الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( فقال:وينشر ديوان الحساب وتوضع الـ*الموازيين بالقسط الذي ليس يظلم ... وهذا كثيراً ما يكون ولا سيما في الحوادث التي في الطرق السريعة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى ديوان الحساب والموازين يوم القيامة حيث تُنشر كتب الأعمال وتوزن في ميزان ذي كفتين. يُدلل على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يذكر أن صحف الأعمال هي التي توزن يوم القيامة، ويستدل بحديث الترمذي عن البطاقة التي ترجح كفة الحسنات. كما يشير إلى أن أعضاء الإنسان تشهد عليه بما عمل.
يشرح حال الإنسان يوم القيامة عند استلام كتابه ويحث على اغتنام العمر في الطاعات، ويحذر من الموت الذي يأتي فجأة. كما يشير إلى أن الموت يدرك الإنسان أينما كان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، في تعليقه على القصيدة الميمية للإمام بن القيم، رحمه الله تعالى. قال: «وينشر ديوان الحساب وتوضع الموازين بالغرب في القصط الذي ليس يظلم، فلا مجرم يخشى ظلامة ذرة ولا محسن من أجره ذاك يهضم». قال الشارح، رحمه الله: قوله «ديوان الحساب» يعني الصحف التي كتب فيها ما عمله الإنسان. قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال الحسن، رضي الله عنه: «لقد أنصفك من جعلك حسيبا على نفسك». فهذا هو الإنصاف. وقوله «وتوضع الموازين» أي الموازين جمع ميزان، وهي حسية. وكل ميزان له كفتان ترجح إحداهما على الأخرى. وما الذي يوزن؟ الجواب: قيل الذي يوزن هو الأعمال، يجعلها الله سبحانه وتعالى أجساما وتوضع في الموازين. كما جعل الله الموتى، وهو معنى من المعاني، جسما، فإنه يؤتى به يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار. قال: ومما يدل على أن الذي يوزن هو الأعمال قول الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وقال بعض أهل العلم: إن الذي يوزن هو صحف الأعمال، واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى برجل تعرض عليه أعماله في صحفه، فيوضع له سجلات مد البصر كلها أعمال سيئة، حتى إذا رأى أنه هلك، قيل له: إن لك عندنا حسنة، فيؤتى ببطاقة ليست بشيء بجانب هذه السجلات، فيقول: ما شأن هذه البطاقة إلى هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، ثم توضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فترجح بهن البطاقة. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأبيات في سياق ذكره لرحلة الناس إلى بلاد الأفراح، ومن يوفق إلى ذلك في رحلته ومن يحرم التوفيق. وفي سياق ذكره، وهو ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، كما مر معنا، ذكر في هذا الموضع ما يتعلق بأحوال الناس في اليوم الآخر. ثم قال رحمه الله: «وتشهد أعضاء المسيء ما جنى، كذاك على فيه المهيمن يختم». قال شيخنا رحمه الله في شرحه: الله أكبر، فإنه في يوم القيامة يحاول المشركون أن يجحدوا، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيحلفون ظنا منهم أنهم إذا كذبوا في الآخرة نجوا كما كانوا ينجون في الدنيا. فقال الله تعالى: «انظر كيف كذبوا على أنفسهم»، فيختم على أفواههم، والعياذ بالله، فتشهد عليهم أيديهم بما عملوا باليد، وأرجلهم بما عملوا بالمشي، وجلودهم بما عملوا باللمس، وألسنتهم بما عملوا بالنطق، فلا يبقى لهم بعد ذلك من عذر، فينكرون على جلودهم: «لما شهدتم علينا؟» قالوا: «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون». ثم قال رحمه الله: «فيا ليت شعري كيف حالك عندما تقاير كتب العالمين وتقسم، أتأخذ باليمنى كتابك أم تكن بالأخرى وراء ظهرك منك تسلم وتقرأ فيه كل شيء عملته، فيشرق منك الوجه أو هو يظلم؟ تقول: كتابي فاقرأوه، فإنه يبشر بالفوز العظيم، ويعلم». فإن تكن الأخرى، فإنك قائل: «ألا ليتني لم أوته»، فهو مغرم. قال: فهذه حال الإنسان عندما يعطى كتابه، إما باليمين وإما بالشمال. فإن يعطى باليمين افتخر وفرح وسر، وقال: «ها اقرأوا كتابيه». وهذا كما يعرض الإنسان ورقة نجاحه على الناس، ويقول: انظروا إلى ورقة نجاحي، فأنا ناجح ودر، وما أشبه ذلك. وأما من أوتي كتابه بشماله، فهو بالعكس، والعياذ بالله، فإنه يقول: «يا ليتني لم أوت كتابي، ولم أدري ما حسابي». أي: ليتني لم آخذ كتابي، وليتني ما عملت حسابي. ولكن هذا لا ينفعه، لأنه حينئذ يسفر وجه من أخذ كتابه بيمينه، ويظلم وجه من أخذه بشماله. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. وقوله: «فيا ليت شعري كيف حالك» يعني: ليتني أشعر ماذا يكون حالك. والجواب: أنه لو شعر بحاله لشعر بأمر عظيم، سرورا أو حزنا. ثم قال رحمه الله: «فبادر إذن ما دام في العمر فسحة، وعدلك مقبول، وصرفك قيم، جد وسارع، واغتنم زمن الصبا، ففي زمن الإمكان تسعى وتغنم». ومعناه: أن الإنسان ينبغي ما دام قد وفقه الله لوقت الإمكان أن يستغل عمره فيما يكون به دخرا ونفعا يوم القيامة. وقوله: «واغتنم زمن الصبا» الإنسان في وقت الشباب يستطيع إلى ما لا يستطيعه في غير زمن الشباب. فكم من شيخ كبير يتمنى أن يعود عليه الشباب فيفعل ما لم يستطيعه في وقته. وهذا يدل على أنه مما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان على وجه الخصوص. وقوله: «وسر مسرعا، فالموت خلفك مسرع، وهيهات ما منه مفر ومهزم». هذا من بلاغة وفصاحة المؤلف رحمه الله. فقوله: «وسر مسرعا، فالموت خلفك مسرع» معناه: أنه شبه مشي هذا الإنسان في الدنيا بمطاردة وملاحقة بين هذا الإنسان وسيره وبين الموت الذي يتبعه خلفه. فـ «هن المنايا» أي: واد نزلته، عليها القدوم أو عليك ستقدم. كما أشار شيخنا رحمه الله. ومما يدل على ذلك ما أشار إليه في الآية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.