنهى بلد إلا وتجد تلك البصمات لهذه الدور المباركة. لأجل أن نعلم أيها الأحبة أن العاقبة بإذن الله سبحانه وتعالى لأهل الإسلام، ولأهل السنة، ولأهل التقوى، بإذن الله سبحانه وتعالى. فلنتعاون جميعًا، أيها الأحبة، على نصرة هذا الدين، والبذل لهذا الدين. من استطاع بعلمه فبعلمه، من استطاع بماله فبماله، من استطاع بجاهه فبجاهه، من استطاع بمسؤوليته فبمسؤوليته، من استطاع بجهده وقوته فبجهده وقوته. كل أحد بحسب ما أعطاه الله، كما قال الله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. هذا ينفق من علمه، وهذا ينفق من ماله، وهذا ينفق من جاهه، بما يكون به نصرة هذا الدين. انظر إلى هذه البلاد، قارنوا بينها وبين عشرين سنة إلى الوراء. انظروا إلى الفرق، هذه الجهود المباركة، الجبارة التي يبذلها أهل الإحسان من أهل هذه القرية، وأهل هذا المسجد، وما جاورها، بفضل الله سبحانه وتعالى. هذه القرى التي عرفت بالخير والإقبال على الخير، حتى انتشرت هذه المساجد بفضل الله، وهذه الدورات، وهذه كذلك المحاضرات، وهكذا كذلك الندوات، والخطباء والقراء والأئمة، بفضل الله سبحانه وتعالى. ليس هذا بعجيب، بل أكرم الله عز وجل أهل السنة أن يعمروا للناس الدين والدنيا. فكما أكرموا الله عز وجل، أكرمهم الله، فصاروا كذلك مفاتيح خير في الدين والدنيا. نرغم بشارع بفضل من الله، ما أجمله، ما أحسنه. هنيئًا لمن وفقه الله لهذا الخير، أعانه الله لأن يفتح طريقًا يسهل على عباد الله في سيرهم. طريق حسن، عظيم من الحسنات. لأجل أن نعرف أن أهل السنة، وأهل الإسلام الصحيح، إذا اجتمعوا، أعانهم الله على عمارة الدين والدنيا، وجعلهم بإذن الله مفاتيح خير، وأكرمهم بحسنات عاجلة، هي بإذن الله من عاجل بشرى المؤمن، بحسنات قادمة. فهنيئًا هنيئًا لمن استعمله الله في هذا الخير، وفي هذا الباب. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغاليق شر، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. وأكرر الشكر لكل من كان سببًا في هذا الخير، وفي هذه المحاضرة المباركة. ونسأل الله عز وجل أن يفتح علينا مواهب فتحه وعطائه، وأن يكرمنا بعظيم كرمه وفضله، وأن يغيثنا بالعلم والإيمان، ويغيثنا بالمطر، وكذلك الماء، وكذلك الخير من السماء، أن يغيثنا فيزيل عنا الشدة والبلاء. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، غيثًا مغيثًا، ودواءً طبقًا، ينبت به الحاضر والبادي، ويكون به رزقًا للعباد. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، غيثًا عاجلًا نافعًا، غير ضار، يا رب العالمين، يا أكرم الكارمين، أكرمنا. اللهم لا يمر علينا يومنا هذا إلا وقد أكرمتنا، وأسبوعنا هذا إلا وقد أكرمتنا، يا رب العالمين. اللهم لا تردنا خائبين، ولا تحرمنا فضلك، ولا تحرم هذه الأرض التي تحتاج إلى رحمتك، وإلى فضلك، وإلى عطائك. اللهم آمين، يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.