الدرس في شرح كتاب وظائف رمضان للعلامة ابن باز رحمه الله 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع استبشار المسلمين بقدوم شهر رمضان المبارك، ويشرح الأحاديث النبوية التي تبين فضائل هذا الشهر. كما يشير إلى ضعف بعض الأحاديث ولكن يؤكد أن المعنى العام لها صحيح ومؤيد بأحاديث أخرى صحيحة.
شهر رمضان هو شهر عظيم تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار، ويُصفد فيه الشياطين، وهو فرصة للمؤمنين لاغتنام الخيرات والمسارعة إلى الطاعات. ينبغي للمؤمن أن يكثر في رمضان من الأعمال الصالحة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن في رمضان، ويوصي بالاستكثار من تلاوته والصدقات. من صام رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.
المقطع يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر المقطع تواضع المتحدث واعترافه بحدود علمه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم واختصر في هذه الأوراق، وفي هذا المختصر، باختصار عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى، وتعليقي وشرح شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى. وقرأنا الدرس الأول الحديث الذي ذكره رحمه الله، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال رحمه الله تعالى: «وَرُوِيَ: أَتَاكُمْ رَمَضَانُ سَيِّدُ الشُّهُورِ، فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا». وتقدم أنه لم يصح مرفوعًا، ورُوِيَ موقوفًا، وأشار في التعليق إلى ذلك. قال: «جاء شهر الصيام بالورقات، فأكرم به من زائر هو آتي». وهذا البيت من باب الترحيب والتبشير بقدوم هذا الشهر، عملًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا عن عبادة مرفوعًا: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله». رواه الطبراني، ورواته ثقات. وهذا الحديث كذلك فيه ضعف، كما أشار إليه محمد بن أبي قيس، وكذلك فيه انقطاع، وبعض جملة فيه شيء من الغرابة. وأصل المعنى في بعض جملة صحيح، فهناك جمل تدل عليها أحاديث صحيحة أخرى تغني عن هذا الضعيف. وخلاصته الاستبشار بهذا الشهر، وسيأتي بشرح الشيخ رحمه الله. قال البخاري ومسلم عن نبي هريرة رضي الله عنه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين». ولمسلم: «فتحت أبواب الرحمة». وله أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». رواه الترمذي والنسائي والحاكم. وهذا حديث بهذا الإسناد حسن أو صحيح. وقد ورد أصله في الصحيحين، كما تقدم في حديث أبي هريرة المتقدم. اللهم أن فيه بعض الزيادات، معناها صحيح، تدل عليه أحاديث أخرى فلها شواهد، وكذلك معناها فتصح من أوجه أخرى. وفي هذه الأحاديث مع ما فيها من الاستبشار بالشهر، وهذا هو المقصود من إيرادها، فيها كذلك ما تقدم مما أكرم الله عز وجل به أهل هذا الدين، إعانة لهم على الخير، بأن تفتح أبواب الجنة بكثرة أبواب الطاعات وتسهيلها، وتغلق أبواب النيران بتصفيد الشياطين ومردتها كما تقدم، وكذلك إيجاد أسباب القرب من الخير والبعد من غيره. وكل هذا إعانة للإنسان في هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات التي تعينه كلها على أن يقبل في هذا الشهر على ما ينفعه وما فيه الخير له، فيكون سببًا في تكفير ما مضى والاستزادة من الحسنات لما يأتي، إنعامًا وإكرامًا من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: شرح سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد. قلنا أما بعد، الأولى أن تكتب في سطر جديد. ومعناها مهما يكون من شيء بعد، فهما يأتي في جملة تفصل بين مقدمة الموضوع وأصله. وغالبًا ما يؤتى بعدها بالفعل. قال: «وحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان، من الأحاديث الكثير ما يدل على عظم شأنه، وأنه شهر المواساة، وشهر الإحسان، وشهر الصدقات، وشهر المسارعة إلى الطاعات والمنافسة بأنواع الخير. شهر تفتح فيه أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتصفد فيه الشياطين. شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا. تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتفتح فيه أبواب السماء وأبواب الرحمة، وينادي به مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». تقدم معناه في حديث أبي هريرة الذي هو تعليق عليه. قال: «فجدير بالمؤمن والمؤمنة المنافسة في هذا الخير والمسارعة بهذا الشهر الكريم إلى أنواع الطاعة، فهو شهر عظيم، ما مر بالمسلمين شهر أفضل منه، ولا مر بالمنافقين شهر أضر عليهم منه. فالمؤمنون يغتنمون ما فيه من الخيرات، وأنواع الطاعات، والمبادرة بالأعمال الصالحات، ورفع الدرجات. والمنافقون لما يجدون من الإقبال على الخير، يكون شرًا عليهم، فإنهم لا يطيقون هذا الشهر لكثرة ما فيه من الخير، كالشياطين تفر من الإيمان ومن الخير، ومن ذلك شهر رمضان، فإنه شهر فيه من الخير ما يكون سببًا في طرد الشياطين إن وجدت، وقد صفد الكثير منها لعدم إحسانهم فيه وعدم قيامهم بحقه. فالمؤمن يسارع في الخيرات، ويجتهد بطاعة الله وأداء فرائضه وترك محارمه، ويسارع به إلى أنواع الخير من الصدقات والتسبيح والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والإكثار من كل خير، ولاسيما قراءة القرآن، هذا شهر القرآن، ينبغي للمؤمن أن يكثر فيه من قراءة القرآن. كل حرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها مع التدبر والتعقل، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال جل جلاله: ﴿هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فجدير بالمؤمن أن يعني بهذا الكتاب العزيز القرآن، وأن يتدبره ويكثر من تلاوته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم يدارس جبريل القرآن الكريم كل ليلة، وفي السنة الأخيرة دارسه القرآن مرتين، كما جاء معناه في حديث ابن عباس في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقى جبريل فيدارس القرآن، فلما كان رمضان الذي مات فيه دارسه القرآن مرتين». قال: «فبهذا الحث على مدارسة القرآن والعناية به والاستكثار منه لما فيه من الخير العظيم والحسنات الكثيرة، كل حرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها. كذلك هو شهر القرآن، قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. هذه الآيات وغيرها من الأدلة تدل على أن شهر رمضان شهر القرآن، تعظيمه وتلاوته والاعتناء به. فيه نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، وفي ليلة هي خير من ألف شهر. وفيه كذلك يكون الاعتناء بهذا القرآن بتلاوته والصلاة به بالقيام وغير ذلك، مما يكون فيه تعظيم هذا الشهر بتلاوة القرآن وتدبره». قال: «وكذلك ينبغي للمؤمنين أن يستكثر فيه من الصدقات، وإطعام الصوام، والإحسان إلى الفقراء والمساكين. يقول عليه الصلاة والسلام: «من فطر فيه صائمًا كان ذلك له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره». والحديث كما أشار إليه في التعليق أصله صحيح، وحديث طويل جاء معناه عن عدد من الصحابة، بعضها فيها شيء من الضعف، وبعضها صحيح أو حسن. فقد جاء من حديث سلمان، وزيد بن خالد وغيرهما. فأصل الحديث صحيح، وهو أن من أطعم أو فطر صائمًا كان له مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجره شيئًا. وفي هذا إشارة إلى أن الإطعام لا يقتصر على الفقراء والمساكين والمحتاجين، بل يكون الإطعام لكل صائم، حتى الغني إذا أطعمته كان لك مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجره شيئًا. إلا أنه للفقير والمسكين والمحتاج يكون أكثر أجرًا لحاجته وفاقته». قال: «ويقول عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». كل هذا من فضائل هذا الشهر. والحديث كما أشار إليه في التعليق في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقوله: «إيمانًا» أي بفريضته، «واحتسابًا» أي إيمانًا بالله عز وجل بما فرض به، واحتسابًا لثوابه. فيكون عنده من الصدق والإخلاص ما يتحقق معه هذا الجزاء. فليس كل من صام رمضان، ولا من قام رمضان حقق له أن يغفر له، بل من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، هؤلاء هم الذين يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم». إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.