التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  7

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 7

الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 7، الدرس السابع:من( ثم قال رحمه الله:دعاهم فلبوه رضاً ومحبة*فلما دعوه كأن أقرب منهم ... وقوله:ولله أسلموا أي انقادوا له محبة وتعظيماً ورجاءً لما عنده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعوة الله للحج واستجابة الناس

شرح دعوة الله للحج واستجابة الناس لها، مع توضيح معاني التلبية والرضا والمحبة لله. كما تمت مقارنة بين السفر إلى بيت الله الحرام والرحلة إلى الجنة.

مشقة السفر إلى الحج وفرحة الوصول

بيان مشقة السفر إلى الحج قديما وتحمل الحجاج للمشاق رغبة في الوصول إلى بيت الله الحرام، مع مقارنة بين ذلك والسفر إلى الآخرة والجنة.

الغرض من ذكر رحلة الحجيج وتأصيل معناها

شرح الغرض من ذكر رحلة الحجيج كأروع مثال لرحلة الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وتقريب هذا المعنى من خلال وصف رحلتهم وسيرهم وغرضهم.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال ثم قال رحمه الله: «دعاهم فلبوه رضا ومحبة، فلما دعوه كان أقرب منهم». قال: قوله «دعاهم» يعني الله عز وجل، وذلك في قوله: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾، وقوله «فلبوه» أي لبوا هذه الدعوة، وقوله «رضا» أي بشرعه، وهكذا كذلك رضا بفريضة ونسك الحج خاصة، وهو من شرع الله عز وجل. فلبوا لله عز وجل بما يكون في ألسنتهم من التلبية «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». وهكذا لبوا بأفعالهم بسعيهم وسيرهم إلى بيت الله الحرام، استجابة لنداء الله عز وجل لهم بحج بيته الحرام، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». فهذا من معاني التلبية. قال: وقوله «ومحبة» أي له سبحانه وتعالى. فإذا تلبيتهم لنداء الله عز وجل بلسان الحال وبلسان المقال لم تكن عن رضا فقط، بل عن رضا ومحبة. وإذا كان هذا في الحج والوصول إلى بيت الله الحرام، فكذلك وهذا المشهد المقصود منه الوصول إلى المشهد الأعظم، وهو الرحلة إلى بلاد الأفراح، وهي الجنة، جعلنا الله عز وجل وإياكم من أهلها. فقوله رحمه الله: «دعاهم فلبوه رضا ومحبة» أي كما أن هذا في الوصول إلى بلد الله الحرام وحج بيته سبحانه وتعالى الحرام، فكذلك هو بالوصول إلى جنة الله عز وجل. وأما قوله: «فلما دعوه كان أقرب منهم» يشير إلى ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديثه بموسى وغيره، حين رفعوا أصواتهم، فقال: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من أحدكم إلى راحلته». والمعنى أن الله عز وجل قريب من عباده، إنهم دعوه حتى لا يحتاج الداعي أن يرفع بصوته، ولكن يدعو دعاء دون ذلك. وكما هذا بالنسبة لمن يسير إلى بيت الله الحرام، فكذلك لمن يسير إلى الله عز وجل ويريد الوصول إلى رضوانه وجنته. قال: ثم قال رحمه الله: «تراهم على الأنضاء شعتا رؤوسهم وغبرا، وهم فيها أسروا وأنعموا، وهم فيها أسروا وأنعموا». قال: قوله «على الأنضاء» أي على الإبل التي قد هزلت من طول السير والمشقة. وقوله «شعتا رؤوسهم وغبرا» يعني من مشقة السفر وطوله، ولا سيما في الزمان السابق، وهذا كان من لوازم السفر بخلاف هذا الزمان الذي يسر الله عز وجل فيه السبل لعلمه بضعف خلقه، ولله الحكمة في سائر ما يجعل في خلقه ويدبر جل وعلا. قال: لأنهم كانوا يركبون الإبل ويسيرون على الأرجل، يتناوبون في الركوب، فهذا يركب تارة وهذا يمشي تارة. إن ركبوا تعبوا من الركوب، الواحد اليوم منه يركب السيارة ومع ذلك ماذا يتعب؟ بل ويركب الطائرة ومع ذلك يتعب، فكيف بناقة يركبها زمنا طويلا؟ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في أربع بقين من ذي الحجة، يعني في السادس والعشرين من ذي الحجة، ووصل إلى مكة وهو خرج من المدينة، والمدينة قريبة من مكة، ووصل إلى مكة لأربع مضين من ذي الحجة، يعني في الرابع من ذي الحجة، معناه سار كم؟ تقريبا ثمانية أيام، ثمانية أيام بين المدينة إلى مكة، واليوم بالسيارة أربع ساعات ونصف وأنت في مكة تقريبا. قال: ويسيرون على الأرجل، ولكنهم مع ذلك ومع هذه الحال، وصفهم رحمه الله بقوله: «وهم فيها أسروا وأنعموا» يعني ما دام الطريق طاعة وعبادة وقربة ووصول إلى مواضع محبوبة ومشتاقة فيها، يعني ومشوقة فيها شدة الشوق، النفس تميل إليها وترغب في تعجيل الوصول إليها، فإنه عند ذلك يحصل معنى الفرح والسرور والإنعام. بل إن العبد الذي وفق لحج بيت الله الحرام يرى نفسه أنه اختص بنعمة لم يوفق لها إلا من شاء الله إكرامه من عباده. وأنتم تلاحظون ذلك وترونه، كم من الناس يريد الحج ونفسه متعلق بالوصول لحج بيت الله الحرام، ولكن تمنعه الموانع وتعترضه العوارض، هذا لمرضه، وهذا لقلة نفقته، وهذا لكثرة أولاده، وهذا لصعوبة معاملته، وغير ذلك من العوارض والموانع. فمن يتيسر له يرى نفسه أنه قد وفق لنعمة عظيمة، فيهون عليه التعب والنصب والشعث وغير ذلك مما يلحقه في سفره، بل يرى نفسه في سرور ونعمة ما دام أنه سيصل إلى بلد الله الحرام. فكذلك السائر إلى بلاد الأفراح، فإن السائر إلى جنة الله عز وجل ينبغي أن يعتبر بهذا السير في الدنيا إلى بلد الله الحرام. كما أن السائر إلى بلد الله الحرام تزول معه المشقة بما في قلبه من الفرح والسرور والاقتبال بنعمة الله في توفيقه للوصول إلى بلد الله الحرام، فكذلك ينبغي أن يكون مثله وأضعافه بالنسبة لسيره ورحلته إلى بلد الله عز وجل الآخر، وكذلك المكان المعظم الآخر، وهو جنة الله سبحانه وتعالى التي فيها الإكرام الحقيقي والإنعام الدائم. قال رحمه الله: «وهم فيها أسروا وأنعموا» لأنهم إنما شعثت رؤوسهم لله عز وجل، وهذا ظاهر، وهو تقريب لمعنى آخر أعظم منه. قال: ثم قال رحمه الله: «وقد فارقوا الأوطان والأهل رغبة، ولم يثنهم لذاتهم والتنعموا». قال: معنى البيت أنهم فارقوا أوطانهم وأهلهم وتنعمهم ولذاتهم، فارقوا كل ذلك رغبة فيما عند الله عز وجل. ولهذا كان الحج نوعا من الجهاد، وأشار المعلق إلى عدد من الأحاديث التي تدل أنه من الجهاد، كحديث أبي هريرة عند أحمد وغيره بإسناد حسن: «جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة». وهكذا كذلك حديث عائشة، وهو جاء في البخاري وغيره، حين استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد أو في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج». وقال في الحديث الآخر: «إن على النساء جهادا، وهو الحج». فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الحج من الجهاد، وفيه مشاق كثيرة، ومنها ما ذكره المؤلف: مفارقة الأوطان والأهل، ولكن كل ذلك يهون ويزول بالفرح والسرور والاغتباط بنعمة الله عز وجل عند الوصول إلى بلد الله الحرام. وهذا قوله: «ولم يثنهم لذاتهم والتنعموا» يعني لم يكن هذا مؤخرا لهم، بل إنهم لشدة حبهم وشوقهم ورغبتهم فارقوا الأوطان والأهل رغبة. فكذلك ينبغي أن يكون لمن يسير ويريد ما عند الله من رضوانه ونعيمه في جنته، فالسائر إلى بلاد الأفراح كذلك ينبغي أن يكون عنده من جنس ما عند الحجيج. قال: ثم قال رحمه الله: «يسيرون من أقطارها وفجاجها رجالا وركبانا، ولله أسلموا». قال: قوله «من أقطارها وفجاجها» أي من كل الأقطار، فيأتون من أقصى شرق آسيا ومن أقصى المغرب، يأمون هذا البيت. ولقد حدثنا المشايخ الذين كانوا يمرون بنا ويسمون عند العامة «الدراويش»: أن الواحد منهم يبقى ستة أشهر، ينزل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة حتى يصلوا إلى مكة. وهذا يذكره شيخنا رحمه الله في زمانه وبلده بلدة عنيزة، يعني يمر بهم بعض أهل المغرب والعراق الذين يأتون إلى الحج متنقلين، فيأخذون في هذا قرابة ستة أشهر. وهو يريد بهذا أن يبين مدى المشقة التي يلاقيها بعض الناس وهم يأتون من أطراف الدنيا وأقطارها. وهذا الذي أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى، إشارة منه أن الناس يتحملون ذلك ويسلون أنفسهم بالفرح والسرور والغبطة بنعمة الله إذا وصلوا إلى بلد الله الحرام. ولهذا فهم يؤدون ذلك كله بغاية الحب والرضا، وبغاية الرغبة والشوق. ولهذا قال: «ولله أسلموا» يعني استسلموا لله عز وجل في تحمل كل ذلك طاعة له جل وعلا، ورغبة وحب. قال: وقوله «ولله أسلموا» إنقاذ له محبة وتعظيما ورجاء لما عنده. وكما كان هذا في الوصول إلى بلد الله الحرام، فكذلك الرحلة إلى بلاد الأفراح، فالناس يسيرون كل من بلده وكل من وجهته حتى يصلوا إلى الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن يكون الإعداد لتلك الرحلة والفرح والسرور والغبطة بما يكون فيها أعظم من هذه الرحلة التي هي كذلك مثال وتقريب لذاك. ولهذا ذكر العلماء أن من حكمة الحج أنه يذكرهم باجتماعهم يوم القيامة والمحشر عند ربهم سبحانه وتعالى، في رحلتهم وسيرهم إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا جعل المؤلف رحمه الله هذا الفصل وهذا المشهد في ذكر الحجيج ورحلتهم وسيرهم، فهو من أروع الأمثلة وأقربها في رحلة الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وغرضهم وطمعهم في الوصول إلى بلاد الأفراح. فهذا تقريب لذاك المعنى. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.