الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 13، الدرس الثالث عشر:من( وقوله رحمه الله:فلو كان يرضي الله نحر نفوسهم*لدانوا به طوعاً وللأمر سلموا ... وقوله العتيق أي القديم وقيل الذي يعتق من النار من طاف حوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح معنى التسليم لأمر الله والجهاد في سبيله، ويفرق بين الجهاد الحقيقي والعمليات الانتحارية. يستدل بآيات قرآنية وقصص تاريخية على أهمية التسليم.
يشرح فضل الشهادة في سبيل الله ونعيم الشهداء في الحياة البرزخية، حيث يرزقون ويفرحون بما آتاهم الله ويستبشرون بإخوانهم.
يشرح كيف يجد المؤمنون لذة في الطاعة والعبادة، ويكرمهم الله بجنته ورؤيته في الآخرة، بينما يراها غير المؤمنين مشقة.
يشرح نعيم وجوه المؤمنين يوم القيامة ونظرهم إلى ربهم، ويوضح أن هذا النعيم نتيجة إحسانهم في الدنيا وإتمام أعمالهم الصالحة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: وقوله رحمه الله: ﴿فَلَوْ كَانَ يُرْضِي اللَّهَ نَحَرُوا أَنْفُسَهُمْ طَوْعًا وَلَلأَمْرِ سَلَمُوا﴾، قال: يعني رحمه الله أنه لو رضي الله منهم أن ينحروا نفوسهم لنحروها ولذبحوا أنفسهم. وانظر إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أمره الله تعالى أن يذبح ابنه امتثل، مع أنه ليس له ابن سواه، فقد جاء على كبر، ولكنه امتثال لأمر الله استسلم، إلا أن رحمة الله عز وجل أدركته، فأوحى الله تعالى إليه أن يفديه بذبح عظيم، وآتاه أجره كاملا. قال: وابن إسرائيل لما قيل لهم في التوبة: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أخذوا السكاكين واجتمعوا، ثم صار بعضهم يقتل بعضا تحقيقا للتوبة. فالمؤمنون لو أن الله رضي منهم أن يقتلوا أنفسهم لقتلوها. فلو قال لك ربك: أقتل نفسك، فمقتضى الإيمان أن تقول: سمعا وطاعة، وتقتل نفسك. والله عز وجل أرحم بنا من أنفسنا، ولكن تمام الإيمان والتسليم لله رب العالمين يستلزم أن يكون المؤمن من كمال طاعته وذله وخضوعه وتسليمه أن يقول: سمعت وأطعت، يعني لو أمر بمثل ذلك. وليس أدل على ذلك من استجابة أهل الإيمان الصادقين لنداء الله عز وجل في الجهاد في سبيل الله، ويعلمون أنه كلما كان العطاء أكثر كان الأجر أكبر. فمن رجع من الجهاد وقد زهقت نفسه وذهب ماله فقد استوفى الأجر الأعظم. قال: ثم ضرب المؤلف رحمه الله مثلا فقال: «كما بذلوا عند الجهاد نحورهم لأعدائه حتى جرى منهم الدم»، قال: فالمؤمن حقا المحب لله والمعظم له لا يهمه أن يقدم نحره لعدوه وعدو ربه إعلاء لكلمة الله عز وجل. وليس معنى ذلك -لا شك- أن يقتل نفسه أو يهلك نفسه بتيسير أمر قتله من قبل عدوه، فإن هذا لا يحبه الله ولم يأذن به الله. فقاتلوا النفس حتى في أرض المعركة في النار، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك في قصة الرجل الذي تعجب الناس من شجاعته وصيته على الكفار حتى أثنوا عليه، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر ليس كذلك وأنه في النار، حتى تبعه رجل فأتى بخبره، فإذا به أصابته جراحة فلم يصبر حتى قتل نفسه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق له بما قال، أي من تتبع خبره. والقصة في الصحيح. والشاهد أن قتل النفس ولو في أرض المعركة لا يحبه الله، بل هو من موجبات النار، إلا أن يتغمد الله عز وجل من يشاء برحمته وعظيم عفوه. فما يفعله بعض الناس وما يفتي به كذلك آخرون في العمليات الانتحارية وأنه من الجهاد في سبيل الله، هذا ليس من الجهاد بل من الفساد، فلا يحبه الله ولم يأذن به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس هو مما يحصل به إعلاء كلمة الله، بل العكس يكون فيه تسلط الأعداء على المسلمين، فهو عمل فاسد من أوجه كثيرة. قال رحمه الله: «ومعنى البيت أنهم بدلوا نحورهم لأعداء الله حتى جرى منهم الدم»، حتى إن الواحد منهم كان إذا طعن يقول: «فستو رب كعبه»، فهو يرى أن هذا فوز كما وقع في غزوة أحد لعدد من الصحابة. قال: «وهو والله فوز لأنه ينتقل بذلك من حياة الصخب والندم والتعب والحزن والتنغيص والتكدير إلى دار فيها ما لا عين رات ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، فصوصا وأن هذا الانتقال انتقال مباشر، وأن هذا الانتقال كذلك انتقال مكفر لما سبق من أعمال قد يحصل فيها شيء من التقصير. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله يغفر للشهيد بأول درفة دم كل شيء»، ثم قال: «إلا الدين»، أخبرني به جبريل آنفا. وهكذا كذلك انتقال مباشر كما سيذكر الشارح رحمه الله في الآية ونحوها من الآيات. قال: قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فبمجرد قتلهم وموتهم ينتقلون إلى حياة أخرى، فهم أحياء في قبورهم لهم الحياة البرزخية والنعيم المقيم من أول انتقالهم من الدنيا، فمثل ذلك فوز عظيم. قال: وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، هذه الإضافة إلى الربوبية خاصة لم ينلها إلا من كان مثلهم أو أعلى منهم كالصديقين والشهداء، فهم أعلى منهم كالصديقين والأنبياء، فإن الأنبياء والصديقين أعلى من الشهداء. قال: وقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فإن الشهيد حي يرزق، وكما في الحديث: «أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح بالجنة وتأكل حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش»، وهذا خاص بالشهداء، والحديث كما أشار المعلق في الصحيح مسلم. قالوا: هذا فضل عظيم أنهم لما خرجت أنفسهم من هذه الأجساد الترابية جعلت في أجساد طير أخضر يسرحوا في الجنة، ولذلك كان قتلهم في سبيل الله فوزا لهم. قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ليس فقط فرحوا بما آتاهم الله، بل ومن شدة حبهم الخير لإخوانهم الذين تركوهم خلفهم أحبوا لهم ما أحبوا لأنفسهم، فهم يستبشرون بنعمة الله أن تصل إليهم كما وصلت إليهم. والمؤلف رحمه الله يذكر هذه الأبيات ليبين رحمه الله كيف أن المشاق تزول في أداء طاعة الله عز وجل وفعل مراضيه، وإذا كان هذا في مثل هذا المثل القريب فهو كذلك أعظم في المثل البعيد والرحلة الأطول، وهي الرحلة إلى بلاد الأفراح. قال رحمه الله: ثم قال رحمه الله: «ولكنهم دانوا بوضع رؤوسهم وذلك ذل للعبيد وميسم»، قال: قوله «ميسم» أي علامة على الذل، الميسم معروف العلامة وغيره من العلامات التي تكون على الجسد. ومراده رحمه الله أنهم لم يقتلوا أنفسهم لأن الله أرحم بهم، ولكن استجابوا لربهم في ترك الترفه حين أمرهم بحلق وتقصير رؤوسهم، ففعلوا ذلك إظهارا لذل العبودية وكمال الطاعة لربهم سبحانه وتعالى. فتركوا ما يحبون وما يشتهون طلبا للوصول إلى طاعة الله، وهم مع هذا ليسوا في حزن بل في غاية الفرح، إذ وفقهم الله لهذا العمل الصالح. بينما غيرهم من لم يعرف معنى محبة العبادة ولذة ذل العبودية، وكذلك حلاوة صدق المناجاة والطاعة، يرى أن هذا محل حزن، وربما كذلك وقع في نفوس بعض الجهال نوع من الأسى والتألم والشفقة على هؤلاء الحجاج إذ فعلوا بأنفسهم ما فعلوا، وذلك بسبب ضعف إيمانهم أو عدمه إن كان هذا الناظر والمشفق من الكفار. وأما أهل الإيمان الذين ذاقوا حلاوة الإيمان لا يجدون في هذا نقصا ولا بؤسا ولا شقاء، بل يجدون في هذا كمال والبهجة إذا اختصهم الله ووفقهم لهذا العمل دون غيرهم. فهي مشاق ومتاعب، وكذلك ترك لشهوات وملذات ومحلة رفاه، ومع ذلك يجد الإنسان في نفسه الفرح والبهجة ولذة الطاعة والعبادة. فكذلك إذا كان هذا في حق مثل هذه العبادة في الدنيا، فكذلك في الدار الآخرة، فإن المؤمن إذا صدق مع ربه تلذذ بالطاعات وعشق طريق العبادات، ووجد في هذا الراحة له، بل يرى أن الله خصه من بين أناس كثر حرموا طريق العبادة والطاعة وحقيقة الاستقامة والسير إلى الله عز وجل، فهو لا يرى نفسه في شقاء بل يرى نفسه في محل كرامة وشرف وعز وفضل وفق له ولم يوفق إليه الكثير. وهذا الفرق بين حال المؤمن وحال الكافر والفاجر، وهذا يعين العبد جدا في رحلته إلى بلاد الأفراح، فإنه تسهل عنده العبادات والطاعة والاستقامة، وكل ما يلاقيه المؤمن في سيره إلى ربه جل وعلا. قال: ثم قال رحمه الله: «ولما تقضوا ذلك التفت الذي عليهم وأوفوا عليهم وأوفوا نذرهم ثم تمموا»، قال: معنى البيت أنهم تحللوا وقصوا أظفارهم وقصوا ما ينبغي قصه من الشعور وأزالوه، وأوفوا النذر بذبح الأنساك. فإذا قوله: «ولما تقضوا ذلك التفت الذي» أي لما وصلوا إلى وقت التحلل، فالمراد بالتفت استباحة ما كان ممنوعا، والمراد به هاهنا التحلل بعد الإحرام. وأوفوا نذرهم لم يكن منهم نذر، لكن عقد الإحرام مثل النذر، كما أن الناذر يلزم نفسه بما لم يلزمه الله، كذلك المحرم حين يدخل بالإحرام ألزم نفسه طاعة لله واستجابة لنداء الله بما ليس هو ملزم به أصلا، يعني إذا لم يدخل في الإحرام. فدخوله في الإحرام كان فيه معنى من معاني النذر، فلما أتمه وتممه كان له ما سيأتي ذكره في البيت الذي بعده مما تكون به بهجته وفرحه. قال: ثم قال رحمه الله: «دعاهم إلى البيت العتيق زيارة فيا مرحبا بالزائرين وأكرموا»، أي دعاهم الله عز وجل إلى البيت العتيق. وقوله «العتيق» أي القديم، وقيل: العتيق الذي يعتق من النار من طاف حوله، وكل المعنيين صحيح، فهو قديم وهو كذلك سبب للعتق من النار. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطواف بالبيت والمسح بالركن يحط الخطايا حطا. والمراد بهذا أن الله عز وجل أكرم الحجيج بعد تحللهم في اليوم العاشر وذبحهم لأنساكهم بزيارة بيته، فأكرمهم الله عز وجل بهذه الزيارة إلى هذا الموضع المحبوب والمعشوق طاعة لله ورغبة فيما عند الله. فكذلك السائر إلى بلاد الأفراح، فإذا وفى بوعده والمراد بالندر هذا العهد والميثاق الذي أخذه الله على بني آدم من عبادته وعدم عبادة غيره، وطاعته وعدم معصيته، والسير بما فيه كمال العبودية له سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يكرمهم بجنته ورؤيته سبحانه وتعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة، انظر لما أتموا أعمالهم ووفوا نذورهم بإحسانهم أحسن الله عز وجل إليهم بالحسنى وهي الجنة وزيادة، وهو النظر إلى وجه الله جل وعلا. ومثله النظر كذلك في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي من النظارة والجمال وهو من آثار النعيم إلى ربها ناظرة، أي إلى الله عز وجل تنظر نظر النعيم والإكرام.