ثلاثة أسباب تعين طلبة العلم على الإستفادة من الوجود في مراكز العلم

ثلاثة أسباب تعين طلبة العلم على الإستفادة من الوجود في مراكز العلم

المحاضرة بعنوان ثلاثة أسباب تعين طلبة العلم على الإستفادة من الوجود في مراكز العلم، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش يوم الأحد 6 ذو القعدة 1446هـ الموافق 4 مايو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم وأهميته

يُشدد على أهمية طلب العلم في الإسلام ورفع درجات صاحبه. يُبين أن سلوك طريق العلم يسهل طريق الجنة ويجعله أكثر بصيرة في حياته.

مراتب طلبة العلم ودرجاتهم

يتحدث عن أهمية العلم ودرجات النبوغ فيه، ويشرح مراحل طلب العلم الخمس. يناقش أهمية التدرج في طلب العلم والعمل به.

أهمية الهمة والعزيمة في طلب العلم

الخطاب يدور حول أهمية الهمة العالية والعزيمة القوية في طلب العلم والاستمرار عليه. يشدد على أن الرفعة عند الله تحتاج إلى صبر كبير.

تحذير من النفاق وطلب الهداية

المقطع يحذر من النفاق وعقابه الشديد ويدعو الله أن يوفق للعلم النافع والعمل الصالح. يطلب الهداية والثبات على الطريق الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة التي يعتبر في هذا الزمان من أعظم الحافظات بعد حفظ الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يستقيم على الإسلام والسنة، وعلى طريق سلف الأمة، فمن وفقه الله لمثل هذا الخير، فقد وفق لخير عظيم وكثير وكبير. وكذلك نحمده سبحانه أن أعاننا ويسر لنا أسباب طلب العلم مع هذه الرفقة الطيبة المباركة من طلبة العلم والسنة ومحبيه، وأن يكون مع ذلك من الوسائل والأسباب المعينة والمهيئة لطالب العلم أن ينبغ في طلبه العلم، وأن كذلك يرسخ في طريقه في طلب العلم. ومن ذلك أن يسر الله عز وجل كذلك أسباب هذا النبوغ، وأعان على أسباب شد الهمة ورفعها، وكل هذا يعتبر من نعم الله سبحانه وتعالى. فإنك ربما تجد من يعلمك، لكن في بيئة كثيرة الشواغل، فالمدرس مشغول ولا يعطيك من وقته إلا القليل، فوجوده يصير ليس فيه كبير فائدة، أو يكون المدرس متفرغًا والطالب مشغولًا، تكثر عليه الشواغل فلا يستطيع أن يتفرغ لطلب العلم. وكذلك قد يجتمع التفرغ، لكن لا يجد ما يعينه على شد همته ورفعها، وإعانة كذلك نفسه على الاستمرار في مثل هذا الخير. ولكن الله عز وجل يسر لنا في هذه الدور المباركة أن تجتمع هذه الأسباب جميعًا، فأنت تجد اجتماع المدرسين، ليس المدرس الواحد، بل مدرسون في علوم متنوعة. وأنت تجد تهيئة الوقت والزمان والمكان بما يعينك على التفرغ لطلب العلم. وأنت تجد كذلك من الوسائل التي تشحذ فيه الهمم، ويتطلع الإنسان إلى أن يرتقي بالعلم من خلال زملائك في طلب العلم، ومن سبقك في هذه الطريق، ما يرفع من همتك ويجعلك ترجو أن تصل إلى ما وصل إليه من سبقك. وهذا كذلك موضع آخر من مواضع نعم الله عز وجل لنا في هذه الدور الطيبة المباركة. وهكذا كذلك أن تتيسر وتجتمع لك أسباب النبوغ في وقت قصير، وكذلك في مكان محفوظ، وهذه نعمة أخرى. فإنه ليس كل من رجى النبوغ نبغ، ومن أراد كذلك الرفعة ارتفع، ولكن ذلك بتوفيق الله سبحانه وتعالى وفضله ومنته ورحمته. ونقف هنا على ثلاث وقفات تعيننا معاشر طلبة العلم على الاستفادة من وجودنا في هذه المراكز الطيبة المباركة. وإلا فإن مباحث العلم كثيرة وأبوابه متشعبة، ولكن حسبنا أن نأخذ من العلم ما يعيننا على حفظه وفهمه وإدراكه والاستفادة منه. جاء عند الترمذي وغيره في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، المشهور: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم كمثل القمر ليلة البدر». وذكر النبي صلى الله عليه وسلم استغفار الملائكة، حتى الحيتان في البحر لطالب العلم، رضا بما يصنع، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. هذا الحديث العظيم تناول جملًا صغيرة مختصرة تحتوي على معاني غزيرة متشعبة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم في أول الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، فيه دليل أن طريق طلب العلم من أهم وأفضل الطرق التي توصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى، مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. لا يستوي من علم فصار يمشي ببصيرة، يعرف أين يضع قدمه، فلا يضعها إلا في مكان آمن، لا يمشي فيدوس شوكًا أو يرمي نفسه في حفرة أو غير ذلك مما يضره، لأنه يمشي ببصيرة بعلم، يميز بين النافع من الضار، ويميز بين الهدى من الضلال، ويميز بين الإيمان من الكفر، والسنة من البدعة، والمعصية من الطاعة، وغير ذلك مما يكون من نور العلم. وهذا إذا سار بهذه الطريق، سار في طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين هم يقودون إلى طريق الجنة. ما أرسل الله عز وجل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلا لأجل أن يدلوا أممهم ويعينوهم ويأخذوا بأيديهم إلى طريق الجنة. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجنادب والجراد يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم من النار، وأنتم تفلتون من يدي». ومعناه أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكتف بالدلالة على طريق الخير، بل من شدة حرصه أنه بذل كل ما يملك، حتى أنه كأنه من شدة حرصه متمسك بكل واحد من هذه الأمة من حجزته. والحجزة هي ربطة الخاصرة التي تربط بها خصرك إذا شددت الإزار عليه، فهو أشد ما يمكن أن يمسك به الإنسان. حتى في المصارع إذا استصارع رجلان، فأي مكان أقدر على السيطرة والقبض على الخصم؟ إنه الخاصرة. فلذلك قال: «وأنا آخذ بحجزكم من النار، وأنتم تفلتون من يدي». وهنا نعرف عظيم هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم في تشبيه العالم بالبدر، وتشبيه من دون العالم في العلم كالنجوم في السماء وسائر الكواكب، لأن البدر أكبر الكواكب التي هي منيرة، فهو بالنسبة لمن يأخذ ضوءه من الشمس أفضلها وأكبرها وأجملها، هو القمر ليلة البدر. ومن أين يأخذ هذا النور؟ يأخذ هذا النور من الشمس. والله عز وجل وصف نبيه عليه الصلاة والسلام أنه: ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾، والسراج المنير هو الشمس. ﴿وَجَعَلْنَا الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، أي الشمس. فالشمس هي مصدر النور، وهكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم مصدر النور، والكواكب تأخذ نورها من نور الله الذي أعطاه الله لهذا الشمس. فالأنبياء أخذوا النور من الله، ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والأنبياء أشعوا بهذا النور، واستنار بهذا النور من أخذ هذا العلم. فكلما كان أخذك للعلم واتباعك في العمل للأنبياء والرسل أكمل، كلما كنت أكثر إنارة وإضاءة. ولذلك لما كان القمر أقرب الكواكب إلى الشمس في أخذ الاستنارة منه، كان أكبرها وأجملها، مع أنه في الحقيقة يوجد أكبر منه، يوجد أكبر منه، لكن باعتبار القرب، باعتبار القرب والملازمة. القمر يلازم الشمس، ولذلك لم يذكر الله عز وجل الشمس إلا وذكر معها القمر، لأنه يستنير من نور الشمس. وكذلك العالم، فإذا ابتعد العالم عن مصدر العلم وأصله، وهو هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعلمهم وتراثهم، فإنه يضعف نوره. ولذلك صار للقمر منازل، أكبر وأفضل وأكمل منازله حين يكون في وقت البدر، حين يكون بدرًا. ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم العالم بأنه كالبدر. وكلما ابتعد عن العلم والعمل، طل نوره. فالناس يتفاوتون في هذا النور بتفاوت أخذهم العلم والإيمان والعمل من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ابتعد أكثر، فإنه يكون بعيدًا من النور، موجود وغير موجود، مثل مرحلة القمر في وقت المحاق، وقت المحاق يوم أو بعض يوم، يختفي النور عن القمر، والسبب أنه ابتعد عن الشمس. فإذا ابتعد عن الشمس لم يكن له نور، وهو موجود لم يكن له نور، وهو موجود. وكذلك ترى تفاوت الكواكب في نورها على صغرها، بحسب قربها وبعدها من السراج المنير، وهو الشمس. وهذا مثل عظيم، لو تدبرناه وتفكرنا فيه، وطبقناه على أنفسنا، لعلمنا أننا بحاجة إلى الاستزادة من العلم، ليأتينا من السراج المنير عليه الصلاة والسلام من العلم والمعرفة والعمل والصدق والإخلاص، ما يجعلنا نصل إلى مرحلة ودرجة البدر، التي هي أحسن وأفضل وأكمل منازل القمر. وقارن هذا مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الذين أتوا إلى مجلسه، كما في الصحيح. أما الأول آوى فآواه الله، وأما الثاني استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث أعرض فأعرض الله عز وجل عنه. فكذلك نحن أيها الأحبة، بحسب إقبالنا يأتينا من خير الله وفضله. وفي الحديث القدسي في الصحيحين كذلك: «من تقرب إلي شبرًا، تقرب، ومن تقرب ذراعًا، تقربت إليه باعًا». فإن فضل الله وعطاؤه فوق ما تعطي لنفسك، وتجتهد في الوصول إلى مرضات ربك. فإذا من أعظم الأمور التي ينبغي أن نلاحظها، أن الناس يتفاوتون في العلم والإيمان بتفاوت أخذهم العلم والعمل من هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والوقفة الثانية: وقفة في مراحل النبوغ في طريق طلب العلم. رُوي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنه ذكر مراحل نبوغ العالم بخمس مراحل. المرحلة الأولى: النية. وجاء عن غير ابن المبارك قال: الصمت. والمرحلة الثانية: الاستماع. والمرحلة الثالثة: العمل. والمرحلة الرابعة: ذكروا نشر العلم. وبعضهم جعله خامسًا، وذكر بدلًا منه: صبره على العلم. وقيل غير ذلك. فإذا طالب العلم لابد أن يتدرج ليصل إلى النبوغ بهذه الدرجات. الدرجة الأولى: أن يعالج نيته، وهو في وقت معالجة النية، يعين نفسه على إصلاح نيته بالصمت. فلذلك تجد المتطاول من طلبة العلم، الذين سماهم بعض أهل العلم: «أبو شبر»، يقول: عرفنا المتقفز، دخل طريق العلم شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، وإذا به يتنطط. ما رأيكم في فلان؟ ما قولكم في المسألة الفلانية؟ لماذا قلتم كذا؟ وقال فلان كذا. فكما قيل: «حب الظهور يقصم الظهور». فهذه القاصمة، إذا لم تعالج قلبك من أول أمر، فإن النية تتغير، يأتيك من العجب والخيلاء والكبر والكبرياء وغير ذلك من الأخلاق الذميمة، والحسد والمنافسة والمجادلة، ما يفسد عليك طريق العلم والنبوغ فيه. فلذلك نعتني بالنية. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي افتتح به الإمام البخاري صحيحه: «إنما الأعمال بالنيات». أهم شيء النية. أصلح نيتك يصلح الله عز وجل لك عملك، ويوفقك في طريقك. وفي وقت إصلاح النية، إلزم الصمت، لا يسمع لك صوت. ما تنافس طلبة العلم، فضلًا أن تماري وتجاري، تماري السفهاء وتجاري العلماء. فهذه المرحلة فقط الصمت، عالج قلبك، أصلح نفسك، أقبل على طريق العلم بصمت وهدوء. المرحلة الثانية: هي مرحلة الاستماع، تستمع ولا تتكلم، فقط خذ المعلومات. ولنا في قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام عبرة وعظة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن موسى صبر ولم يتكلف». فما الذي منع موسى عليه الصلاة والسلام من أن يستفيد أكثر من الخضر؟ هو عدم الاستماع، والسؤال في غير وقت السؤال، والاعتراض في غير مكان الاعتراض عليه الصلاة والسلام. فلذلك صار هذا درسًا عظيمًا لطالب العلم، أنه حين يطلب العلم يلزم الاستماع أكثر. استمع، اجمع. وكما كان يقول علماؤنا: «قمش ثم ماذا؟ ثم فتش». أولًا اجمع المعلومات، لا تستعجل. فاجتماع المعلومات سيجعل لك الكثير من الإشكالات. ولذلك كان الإمام الزهري رحمه الله يقول: «من رام العلم جملة، فاته جملة». الذي يريد أخذ العلم مرة واحدة، يفوته العلم كله مرة واحدة. لكن العلم هو يؤخذ بطريق التدرج. وانظروا إلى ما حكاه الصحابة رضي الله عنهم، أنهم كانوا يأخذون عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل. وهكذا بعد الاستماع يأتي العمل. وبعضهم ذكر الحفظ، منهم من قدم العمل، ومنهم من قدم الحفظ. وجمع بين ذلك بعض مشايخنا، فقال: تارة وتارة، يحفظ ويعمل. ومنه ما يحتاج أن يعمل لأجل أن يحفظ، فهناك من العلم ما يحتاج إلى عمل قبل الحفظ، وهناك من العلم ما يحتاج إلى حفظ ثم العمل. ولذلك كان علماؤنا ومشايخنا ومن سبقهم من صالح هذه الأمة، من الصحابة الأخيار، ومن تبعهم من التابعين وأتباع التابعين، يحرصون على العمل بالعلم، وكلما بلغهم شيء حرصوا على العمل به. ولنا في ذلك قصص وأخبار كثيرة، فيما يروى عن إمام أحمد، وعن عدد من الأئمة، بل وعن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. فالعمل يعين على الحفظ، ومن المحفوظ ما يحتاج أن يقدم إليه العمل. فأنت إذا أردت أن تقرأ القرآن بصلاتك، تقدم الحفظ على العمل. تقدم الحفظ. وإذا أردت أن تربي نفسك على صلاح نيتك وقلبك، تقدم العمل على العلم، على الحفظ. أصلح قلبك واجتهد في ذلك، ثم اجمع كل ما يتعلق بصلاح القلب، فيكون ذلك معينًا لك على الزيادة في العمل. فكانت هذه ثلاث خطوات ودرجات. وبعد ذلك يأتي نشر العلم. وكما قلنا: بعضهم جعل قبل ذلك: بذل العلم، ثم نشره، تصبر في أخذه، وبعد ذلك تنشره، فيكون ذلك محققًا لقول الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وأما الوقفة الثالثة والأخيرة، وبه نختم إن شاء الله تعالى، في هذه الوقفات المختصرة فيما يعيننا على الحفاظ على هذا الخير والاستمرار عليه: أن نعلم أنه كما ينبغي عليك أن تتدرج في أسباب التفوق والنبوغ، فكذلك ينبغي عليك أن تعين نفسك على الوصول إلى هذه الأهداف التي تريدها، والمقاصد التي تبتغيها، بهمة عالية وعزيمة قوية، همة عالية وعزيمة قوية. فالهمة العالية مقترنة بالعزيمة القوية، فبدون العزيمة القوية تصير العزائم أحلامًا وأماني. ما هو الذي يحول الأحلام إلى حقائق؟ همة عالية. يجتهد الإنسان أن يعزم أن يحفظ القرآن، ثم صار هذا هدفًا ومقصدًا، لكن هل بدأت ودخلت في مشروع حفظ القرآن؟ الجواب: الناس يتفاوتون في هذا. فمنهم من عنده نية وعزم، ولكنه لا يعمل، فتمر عليه الأيام والليالي والأسابيع والأشهر والأعوام، والنية موجودة، والعمل صفر. بينما غيره أراد هذه العزيمة الطيبة، وأتبعها بهمة عالية. هذه الهمة تفاوت فيها الناس. إنسان يحفظ القرآن، جعل لنفسه وقتًا ليتفرغ لحفظ القرآن في كل يوم، إذن سبعة أيام يجعل لحفظ القرآن. وآخر خمسة أيام أو ستة أيام. وآخر ثلاثة أيام. الجميع استمر في الحفظ، هل سيصلون إلى التمرة وما عزموا عليه؟ الجواب: نعم سيصلون، لكن الذي كانت عزيمته أكبر وأكثر، صاحب السبعة أيام سيصل قبل، والثاني سيصل بعده، والثالث سيصل بعدهم، لكن الجميع سيصل. بينما الذي عنده العزيمة، ولكن ما أتبعها بهمة وعمل، فتبقى أحلامًا وأماني. فإذن يا طالب العلم، أقبل على العلم. وعند ذلك ستجد حلاوة ولذة هذا العلم تجذبك إليها، تجذبك إليها. مثل الهداية، أقبل على الهداية يهديك الله. ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. إذن لابد أن تتقدم، تخطو خطوة إلى الأمام، وستجد لعنة من الله سبحانه وتعالى أن تتقدم أكثر وأكثر. وكلما تقدمت أكثر، أعطاك الله عز وجل من واسع فضله وعطائه أكثر. ولهذا قال في الحديث القدسي: «من تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا». أنت تمشي فقط شبرًا، يعطيك الله ذراعًا. ولذلك الذي يدخل في حفظ القرآن، أول أيام حفظ القرآن يكون عنده ثقل، لكن بعد أن تمر الأيام، يجد لهذه المعاناة التي يعانيها في الحفظ حلاوة ولذة. ويشعر أنه كالسمكة إذا أخرجت من الماء تموت. بغير العلم والقرآن والسنة والإيمان، يشعر الإنسان بأنه فارغ. لكن إذا عود نفسه على الفراغ وعلى الخور وعلى الكسل، فإنه ما يشعر أنه ميت. وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه في الصحيح: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». الحياة الحقيقية ليست أنك تأكل وتشرب وتتمتع من هذه الدنيا بما فيها من الملذات والشهوات، فالحيوانات تفعل هذا. ولكن الحياة الحقيقية هي أخذك للعلم والإيمان والسنة والقرآن، وسيرك بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فلذلك نحن بحاجة أن نجدد مثل هذه المعارف، وهذه المعاني، وهذه الخطوات في حياتنا، ونحولها من كلمات وجمل إلى واقع عملي. يا من تريد حفظ القرآن، هل التزمت بدخولك في حلقة القرآن؟ كم لك في طريق طلب العلم خمس سنوات، عشر سنوات، ولم تحفظ القرآن؟ جاء بعدك أطفال أصغر منك سنًا، وأضعف عقولًا، وكذلك أضعف قوةً، ثابروا وصبروا، وكانت لهم عزائم مهمة وهمة عالية، فسبقوك وحفظوا قبلك. وأنت كما قيل: «محل لك رايح». إذن راجع نفسك، أنت لم تطلب العلم على الوجه الصحيح، عندك أخطاء لابد أن تصححها. هؤلاء الذين نبغوا في العلم، من العلماء والدعاة والخطباء والقراء، ومن وفقهم الله في هذا الطريق، لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالصبر والمصابرة، والحرص والمثابرة، حتى رفعهم الله عز وجل إلى هذه الدرجات العلية، مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وها هنا وقفة أو لطيفة نختم بها هذه الكلمات، وهي: تذكر دائمًا أن الرفع أصعب من السقوط. إذا صعد على هذه الطاولة رجل كبير في السن، وكان في أسفل هذه الطاولة ولد صغير، فأراد الكبير أن يرفع الصغير، والصغير يشده، يجره إلى الأسفل، من الذي سيغلب؟ في الغالب الصغير الذي في الأسفل، لأن السقوط سهل، السقوط سهل، لكن الارتقاء والصعود إلى الأعلى صعب، ليس من السهل. الوالدان حينما يريدان أن يصلحا الولد، يريدان أن يرفعانه، يريدان له الرفعة، إذن لابد من الصبر في التربية والرعاية، حتى تستطيع أن ترفعه، تعينه على أن يرتفع درجة درجة. ولهذا جعل الله عز وجل العلم والإيمان درجات، لابد من هذه الدرجات، لا يمكن أن تبلغ بدون درجات. مثل الحديث كما كان يقول علماؤنا: «من رام الحديث بغير سلم، أخذ ما لا ينفعه من العلم، من الضعيف والموضوع وغيره، مما يضر أكثر مما ينفع». فكذلك أنت اجعل بين عينيك أن الرفعة عند الله في الدنيا والآخرة تحتاج منك صبرًا كبيرًا ومعالجة ومدة. مثل الرفع، أما السقوط بمجرد أن يترك ويهمل، الأبناء يسقط الابن، يصير ابنًا ساقطًا في الشوارع، يتلقفه رفقاء السوء، أهل السوء. لماذا؟ لأن أباه تركه وخلاه. ولذلك يقولون: «ابن إيش؟ ابن الشارع»، ليس له أب، ليس له أم. والسقوط سهل، ولذلك تجد تأثير السقوط أقوى من تأثير الصعود. إنسان سار في طريق العلم سنين، فصاحب بعض الأشرار لحظات، إذا به يجره إلى السقوط. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير». إذن تذكر هذا، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حفنة الجنة بالمكاره، وحفنة النار بالشهوات». طريق الجنة صعود، وطريق النار سقوط. ولهذا كان أعلى الجنة الفردوس الأعلى، الذي فوقه عرش الرحمن. وأعظم النار هو قعرها، حيث أهل النفاق، حيث أهل النفاق في قعر النار. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم بطريق العلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح نياتنا وأعمالنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.