الدرس في كتاب الحج 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح حديث جابر بن عبد الله في وصف حجة الوداع، ويبين إهلال النبي بالحج والعمرة معًا واستحباب الإهلال من فوق الراحلة، مع مناقشة آراء العلماء حول ما إذا كان النبي حج قارنًا أم لا.
يفسر هذا الفصل معاني الإهلال والتلبية، ويبين أن الإهلال يعني الدخول في النسك وأن التلبية خاصة بدين الإسلام وتتضمن معاني التوحيد، ويذكر إهلال النبي بالحج والعمرة معًا.
يشرح هذا الفصل أحكام الطواف وكيفية أدائه، حيث يستحب لمن دخل مكة أن يغتسل ويبدأ بالطواف مباشرة، مع استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود إذا أمكن دون مشقة، كما يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى ثم يمشي في الأربعة الأخيرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي بعض فقرات حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صفتي وذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حجة الوداع، وهو من أحسن الأحاديث وأجمعها، وكذلك أطولها في وصف حجة الوداع التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا اعتنى العلماء بذلكم الحديث اعتناء كثيرًا، فمنهم من أفرده بالشرح، ومنهم من أفرده بالروايات، ومنهم من جعله في منسك لعظيم ما فيه، ولكونه جمع ما لم يجمع في غيره. وكان آخر ما وقفنا عليه قوله رضي الله عنه: قال «فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصوى». وعلمنا أن هذه الصلاة كانت لكون هذا الموضع موضع فيه فضل في الصلاة، فليست الصلاة لأجل الإحرام، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الصحيح، جاء من حديث عمر، وجاء عن غيره أنه قال: «أثانيَات من ربي أن أصلي في هذا الوادي المبارك». وفيه في الحديث قال: «وقل: عمره وحجه». وفي هذا دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا، وهو الصحيح. وما جاء في بعض الروايات كحديث عائشة فيما يظهر في الصحيحين، ومعناه حديث جابر في مسلم أنه أهل بالحج فقط، فهو يفسر بأحد تفسيرين: إما أنهم لم يسمعوا إهلاله بالحج والعمرة معًا، فنقلوا ما سمعوا، وسمع غيرهم غير ذلك، فيكون قول من زاد مقدمًا، فالمثبت مقدم على النافي، إذ المثبت عنده زيادة علم. وبسره بعض أهل العلم أنه يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل أول الأمر بالحج فقط، ثم أتاه آت من ربه أن قل: حج أو عمره وحجه، أو عمره في حج. ومعناه حج قارنًا. ورجح هذا الثاني جماعة من أهل العلم. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» أحاديث كثيرة ترجح أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا، نقل ذلك عن أكثر من عشرين صحابيًا، كلهم روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: «ثم ركب القصوى حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد» يعني ركب ناقته عليه الصلاة والسلام. وفي هذا دليل على استحباب الإهلال من فوق الراحلة لمن كانت له راحلة يركب. قال رضي الله عنه: «حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». ومعناه أهل بالتوحيد، أي تلفظ بلغض الإهلال التي هي التلبية. ويأتي الإهلال بمعاني، من هذه المعاني الدخول في النسك، يأتي الإهلال بمعنى الدخول في النسك، ومنه: أهل النبي صلى الله عليه وسلم بالحج، أو أهل النبي صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة، أي دخل بإحرامه بإهلاله. وأصل الإهلال هو رفع الصوت وإظهاره، مثل الهلال يظهر بعد اختفائه، وسمي الإهلال إهلالًا لأن صاحبه يرفع صوته به، وسميت التلبية إهلالًا لأن صاحبها يرفع صوته بها، فالتلبية فيها رفع صوت. ثم إهلال ولهذا قال هنا: «أهل بالتوحيد» يعني بتلبية التوحيد، وسميت تلبية الحج توحيدًا لأنها احتوت على معاني التوحيد، خلافًا لإهلال المشركين، فكانوا يشركون في تلبيتهم وإهلالهم، فيقولون: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك». وهذا من شركهم حتى في التلبية. وأما في دين الإسلام فتلبية خالصة فيها توحيد ليس فيها شرك. ويأتي لفظ التلبية ويراد بها الدخول في النسك، سواء أكان بالتلبية فقط، أو بالتلفظ بقولك: «لبيك اللهم عمرة»، أو «لبيك اللهم عمرة متمتعًا بها إلى الحج»، أو «لبيك اللهم عمرة وحجًا». هذه ثلاثة عبارات كل واحدة فيها معنى أحد الأنساك الثلاثة. قال رضي الله عنه: «أهل الناس بهذا الذي يهلون به» يعني من الأنساك الثلاثة التي تقدمت. يعني جاء في رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج، وأهل الناس بالذي يهلون به، يعني من الأنساك الثلاثة، فمنهم من يهل بحج أو بعمرة أو بحج وعمرة معًا. والنبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح، وهو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة، أهل بحج وعمرة معًا. ويستحسن لمن ويستحب ويستحسن لمن خشي على نفسه في الحج أن يشترط، كما جاء في حديث ضباعة بنت الزبير امرأة المقداد أنها اشتكت فوجعت، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم حين عادها بذلك، فقالت: ما تأمرني أصنع يا رسول الله؟ قال: «أهلي واشترطي وقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». قال رضي الله عنه: «ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته» يعني: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». وهذا يؤكد أن الاقتصار عليها أحسن، لكن من زاد فلا حرج، ما دامت الزيادة في حدود ما ثبت عن السلف. قال رضي الله عنه: قال جابر: «لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة» يعني ما كانوا يظنون أن أحدًا يتحلل في العمرة حتى من أهل بالعمرة أراد بها عمرة قارن بها الحج. قال: «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا». وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج لأربع أو خمس بقين من ذي القعدة، يعني في السادس والعشرين أو الخامس والعشرين من ذي القعدة، ودخل مكة في الرابع من ذي الحجة، معناه أن سفره كان ثمانية أيام من المدينة إلى مكة، وهو راكب على ناقته القصواء. وفي أصحابه الراكب والماشي، ويدل أولًا على رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، إذ خرج معه النساء والولدان، كما جاء في رواية مسلم في حديث جابر، قال: «فخرج الناس حتى النساء والولدان، كلهم يريد أن يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم». فيستحب لمن كان معلمًا أو أميرًا لطائفة وجماعة أن يرفق بهم، فيراعي ما يكون فيه إعانة لهم على أداء هذا النسك. وفيه جواز الحج راكبًا وماشيًا، لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الراكب ولا على الماشي، فكله جائز. والإنسان يعمل بما لا يشق على نفسه، وبما يحسن به عبادته. قال رضي الله عنه: «إذا أتينا البيت معه استلم الركن فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا». ومعناه أول ما بدأ به أن استلم الركن، ويريد بالركن الحجر الأسود رضي الله عنه. فلا يستحب لمن أتى حاجًا أو معتمرًا أن يبدأ بركعتي المسجد تحية المسجد، لا يبدأ مباشرة بالطواف. ويستحب لمن دخل مكة أن يغتسل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة اغتسل ببئر طوى، بئر طوى اليوم معروف. فهذا الموضع دخله لأنه يوافق طريق أهل المدينة، فبات واغتسل، ثم ذهب إلى الحرم. فيستحب لمن أراد الدخول إلى الحرم أن يغتسل حتى يحصل له التطيب، وهذا التطيب بإزالة ما قد يعلق به في سفره. أما الطيب فلا يمسه إلا ما كان قبل إحرامه. والنبي عليه الصلاة والسلام قبل إحرامه كما في حديث عائشة بالصحيحين، تطيب، وضعت له عائشة طيبه في رأسه وفي لحيته، في شعره في رأسه وفي لحيته، حتى قالت: وأنا أنظر إلى وبيس طيبه. قال: «فطاف سبعًا يعني حول البيت فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا». ولم يذكر هنا استلام الركن اليماني، وقد ثبت في رواية أخرى في حديث جابر، وفي أحاديث أخرى أنه استلم الركن اليماني عليه الصلاة والسلام. وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم إلا الركنين، يستلم الركنين اليمانيين. فلا يستحب استلام غير الركنين اليمانيين، الحجر الأسود ركن يماني، وما قبله ركن يماني، لكن الفرق بينهما الحجر الأسود علامة واضحة، وجود الحجر الأسود، والركن اليماني ليس كذلك. ثم الحجر الأسود يستحب عند استلامه إما أن يقبل مباشرة بفمك، تقبله، تدخل رأسك فتقبله، وإما أن تستلم بيدك وتقبل يدك، وإما أن تمد بما في يدك من عصى أو غيره فتضعه على الحجر الأسود وتقبل الموضع الذي مس الحجر الأسود، وإما رابعًا إذا لم تستطع الأول والثاني والثالث وكان فيه مشقة عليك أو على غيرك فيكفي أن تشير بيدك. فمثل هذه الأمور وموافقة السنة في ذلك، ومما يذكر كذلك تتم لأحكام الطواف أنه يطبع في هذا الطواف، يطبع يعني يكشف كتفه الأيمن ويستر كتفه الأيسر، هكذا الإحرام، هذا مثلًا الإحرام هكذا، الة الاتباع، يستر الأيسر ويكشف الأيمن، هذا يسمى اطباق. وهذا فقط في هذا الطواف الذي يكون فيه محرمًا، الذي يكون فيه محرمًا، أما طواف الحج فليس فيه ذلك، طواف الحج ليس فيه ذلك. فإذا انتهى وكما ذكر هنا من الأحكام يرمل في الثلاثة الأشواط الأولى، يعني يسرع في المشي، الرمل الإسراع في المشي، ويمشي في الأربعة الأخيرة، فيكمل بهذا سبعة أشواط يطوفها حول البيت.