الدرس في كتاب الطهارة 26، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الدرس مسألة إجزاء الغسل عن الوضوء وتقديم أعضاء الوضوء في الغسل، مع ذكر آراء أهل العلم والصحابة والتابعين. كما تطرق إلى تفاصيل الغسل الواجب مثل أهمية الدلك ومسألة نقض شعر المرأة أثناء الغسل.
تحدث الدرس عن أنواع الغسل الواجب والغسل المستحب في مواضع معينة مثل صلاة الجمعة والعيدين. كما ناقش آراء العلماء في حكم غسل الجمعة بين الوجوب والاستحباب واستدلال كل فريق بأدلة من الأحاديث النبوية.
ناقش الدرس حكم الذهاب إلى صلاة الجمعة بدون غسل إذا ضاق الوقت، حيث ذهب إلى أن إدراك الصلاة أهم، فيذهب للصلاة بوضوء. لكن إذا كان هناك رائحة تؤذي المصلين، فيجب عليه الاغتسال لتجنب إيذاء الآخرين.
بسم الله الرحمن الرحيم موقع دار الحديث بالفيوج يقدم درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله في شرح كتاب الطهارة من الدرار المضية شرح الدرر البهية للعلامة الشوكان رحمه الله. والآن نترككم مع المادة المذكورة. آخر ما مر علينا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بالغسل. صح؟ الغسل يجعل الوضوء ما أكملناها. نعم، والغسل الواجب. صح، هذا طيب. مرت معنا مسائل كثيرة في هذا الفصل الذي جعله رحمه الله في الغسل الواجب. وذكر رحمه الله أن يفيض الماء على جميع بدنه إلى آخره. وعلمنا بما ذكره رحمه الله أن الواجب في الغسل هو تعميم الجسد بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، وأنه يستحب تقديم أعضاء الوضوء إلا القدمين. ما هو الدليل على تقديم أعضاء الوضوء؟ نعم، عن من؟ هذه ميمونة؟ نعم، وإلا القدمين. إلا القدمين. ها، عندك. ولا؟ من؟ فضل؟ حديث عائشة أخفى غسل رجليه. وكذلك جاء بحديث ميمونة في بعض رواياته. فقد جاء عن عدد من الصحابة من فعله صلى الله عليه وسلم. ومر معنا كذلك في مسألة الدلك الخلاف، وما هو الراجح في مسألة الدلك. أموسى؟ نعم، أن يعتني بالمكان الذي يحتاج إلى الدلك، مثل المغابن، وكما ذكر الإمام مالك رحمه الله عطف البطن لمن كان بطينا، ونحو ذلك. ومثله لو كان هناك حاجز أو حائل مظنة منع الماء، كالكريمات الموجودة اليوم أو الدهون، أو من يشتغل في أعمال توجد حائل، مثل صاحب السمك، قشر السمك مثلا، أو يشتغل في الطلاء، وما كان بمعنى ذلك. نعم، طيب. وقد روي هذا الذي يقعنا. قال رحمه الله تعالى: وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، حتى قال أبو بكر بن العربي: إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث. قال: وهكذا نقل الإجماع بن بطال. ويتعقب بأنه قد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود، وغيرهما، إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء، وهو قول أكثر العترة. هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها، وهي هل يجزئ الغسل بدون وضوء؟ طيب. نكمل هذه الفقرة. قال: وأما كون تقديم أعضاء الوضوء غير واجب، فلأنه يصدق الغسل، ويوجد مسمى الإفاضة على جميع البدن من غير تقديم، كما قلنا. هذه المسألة اختلف فيها هل العلم؟ وأشار إلى هذا الخلاف. وكما تقدم معنا أنه رحمه الله أحيانا يذكر بعض الشيعة أو الرافضة في ضمن أقواله، والغالب أنه يذكرهم لأجل أن ينبه إلى أقوالهم، إما للترجيح عليها، وإما للرد على بعضهم بقول بعض، لأنه مبتلى في مجتمع مليء بالتشيع والرفض، فهو يحتاج أحيانا أن ينبه على ذلك. ولذلك كان للشوكان رحمه الله مدرسة أثرت في ذلك المجتمع الشيعي الرافضي، حتى وجد في الشيعة من يقول: أنا زيدي على مذهب الإمام الشوكان. وهذه ما تجتمع، لأن الشوكان لم يكن زيديا يوما من الدهر، لكن بعضهم لجهله قد يقول مثل هذا الكلام. لماذا؟ لأنهم أعجبوا بترجيحات الإمام الشوكاني رحمه الله، حين قرأوا في كتبه وفقهه، وخصوصا ما كان يشنع به على أقوال الرافضة وعجائب مسائلهم في الفقه. فالشاهد: هذا عذر للإمام الشوكاني رحمه الله لماذا يذكر أحيانا بعض الشيعة والرافضة في كتبه الفقهية وينقل أقوالهم. نرجع إلى مسألتنا. هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، كما أشار المؤلف رحمه الله هنا، وغيره من أهل العلم في كتب الفقه الصغار والكبار. وخلاصة هذا الخلاف أن من أهل العلم من يقول: يجزئ الغسل بدون وضوء، واستدلوا بأدلة كثيرة، تختصر بدليلين: دليل من القرآن، قول الله عز وجل: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾، ولم يذكر الوضوء. ففهم من هذه الآية أن الغسل يغني عن الوضوء. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم، من حديث أم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات». إن علمها الغسل. وهذا يدل أنه لم يأمرها بالوضوء، وأن الغسل يغني عن الوضوء. وهكذا رؤية آثار كثيرة عن عدد من الصحابة، كما أشار رحمه الله، وذكر هذه الآثار بن شيبة في مصنفه، وغير واحد من أهل العلم، الذي رؤي عن معاذ وغيره، من أن الغسل يغني عن الوضوء. وذهب بعض أهل العلم، وهذا هو قول الجمهور: أنه يجزئ الغسل بدون وضوء، ولكن لا شك أن الأفضل والأكمل أن يسبق الغسل بماذا؟ بالوضوء. وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما مر معنا في الأحاديث: توضأ، وضوءه للصلاة، ثم اغتسل. فهذا هو الأفضل والأكمل. لكن هل يجب؟ هذه هي المسألة. الصحيح هو قول الجمهور: أنه لا يجب، ويجزئ. بشرط ألا يمس فرجه أثناء الغسل. يعني: يستنجئ، ثم يغتسل، فيجزئه ذلك. فإذا مس فرجه عمدا، فهنا يحتاج أن يتوضأ من مس فرجه. ماذا؟ فليتوضأ. على ما تقدم معنا في الأحاديث. وذهب بعض أهل العلم: لأنه لا يجزئ. لماذا؟ قالوا: لأن الله عز وجل أمر بالوضوء للصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية. وقالوا: نبقى على هذا الأصل، فلابد من الوضوء، فلا يجزئ غسل بدون وضوء. والصحيح هو الأول، لما جاء في أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وفهم الصحابة، وعدد من التابعين. ولا إما. والمسألة الثانية: تقديم أعضاء الوضوء، هل واجب أو مستحب؟ الصحيح أنه ماذا؟ كما قلنا: مستحب. من أهل العلم قال: واجب. والصحيح أنه مستحب. إذن: من تيسر له أن يتوضأ، فهذا أفضل وأكمل وأحوى. وإذا اغتسل، فإنه يجزئه ذلك. واستدل المؤلف على الإجزاء، وأنه غير واجب، في الإفاضة على جميع البدن، يشير إلى حديث أم سلمة، الذي تقدم معنا، في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات». يعني: إفاضة الماء، والاغتسال به يجزئ، ولم يذكر الوضوء. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم معنا، في الصحيحين، وفي صحيح مسلم، بألفاظ كثيرة متنوعة، في النهي عن الاغتسال في الماء الدائم. ومن بعض الألفاظ: «لا يغتسل في الماء الدائم وهو جنب». لم يذكر الوضوء. وفي بعض ألفاظه: الانغماس. ولهذا كان كذلك القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الانغماس في الماء يجزئ في الغسل، ويجزئ عن الوضوء. وهذا معناه كذلك، على الصحيح: أنه لا يجب الدلك. لا يجب الدلك. إذا أجزأ الانغماس، فهذا يعني أنه لا يجب الدلك. لكن قد يستحب في بعض المواضع، وقد يجب في بعض المواضع. الغالب أن الإنسان إذا انغمس في الماء، وليس هناك حائل يحول بينه وبين الماء، الماء سيعم كل الجسد. أم لا؟ ها، سيعم كل الجسد. هذا هو الغالب. لكن إذا كان هناك عازل عنده، بعض الدهون، أو كذلك عليه الطلاء، أو قشر السمك، أو نحو ذلك، هذا قد يمنع. أو لا يمنع؟ قد يمنع. إذن: هنا يحتاج أن يدلك هذا المكان، حتى يصل الماء إلى كل موضع في جسده. أو كذلك إذا كان الإنسان متينا بطينا، فبعض الأماكن تنطبق بعضها على بعض، فتمنع وصول الماء. ففي ذلك هذه الحالة يحتاج أن يمرر ويدلك، حتى يصل الماء إلى كل مكان. إذن: الدلك فيه تفصيل. والأصل لمن لا يحتاج الدلك: أن الغسل يجزئ. بل والانغماس في الماء كذلك ماذا؟ يجزئ. قال رحمه الله تعالى: وأما التيامن، فلثبوته عنه صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، عموما وخصوصا. فمن العموم ما ثبت في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجب التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله. وحديث عائشة المتقدم معنا. قال: ومن الخصوص ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: أنه بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، في الغسل، كما تقدم معنا في غسله عليه الصلاة والسلام، في حديث ميمون وغيرها. قال: وثبت من قوله ما يفيد ذلك. ولا خلاف في استحباب التيامن. وهذا هو الصحيح كذلك. لا خلاف في استحباب التيامن، لعموم الأدلة وخصوصها في هذا الباب. بقيت ثلاثة مسائل، تكملة لهذا الباب، أو لهذا الفصل. المسألة الأولى: هل يجب نقض شعر المرأة؟ فقد وردت أدلة تدل على عدم النقض، ووردت أدلة تدل على النقض. ولهذا اختلف أهل العلم. فذهب جمهور أهل العلم: لأنه لا يجب، ولكن يستحب، لحديث أم سلمة المتقدم، وفيه: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاثة حثيات». وهو بالصحيح مسلم. وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب، وهي رواية عن إمام أحمد، والحسن، والطاووس. ورجحه الإمام بن القيم رحمه الله، ببعض كتبه. وقال به جماعة من أهل العلم. واستدلوا بحديث عائشة بالصحيحين، حين أمرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحج أن تنقض شعر رأسها وتغسله وتمتشق. والصحيح أن رواية اغتسلي زيادة ضعيفة، جاءت عند ابن ماجة، ولم تصح مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إنما أمرها بنقض الشعر، شعر الرأس، والامتشاط، ولم يأمرها بالاغتسال. ولعل هذا هو عذر من قال بالوجوب. ولكن الصحيح: التفصيل في المسألة. من كان شعرها كثيفا متشابكا، قد يكون مظنة لعدم وصول الماء، فمثل هذه تحتاج إلى ماذا؟ إلى أن تنقض شعر رأسها. والتي ليست كذلك، فتعميم الماء، وإغماره، إغمار الرأس والشعر بالماء، بما يغلب على الظن أنه وصل إلى كل موضع، يكفي. وهذا هو الغالب. فإذا كان الماء قليلا، مثل بعض القرى والبوادي، فالمرأة إذا صبت الماء القليل، والشعر مربوط، وهو كثيف، هل سيصل إلى كل فروة الرأس؟ لا، ما سيصل. إذا كان الماء كثيرا، مثل اليوم، بفضل من الله سبحانه وتعالى، تنجي تحت الدش، كأنك في مطر، والرشاشة تصوب. اللهم بارك. بعضهم يسرف في هذا. أو تنغمس في بعض الأحواض التي في البيوت، يسمى الباني، وغير ذلك. هذا الانغماس لا شك، حتى لو كان كثيفا، سيدخل الماء إلى كل مكان تحت الشعر. لكن الإشكال إذا كان الماء ماذا؟ قليلا. فهنا تحتاج، إذا كان الماء قليلا، وشعر كثيفا، أن تفتح وتنقض المرأة شعرها، حتى تدلك، فيكفي الماء القليل للوصول إلى المكان الذي قد لا يصل إليه الماء. إذن: هذا هو الصحيح، التفصيل في هذا الباب. والمقصود هو ماذا؟ وصول الماء. كيف أمكن المرأة أن توصل الماء؟ تفعل. فإن غلب على الظن أنها تستطيع أن توصل الماء بدون أن تنقض شعرها، تفعل ذلك. وأما أننا نقول: يجب عليها نقض الشعر. الصحيح: لا دليل صحيح صريح يدل على ذلك. وأما حديث عائشة، فالصحيح أن ماذا؟ أن زيادة ضعيفة. أن زيادة ضعيفة. طيب. المسألة الثانية من المسائل المتعلقة بهذا الباب: أن هذا الغسل الواجب، كما تقدم معنا، هو أنواع. وعلمنا أنواع الغسل الواجب في الباب الذي قبله. فما كان واجبا، أي من كان عليه الغسل واجبا، فيجب في حقه هذا الغسل. ومن لم يكن في حقه الغسل واجبا، فلا يجب في حقه هذا الغسل من الغسل. طيب. والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فإذا كان الغسل ليس لأجل التعبد والطهارة، ولكن لأجل التنظف، مثل الغسل ماذا؟ مثل الغسل من؟ لا، غسل واجب. قلنا: واجب، ولكن ليس لأجل الطهارة. جمعة في صلاة يوم في الأسبوع، للصبي والمجنون. حتى الصبي والمجنون يجب عليه؟ هل سيصلي الصبي؟ ما سيصلي. المجنون سيصلي؟ ما سيصلي. ولكن يجب أن يغسل يوما في الأسبوع. يجب أن يغسل. بل وغير اليوم في الأسبوع، إذا تلوث في ثناء الأسبوع، يجب. كما تقدم معنا. لكن هذا الوجوب، هل هو مثل الوجوب الذي هنا؟ لا. لماذا؟ لأنه له علة. فالحكم يدور مع علته ماذا؟ وجودا وعدما. فالمقصود هو تطهيره لتنظيفه. فإذا حصل هذا المقصود، تم. إذن: لا يحتاج الشروط المذكورة هنا. واضح؟ الأمر الثالث: أنه مر معنا كذلك في الغسل الواجب: أنه يفيض الماء على جميع البدن. هذا إذا لم يكن هناك عذر. فإن كان هناك عذر، فالأدلة تفسر بعضها بعضا. فقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. إنسان به جراحة، يستطيع يغتسل، ولكن هذا الموضع يضره إذا غسله. هل ينتقل إلى التيمم، أو يغتسل؟ الجواب: وسيأتي معنا في الكلام على التيمم التفصيل أكثر. لكن وضح هنا، لأنه له مناسبة لهذا الباب. إذا كان وصف الغسل لن يفعله الطل، فإنه يفعل الذي يستطيع، ويترك الذي لا يستطيع. فقعمون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أمرته من أمر فأتوا منه ما استطعتم». ولقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فالإنسان يتق الله ما استطاع. استطاع أن يغسل الجسد كاملا، إلا طرف رجله، عنده عملية جراحية. يستطيع أن يعزل هذا الجزء عن الماء. ماذا يفعل؟ ينتقل إلى التيمم، أو يغسل سائر الجسد، إلا هذا الموضع. يغسل سائر الجسد، إلا هذا الموضع. هذا هو الذي يفعله. لكن إنسان عنده حريق، ما استطاع أن يغتسل، وأغلب الجسد لا يستطيع أن يمسه الماء. فهنا ينتقل إلى ماذا؟ إلى التيمم. إن استطاع أن يتيمم. فإن كان كذلك، حتى التيمم لا يستطيع، بسبب الحريق. وهنا يجزيه طهارة فاقد الطهورين. يعني: لا يغتسل، ولا يتيمم. لا يغتسل، ويتيمم. يجزيه ذلك. طيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. ويشرع لصلاة الجمعة، وللعيدين، ولمن غسل ميتا، وفي نسخة: غسل ميتا. هل يوجد هذه النسخة بالتشديد عندك؟ ها، عندكم؟ لا، عندنا بدون تشديد. عندكم بدون تشديد. نعم، في نسخة غسل. قال: وللإحرام، ولدخول مكة. هذه مجموعة من المواضع التي يشرع لها غسل الجمعة، أو منها غسل الجمعة، والعيدين، كما ذكر إلى آخره. وقول: يشرع. لم يذكر هو الوجوب، أو غير الوجوب. ولكن سيذكر في الشرح. قال رحمه الله تعالى: أما مشروعيته لصلاة الجمعة، فلحديث: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل». وهو في الصحيحين، وغيرهما، من حديث بن عمر. وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول. ورواه عن نافع نحو ثلاثمائة نفس. ورواه من الصحابة غير بن عمر، نحو أربعة وعشرين صحابية. وذهب إلى وجوبه جماعة. قال النووي: حكي وجوب عن طائفة من السلف. حكوه عن بعض الصحابة. وبه قال أهل الظاهر. وحكاه بن المندر عن أبي هريرة، وعمار، ومالك. وحكاه الخطاب عن الحسن البصري. وحكاه بن حزم عن جمع من الصحابة، ومن بعدهم. وذهب الجمهور إلى أنه مستحب. واستدلوا بحديث أبي هريرة عند مسلم، في لفظ: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام». وبحديث سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ للجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فذلك أفضل». أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي. وفيه مقال. المشهور: وهو عدم سماع الحسن من سمرة. وغير ذلك من الأحاديث. قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب. ولكنه إذا كان ما ذكره صالحا لصرف الأمر، فهو لا يصلح لصرفه. مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «حق على كل مسلم من يغتسل بكل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده». وهو في الصحيحين، وغيرهما، من حديث أبي هريرة. قد استوفيت الكلام على حكم غسل الجمعة في شرح المنتقى. فليرجع إليه. ولا يخفى أن تقييد الغسل بالمجيء للجمعة يدل على أنه للصلاة، لا لليوم. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بغسل الجمعة. أول هذه المسائل: هل غسل الجمعة واجب أم مستحب؟ فكما أشار رحمه الله: روي عن الكثير من الصحابة والتابعين. ولا إمة القول بالوجوب. ومع ذلك فذهب الجمهور إلى الاستحباب. وإذا أريد بالجمهور: ليس المراد بالجمهور جمهور السلف، والصحابة، والفقهاء. وإنما غالبا إذا ذكر الجمهور يريدون لإمة الأربعة. ومعنى أكثر لإمة الأربعة قالوا: بماذا؟ بالاستحباب. لا الوجوب. أما دليل الوجوب، فكما أشار: استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل». وهو بالصحيحين. وله ألفاظ كثيرة خارج الصحيحين، عن عدد من الصحابة. وفي الصحيحين كذلك. ومن ذلك حديث عائشة في قصة الرجلين الذين أتيا إلى الجمعة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال الجمعة. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الألفاظ: «من حضر الجمعة فليغتسل». وفي بعض الألفاظ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». وغير ذلك من الألفاظ. فهذه الألفاظ فيها إفادة الوجوب. ولكن الجمهور صرفوا هذا الوجوب بأحاديث أخرى، منها ما هو صريح، ولكنه ليس صحيح. مثل حديث الحسن عن سمرة: «من حضر الجمعة فليتوضأ». فهذا صريح. ولكنه ماذا؟ ليس صحيح. لأنه كما أشار: من رواية الحسن عن سمرة، ولم يسمع منه. وهو قوله: «وفيه مقال مشهور». يشير إلى عدم سماع الحسن من سمرة. ومنها ما هو صحيح، ولكنه ليس بصريح. مثل حديث أبي هريرة الذي أشار إليه في صحيح مسلم: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت». الحديث. فقوله: «من توضأ». لم يذكر وجوب الوضوء. وإنما قال: «من توضأ». يعني: كأنه يجوز أن تتوضأ، أو تغتسل. لأنه قال: «من توضأ فأحسن الوضوء». لم يذكر الغسل. والصحيح والصحيح: أن هذا اللفظ ليس بصريح. وقد جاء في بعض رواياته: صحيحة مسلم: «من اغتسل يوم الجمعة». في نفس حديث أبي هريرة. فيكون هذا من باب الاستدلال بماذا؟ بالمفهوم. وماذا؟ عارض هذا المفهوم ماذا؟ منطوق. المنطوق فيه القول بماذا؟ بالوجوب. والمفهوم يفهم منه عدم الوجوب. فماذا نقدم إذا تعارض المنطوق والمفهوم؟ نقدم المنطوق. نقدم المنطوق. وهكذا كذلك هذا الحديث، وأمثاله مما ذكره الجمهور، هو محتمل. وخصوصا أنه جاء في بعض الروايات الأمر بالغسل، في صحيح مسلم نفسه، من حديث أبي هريرة. فإذا هو محتمل في الدلالة على الوجوب. وهذا الاحتمال يريدون الوصول به إلى ماذا؟ إلى دفع القول بالوجوب، الذي هو ماذا؟ محتمل. أو يقين. يقين. نص واضح صريح في القول بالوجوب. فلا يصح الاستدلال بالاحتمال لدفع ما دل عليه النص المنطوق الصريح بالوجوب. وهذا هو قول الأصوليين: ما وقع فيه الاحتمال، بطل به الاستدلال. فإذا عندنا: صحيح ليس صريح. لا يعارض الصحيح الصريح. وعندنا: صريح، لكنه ليس بصحيح. وهو كذلك لا يعارض الصحيح الصريح. هذا خلاصة المسألة الأولى. المسألة الثانية من مسائل غسل الجمعة: أنه أشار رحمه الله إلى قوله: أن من أدلة وجوب غسل الجمعة حديث: «حق على كل مسلم يغتسل في كل سبعة أيام يوما». وقد تقدم معنى أن الصحيح من أقوال أهل العلم: أن هذا الحديث لا يدل على غسل وجوب الجمعة. بل هو يدل على وجوب آخر، وهو غسل يوم في الأسبوع. فمن جعل هذا اليوم يوم الجمعة، أجزأه عن غسل يوم في الأسبوع. يعني: من اغتسل يوم الجمعة، أجزأه هذا الغسل عن غسل يوم في الأسبوع. لكن من لم يغتسل يوم الجمعة، وجب عليه هذا الغسل، حتى ولو لم يحضر الجمعة. فالصبي، والمرأة، والكبير في السن، والمجنون، حتى المسافر في سفره، يجب عليه أن يغتسل اليوما في الأسبوع. وهذا أدب من أداب الإسلام، لأن الغالب على المسلم إذا تأخر عن الغسل أسبوع، فراكمت عليه ماذا؟ الأوساخ والروائح. يحتاج أن يغتسل يوما في الأسبوع، على وجه الوجوب، ليس على وجه الاستحباب. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، كما تقدم معنا في أبواب سابقة. المسألة الثالثة: قوله رحمه الله تعالى: «ولا يخفى أن تقييد الغسل بالمجيء للجمعة يدل على أنه للصلاة، لا لليوم». والصحيح في هذا: التفصيل. أنه يجب للصلاة. وهذا صحيح لمن حضر الصلاة. ولكنه ليس لمن لم يحضر الصلاة. تسقط عنه الجمعة، كما تقدم معنا، لأنه قد لا يحضر الصلاة: مسافر، امرأة، صبي، مجنون. ولكن لم يسقط عنه الوجوب، وهو صحيح، ليس لأجل الصلاة، لكن بقي عليه واجب آخر، وهو غسل يوم في الأسبوع. وهو غسل يوم في الأسبوع. طيب. يبقى مسألة أخيرة، وهي: إذا اغتسل الإنسان غسله للصلاة. إذا اغتسل الإنسان غسله للأسبوع، فهل يجب عليه أن يغتسل للصلاة؟ الصحيح: أنه يجب عليه أن يغتسل للصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حضر الجمعة فليغتسل». من حضر الجمعة فليغتسل. طيب. لو قال قائل: اغتسل في الليل، وأراد أن يذهب الصباح، فهل يحتاج إلى غسل آخر؟ الجواب: الصحيح والأحوط هو أن يغتسل بامتثال قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حضر الجمعة فليغتسل». وإن قال قائل: متى يجزئ الغسل؟ وقت الغسل. الجواب: من بعد أذان الفجر. فلو أن على إنسان جنابة من الليل، وأراد أن يجعل غسل الجنابة وغسل الجمعة في يوم الجمعة، في فجر الجمعة، فاغتسل بعد أذان الفجر. الصحيح: أنه يجزئه هذا الغسل، بالنيتين: غسل واحد بنيتين: غسل الجمعة، وغسل الجنابة. بشرط أن يكون بعد أذان الفجر، ليس قبل أذان الفجر. هذا هو الصحيح في هذه المسألة. وأما دخول العملين مع بعض: الصحيح أنه يجوز. يدخل عمل في عمل. بشرط أن لا يكون كلا العملين مقصود لذاته. هذا هو الصحيح: أن لا يكون كلا العملين مقصودا لذاته. تأتي مسألة أخرى، يكثر السؤال عنها، كذلك من المسائل التي تتعلق بغسل الجمعة، وهي: إذا ضاق الوقت على الإنسان أن يغتسل ويحضر الجمعة، فهل يغتسل أم يذهب بوضوء؟ الجواب: الصحيح أنه يذهب بوضوء. وهذا من باب ارتكاب المفسدة الصغرى، لدفع المفسدة الكبرى. وعلى هذا: يحكى الحديث عن عثمان رضي الله عنه، ما عمر، حين قال: «والوضوء أيضا». لماذا؟ لأن عثمان كان له سبب وعذر أخره عن صلاة الجمعة. فهو بين أمرين: أن يذهب فيغتسل، ربما تفوته صلاة الجمعة. أو يدرك صلاة الجمعة بغير غسل. أيهما أو لا؟ ها؟ تفوت الصلاة. إدراك الصلاة. لا شك. لا شك إدراك الصلاة هو الواجب. فهنا من باب درء المفسدة الصغرى بالمفسدة الكبرى. تدفع الكبرى بالصغرى. تدفع الكبرى بالصغرى. الكبرى هو أن لا تفوتك الصلاة، ولا يفوتك الواجب فيها. لكن إذا كان عندك من الروائح ما تؤذي المصلين، هنا أين الكبرى؟ الاغتسال وعدم الحضور. الاغتسال وعدم الحضور. نعم. فإذن: الإنسان ينظر المصلحة والمفسدة. فالمفسدة الكبرى قد تكون أحيانا إدراك الصلاة، وأحيانا ماذا؟ الاغتسال. فإن كان هناك مضر على المصلين، فهنا عندنا أمران: الأمر الأول: واجب متعدي. وواجب غير متعدي. المتعدي أين هنا؟ أين المتعدي؟ الروائح متعدية. هذا ضرر أكثر. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أكل ثوما أو بصلا أن لا يحضر إلى الصلاة، مع أن الصلاة بحقه واجب. أم لا؟ واجبا. لماذا يترك الصلاة؟ لأن ضرره متعدي. ضرره متعدي على الآخرين. فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. أمر مثل هذا الإنسان أن يصلي في بيته. وأيهم أعظم؟ كوم وبصل. ولا أشياء أخرى. فلا شك أن بعض الروايح قد تؤذي. قد تؤذي بعض الناس. إنسان يأتي من عمل، وعنده روايح شديدة. فلا يصلح أن يذهب إلى الجمعة، ويؤذي الناس. يغتسل. ولو فاتته الجمعة. نعم. ولو فاتته الجمعة. من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى. وأن لا يصل إلى المتعدي. طيب. لهنا إن شاء الله.