المحاضرة بعنوان الهمة في طلب العلم، والتي كانت بمسجد التوحيد بدار الحديث بتريم يوم الخميس 3 ذو القعدة 1446هـ الموافق 1 مايو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية الهمة العالية في طلب العلم والعمل الصالح، ويحث على الاستمرار في طلب العلم لتحقيق الرفعة في الدنيا والآخرة. يُشدد على أن الهمة العالية دون عزيمة لا تكفي لتحقيق الفلاح.
يُبين أن العلم النافع يحتاج إلى صبر ومصابرة وعزيمة قوية، وأن الأمة تحتاج إلى رجال أقوياء ذوي همم عالية وعزائم قوية لإصلاح المجتمع. يُشدد على أهمية العزيمة القوية في تحقيق الرفعة.
يستشهد الخطيب بتاريخ أهل اليمن وفضلهم في الإسلام، وسير العلماء الأعلام مثل عبد الرزاق بن همام الصنعاني والإمام الشوكاني ومقبل بن هادي الوادعي. يُحث المصلين على الاستمرار في طريق العلم والعمل الصالح.
المقطع يتضمن الدعاء بالتوفيق والخير والابتعاد عن الشر، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر أهمية الدعاء والصلاة على النبي في الختام.
الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة: العلم والعمل توأمان، أمهما علو الهمة، والجهل والبطالة توأمان، أمهما الكسل ودنو الهمة. فإذا لم تكن عندك همة عالية، فلا تنتظر الفلاح والارتقاء؛ لأن الارتقاء يحتاج لهمة عالية. فانظر إلى هذه الحصيلة التي حصلتها في هذا الأسبوع، أسبوع واحد، دروس مباركة في العقيدة والفقه والعبادة والآداب والسلوك، وكنوع من المعلومات، كل هذا بفترة يسيرة. من الذي أعانك على ذلك؟ وجود همة عالية، صبرت وصابرت، فوفقك الله عز وجل لهذا الخير. فلذلك أحث نفسي وإخواني، فأقول: الله الله، يا معاشر طلبة العلم، في الاستمرار على هذا الخير والاستمرار في هذه الطريقة المباركة، طريق العلم والعلماء، التي هي بركة وورث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما جاء بحديث «الدرداء»: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم». الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر بزيارة إخواننا وأبائنا وأبنائنا في هذه المدينة الطيبة المباركة، وفي هذا المركز الطيب المبارك، دار الحديث في مسجد التوحيد في تريم، نعمة عظيمة أن نجتمع بالآباء والإخوة والأبناء، لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، بل نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. كما نحمده سبحانه أن يسر بهذه الدورة الطيبة المباركة التي أقيمت في هذا المعقل من معاقل العلم، وهذا المركز الشامخ من مراكز السنة، وعلى نخبة مباركة جليلة حرصت على أن تبذل من وقتها وتعطي من جهدها، فكانت حصيلة ما أعطاها الله عز وجل ما يكون به إعمار هذه الدورة بأكمل وجوهها وأحسن أحوالها. فالشكر موصول للدكاترة في الجامعة الإسلامية العالمية على ما بذلوا وسعوا في إقامة هذه الدورة الطيبة المباركة. ونخص بالشكر إخواننا في هذه المدينة الطيبة المباركة، والقائمون على هذا المركز الطيب، وعلى رأسهم أخونا الشيخ المفضال عمر باجبير، حفظه الله تعالى. وهكذا من معه من المشايخ الفضلاء ممن لا أحصي عددهم ولا أستحضر جميع أسمائهم، الشكر موصول. ومنهم أخونا الشيخ الفضل عبد الله بن عفيف، حفظه الله. فنسأل الله عز وجل أن يجزي الجميع خير الجزاء، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغالق شر، وأن يبارك في هذه الدورة الطيبة المباركة. أيها الأحبة، وكما سمعتم في ختام هذه الدروس والكلمات، في كلمة أخينا الشيخ عبد الله بن عفيف، حفظه الله تعالى، أن هذه الدورات ما هي إلا مفاتيح تفتح لك أبواب العلوم، وتدرجك في سلم ومدارج الدين، ترتقي بنفسك بالعلم النافع وما يتبعه من العمل الصالح، ما يكون به الخير لك بإذن الله في الدنيا والآخرة. الرفعة الحقيقية ليست بالأموال ولا بالأحساب والأنساب، ولا بامتلاك القصور الفارهة أو المركوبات الفاخرة. الرفعة الحقيقية أن يكرمك الله بتقواه، أن يوفقك الله للعلم النافع والعمل الصالح. وكما سمعتم، هذه الدورة المباركة مفتاح للعلوم ومفتاح لأبواب الخيرات. فرب إنسان كان في معزل عن العلم وأهله، وعن الاعتناء بالسنة والاستقامة، فإذا حضر مثل هذه الدورات، وفقه الله أن يتدرج في سلم العلم والإيمان، ما يرتقي بنفسه بما فيه الخير له في دينه ودنياه. ولذلك، ومن وفقه الله لهذه الدورة أو سمعها أو تابع أثيرها، أن يأخذ بنفسه إلى الارتقاء إلى ما هو أعلى من هذه الدورات. قد علم عظيم منزلة العلم، ووفقه الله بأن يتشرف أن يتلقى العلم على كبار المشايخ والدعاة، من الدكاترة الفضلاء والدعاة النبلاء، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن يرتقي بنفسه درجة درجة، حتى يرفعك الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، هذه الرفعة الحقيقية في الدنيا والآخرة، أن يرفعك الله بتقواه، أن يرفعك الله بالعلم النافع والعمل الصالح. ونأخذ بعض العظات والعبر مما يستفاد من هذه الدورات. من هذه العظات والعبر أننا نجد أن من وفقه الله فصبر وصابر على حضور هذه الدورة المباركة، حصل خيرًا كثيرًا في فترة قصيرة. وما ذلك إلا علامة ودلالة أن العلم النافع يحتاج إلى صبر ومصابرة. وأم ذلك كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «العلم والعمل توأمان، أمهما علو الهمة، والجهل والبطالة توأمان، أمهما الكسل ودنو الهمة». فإذا لم تكن عندك همة عالية، فلا تنتظر الفلاح والارتقاء؛ لأن الارتقاء يحتاج لهمة عالية. فانظر إلى هذه الحصيلة التي حصلتها في هذا الأسبوع، أسبوعًا واحدًا، دروسًا مباركة في العقيدة والفقه والعبادة والآداب والسلوك، وكنوع من المعلومات، كل هذا في فترة يسيرة. ما الذي أعانك على ذلك؟ وجود همة عالية، صبرت وصابرت، فوفقك الله عز وجل لهذا الخير. وهكذا ما بعده، فإنك تحتاج إلى همة عالية حتى ترتقي للعلم. وعندكم في هذه المدينة المباركة هذا المركز الطيب المبارك الذي يؤتي في ماره ليلًا ونهارًا. وهناك من دور العلم ومراكز السنة ما يسعك الوصول إليها والتزود بالعلم النافع والعمل الصالح، ما يعينك على الأخذ بنفسك إلى أعلى الدرجات. والهمة العالية تحتاج إلى عزيمة؛ فالعزيمة حقيقة هي تحقيق هذه الهمة. كما قال بعض أهل العلم: «الهمة العالية دون عزيمة كأحلام وأماني لا وجود لها في الواقع». عندك همة عالية، لكن عزمت، شددت على نفسك بعزيمة تعين نفسك مع هذه الهمة على تحقيقها في الواقع. إذن، عزيمة وهمة عالية، العزيمة هو المقصود. وكما قيل: «العلم شجرة، والعمل ثمرة، وكذلك الهمة وسيلة، والعزيمة غاية توصلك إلى هذا الخير الذي ترجوه». فينبغي لمن أراد لنفسه ولمن معه من الخير أن يعتني بهذه الخصال الأربع: الحرص على العلم النافع، والعمل الصالح، بهمة عالية، وعزيمة ثابتة قوية، تعينك على الوصول إلى الرفعة الحقيقية في الدنيا والآخرة. وتأمل قول الله عز وجل: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾، لابد من الصبر. وهكذا اليقين: ﴿وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. قال شيخ الإسلام الواسطي رحمه الله: «لا تنال الإمامة بالدين إلا بالصبر واليقين». فالصبر واليقين يعينان على هذه الهمة العالية. الأمة تشكو من آلام وأمراض وأحزان ومآسي كثيرة، لا يعين -بعد الله سبحانه وتعالى- على خلاص هذه الأمة من هذه الآلام والأحزان والأمراض والأسقام إلا أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية، الذين يصح فيهم قول الله عز وجل: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾، بصدقه وعلمه وعمله وعلو همته وقوة عزيمته. فإن من الناس من هو بمثابة أمة بأكملها، لما عنده من الهمة العالية والعزيمة القوية التي تعين على إصلاح المجتمع وإيجاد البصمات العظيمة في جوانب ونواحي كثيرة من جوانب ونواحي الحياة. ومما نستفيده كذلك أن إخراج الرجال والاعتناء بالأجيال أعظم من بناء البنيان؛ فإن الأمة بحاجة إلى الرجال أقوياء، عندهم من الهمم العالية والعزائم القوية ما يصلح الله عز وجل بهم العباد والبلاد. فإذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام لوحده أمة، فإنه كذلك إذا وجد في هذه الأمة من جمع الله عز وجل له بين العلم النافع والعمل الصالح والهمة العالية والعزيمة القوية، فسيكون بإذن الله سبحانه وتعالى في مجتمعه أمة يحيي الله عز وجل به العباد والبلاد. وهذا مشاهد ومجرّب، انظر إلى تاريخ هذه الأمة، كم جعل الله عز وجل بأفراد إحياء أمة بأسرها. وتاريخ بلادنا اليمنية على وجه الخصوص، فيها من هذا الشيء الكثير، مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأجد نفس ربي من قبل أهل اليمن»، أي المدد والقوة والهمة العالية والعزيمة، بما جعل الله عز وجل في أهل هذه البلاد المباركة من الرقة والإيمان. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية». من الذي آوى النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته وأتاه إلى مكة لنصرته وهو محارب مطرود؟ إنهم الأوس والخزرج الذين هم من أهل اليمن. وهكذا رحلة أهل اليمن أفرادًا وجماعات، أبو موسى الأشعري ومن معه، وما أدراك ما قصة أبو موسى ومن معه، خرجوا في سفينة إلى الحبشة، ثم سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهجرته إلى المدينة فأتوه. وهكذا وائل بن حجر الحضرمي، وأبو هريرة رضي الله عنه الدوسي، وغيرهم من الصحابة الأخيار، ومن بعدهم من التابعين وأتباع التابعين ممن ساروا على هذا الخير. فإذا وقفت في سيرة كل شخص من هؤلاء، وجدت ما عنده من الهمة العالية والعزيمة القوية ما كانت به هذه الرفعة في الدنيا والآخرة. عبد الرزاق بن همام الصنعاني، كما قيل: «كان حلم العلماء أن يصلوا إلى عبد الرزاق»، ما من عالم إلا وفي ذهنه الرحلة إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني رحمه الله رحمة واسعة. وكما قيل: «ما رحل لأحد كما رحل لعبد الرزاق» رحمه الله، رحل إليه العلماء من كل أقطار الدنيا. كيف حصل عبد الرزاق رحمه الله تعالى ذاك العلم الغزير والخير الكثير إلا بهمة عالية، وكذلك عزيمة قوية؟ وهكذا من بعدهم صبروا وصابروا، فأحيا الله عز وجل بهم أمة. هذا الإمام الصنعاني، ثم الشوكاني، وشيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله رحمة واسعة، كل واحد من هؤلاء الأعلام والعلماء الكرام، إذا قرأت في سيرته وتتبعت ما ذكر في ترجمته، ستجد من هذا الخير الكثير ما يشحذ همتك ويرفعها ويقوي عزيمتك ويعينك على الاستمرار بهذا الخير. فلذلك أحث نفسي وإخواني، فأقول: الله الله، يا معاشر طلبة العلم، في الاستمرار على هذا الخير والاستمرار في هذه الطريق المباركة، طريق العلم والعلماء، التي هي تركة وورث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما جاء بحديث «الدرجاء»: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم». وهكذا أخيرًا نختم بأن نضع العظة والعبرة في مرور الأيام والليالي، وهكذا هذه الدنيا. ابتدت هذه الدورة قبل أسبوع، وسرعان ما ذهبت أيامها ولياليها، فإذا نحن في نهايتها وختامها. فمن جد واجتهد حصل الخير الكثير في الوقت القصير، ومن استثقل وتثاقل حرم الخير الكثير الذي كان بإمكانه أن يحصله في الوقت القصير. وكذلك سيرنا إلى الله -معاشر المسلمين والمسلمات ويا طلبة العلم وطالباته- سيرنا إلى الله ما هو إلا ساعات وليالي وأيام وشهور وأعوام، ثم نقف بين يدي الله سبحانه وتعالى. فمن كانت حياته جد واجتهاد وصبر وجهاد، فهو بإذن الله سبحانه وتعالى سيكون من أهل الدرجات العالية. فالدرجات العالية تحتاج إلى همم عالية وعزائم قوية، بها الرفعة في الدنيا وفي الآخرة. فإذن نصبر أنفسنا على أن نلزم الخير، أهله. وسنرى أن الدنيا قد طويت، وكان لك -بعد فضل الله سبحانه وتعالى- من جدك واجتهادك ما كان سببًا لرفعتك في الدنيا والآخرة. كما قال الله سبحانه: ﴿تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾، العلم النافع، عمل، برهانه بالعمل الصالح، عمل، الهمة العالية، عمل، العزيمة الصادقة القوية، عمل. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لأبواب الخيرات، وأن يدفع عنا وعنكم أبواب الشرور والآفات، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. ونكرر الشكر لكل من كان سببًا في إنجاح هذه الدورة المباركة، ممن ساهم بعلمه أو جهده أو ماله أو وقته أو أي نوع من أنواع المشاركات. نسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك بميزان حسنات الجميع، وأن يوفقنا وإياكم لكل خير، ويدفع عنا وعنكم كل شر وضير. وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.