التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  24

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 24

الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 24، الدرس الرابع والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:ولو تبصر الدنيا وراء ستورها*رأيت خيالاً في منام سيصرم ... وجلسنا مع فلان وجلس معنا وهو الآن في قبره مرتهن بعمله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تشبيه الدنيا بالحلم العابر ومفهوم زوالها

شرح تشبيه الدنيا بالحلم الذي يزول بسرعة، واستشهاد بآيات قرآنية توضح سرعة مرور الزمن. دعا إلى التفكر في زوال الدنيا وفناء ما فيها.

وصف الدنيا كخيال في المنام والعبرة منه

شرح لبعض الأبيات التي وصف فيها الإمام ابن القيم الدنيا بخيال في المنام يزول بانتهاء النوم. هذه الأوصاف تهدف إلى إعطاء العبرة والعظة للمؤمنين.

تحذير من الاغترار بالدنيا وجعلها دار ممر

شرح معنى الطيف والحلم في المنام وتشبيههما بالدنيا، مبينا أن كلا منهما زائل ولا ينبغي الاغترار بالدنيا بل جعلها دار ممر لا دار مستقر.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي والصلاة على النبي

تأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، وختام بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال ثم قال رحمه الله: «ولو تبصر الدنيا وراء ستورها رأيت خيالا في منام سيصرم». قال الله أكبر، فهذه حال الدنيا، وقد شبه المؤلف رحمه الله بعدة أمثلة، فقال: «كحلم بطيف زار في النوم وانقضى المنام وراح الطيف والصب مغرم». قال: قوله «الطيف» هو ما يطوف بالإنسان في النوم مما يحبه من إنسان أو حيوان أو غيرهما، ويريد المؤلف رحمه الله في هذا البيت أن يشبه حال الدنيا بإنسان رأى في منامه شيئا أحبه، أي أن كان هذا الشيء بشرا كان أو غيره، ثم انقضى عنه هذا النوم، ولكنه انقضى وقلبه متعلق بما رأى، فاشتاق إلى الحصول على ذلك. وهكذا الدنيا كأنها أحلام نائم. وأنت لو تدبرت الأمر وتذكرت لما كنت صغيرا تلعب مع زملائك في السوق وتفرح وتمرح، ولما كنت مع أهلك الذين كانوا عندك في البيت: أمك وأبيك وأختك وأخيك وولدك وزوجك، كيف كانوا كلهم معك على ظهر الدنيا ثم ذهبوا وزالوا وراحوا عن الدنيا، وما بقي لهم إلا الجزاء فقط، وكأنهم لم يكونوا على هذه الدنيا. فلو تدبرت هذا الأمر فستجد أن ذلك كالحلم الذي راح وكأنه لم يكن، أو كالحلم الذي رأيته البارحة أو في أقرب نومة نمتها وذهبت. فاعتبر هذا المستقبل الذي تراه أمامك وكأنه آلاف السنين بهذا الماضي؛ لأنه سوف يزول كما زال ما مضى. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، فهكذا الدنيا كأنها ساعة من نهار. وأنت الآن مخبر تتحدث عن غيرك، يعني اليوم أنت تتكلم عن غيرك، فأنت المتكلم والمخبر وتقول: كان فلان وصحبت فلانا وزارني فلان وزرت فلانا، فتخبر عما مضى. وغدا ستكون خبرا يتحدث عنك، ويقال: زرنا فلانا وزارنا فلان وجلسنا مع فلان وجلس معنا، وهو الآن في قبره مرتهن بعمله، فرحمه الله رحمة واسعة. وها نحن اليوم نذكر كلامه رحمه الله ونقول: قاله رحمه الله، وكان قد درسه رحمه الله. فنسأل الله عز وجل أن يحسن خاتمتنا. هذه التعليقات من شيخنا رحمه الله على هذا البيت، وهذه الأبيات العظيمة التي هي من أحسن الأبيات التي صيغت في وصف هذه الدنيا، فقد وصفها هذا الإمام الجليل رحمه الله بوصف عظيم يصوره لنا تصوير الموجود، فحول لنا المعنى إلى حس بشدة دقة هذا التصوير الذي صور به رحمه الله هذه الدنيا. وقد مثلها بأمثلة كثيرة كما سيأتي في الأبيات، فقال أولا: «ولو تبصر الدنيا وراء ستورها رأيت خيالا في منام سيصرم كحلم بطيف زار في النوم وانقضى المنام وراح الطيف والصب مغرم وظل أرته الشمس عند طلوعها سيقلص في وقت الزوال ويفصم ومزنة صيف طاب منها مقيلها فولت سريعا والحرور تضرم ومطعم ضيف لذ منه مساغه وبعد قليل حاله تلك تعلم». «كذا هذه الدنيا كأحلام نائم ومن بعدها دار البقاء ستقدم». فهذه بعض الأوصاف التي وصف بها الدنيا، ثم قال بعدها: «فجزها ممرا لا مقرا وكن بها غريبا تعيش فيها حميدا وتسلم أو ابن سبيل قال في ظل دوحة وراح وخلى ظلها يتقسم أخ سفر لا يستقر قراره إلى أن يرى أوطانه ويسلم». «فيا عجبا كم مصرع وعظت به بنيها ولكن عن مصارعها عمو». فوصف هذه الدنيا بهذه الأوصاف الدقيقة الجليلة التي تجعل في قلوب المؤمنين العبرة والعظة. فمن أول هذه الأوصاف ما وصفه في هذين البيتين بقوله: «ولو تبصر الدنيا وراء ستورها رأيت خيالا في منام سيصرم كحلم بطيف زار في النوم وانقضى المنام وراح الطيف والصب مغرم». وفسر الشيخ رحمه الله هذا البيت الذي وضح فيه الإمام ابن القيم رحمه الله أن مثل هذه الدنيا كخيال كان في منام، فإنك إذا كنت في المنام وخيلت لك ما تراه في حلمك، فإنك ترى ذلك كطيف زارك في نومك. والطيف هو ما يراه الإنسان كما قال الشيخ رحمه الله من إنسان أو غيره في منامه مما يسر به، ثم انقضى هذا الخيال وذهب هذا الحلم وزال ذاك الطيف. فعند ذلك يبقى الصب مغرم، يعني يبقى القلب متعلقا لشدة ما رآه من منظر طيب أحبه. وكما قلنا: الصب معنى من معاني الحب فيما تقدم من أبيات سابقة. فماذا عسى أن ينفع هذا الإنسان تعلقه بذاك الخيال وهو شيء مر عليه وعبر وانتهى؟ وكذلك هذه الدنيا، والمقصود أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بها. فمهما مر عليك منها شيء، فنهايته نهاية هذا الخيال والحلم الذي تراه في نومك. فأحسن ما ترى في المنام، ماذا عساك أن تفعل به؟ هل تستطيع أن تبقيه معك؟ ما تستطيع. وكذلك كل ما يمر علينا في هذه الدنيا فهو شيء لا بد أن يزول من بين أيدينا، فتبقى آثاره كأحلام النائم وكخيالات ذلك الطيف الذي مر عليك وأعجبك، ولكنك لم تستطع أن تبقيه معك. وكذلك ذكريات هذه الدنيا تبقى، ويبقى في القلب الصب المغرم بما كان، حتى أن أهل الجنة يتذاكرون ما وقع في هذه الدنيا فيصير عندهم كالحلم الذي مر. وكذلك الطيف الذي كان في الخيال عابر. فإذن المقصود أن المؤلف رحمه الله أراد بهذا بعد تلك الأبيات العظيمة التي مرت أن يضع العبرة في قلوب السائرين إلى بلاد الأفراح أن لا يغتروا بهذه الدنيا، وأن يعلموا أن مثلها كمثل ذاك الطيف في ذاك الحلم والخيال الذي يمر بالإنسان. فكما أن الحلم لا يبقى ولا ينتفع منه بشيء ويزول من بين يديه، فكذلك هذه الدنيا مهما جلس فيها الإنسان فكلها ستذهب من بين يديه، ولن يبقى له شيء، وإنما تبقى الذكريات كتلك الذكريات. فلذلك لا ينبغي أن يؤثرها أحد عاقل علم هذه الحقيقة فيها أن يؤثرها على الآخرة الباقية الدائمة، بل يجعلها دار ممر لا دار مستقر. نسأل الله عز وجل أن يصلحنا وأن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وأن يختم لنا بحسن الخاتمة. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.