الدرس في كتاب الحج 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وتناول تفاصيل الطواف حول الكعبة وصلاة ركعتين عند مقام إبراهيم والسعي بين الصفا والمروة. بيان السنن والمستحبات في هذه الأعمال.
شرح كيفية أداء السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة مع بيان أهمية التخفيف في الدعاء عند الزحام وضرورة السعي الشديد في بطن الوادي للرجال دون النساء.
بيان حكم التمتع في الحج وشرعيته، وأنه مستحب وليس بواجب، واستدلال بحديث سراقة بن جعشم على شرعية التمتع إلى قيام الساعة.
مناقشة مسألة وجود لفظة "بالعراق" في حديث معين وبيان أنها ليست جزءًا من الحديث النبوي بل هي من كلام الراوي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما مر من مسائل تتعلق بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال جابر رضي الله عنه: قال «فطاف سبعًا»، أي النبي عليه الصلاة والسلام، «فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلى ركعتين، فجعل المقام بينه وبين البيت». وفي رواية: «أنه قرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾». وهذه الرواية خارج صحيح مسلم، فيستحب أن يقرأ من يصلي عند المقام بهاتين السورتين. ولا ينسى أن يستر عاتقه الأيمن؛ لأنه طاف، وفي طوافه كشف عاتقه الأيمن، لكن إذا أراد أن يصلي فيستر عاتقه الأيمن؛ لحديث أبي هريرة وغيره: «لا يصلي الرجل وليس على عاتقه من ثوبه شيء»، فيستر العاتقين. وهذه السنة أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة، مقام إبراهيم، لكن عند الزحام أو كذلك ضيق المكان، لا بأس أن يصلي في أي مكان، المقصود أن يصلي ركعتين بعد الطواف. ومن الخطأ العظيم أن يصلي الحاج والمعتمر في طريق الناس، كما يفعل بعض الناس، لا يبالي بطواف الطائفين، المهم أن يكبر حتى ولو رأى أمامه الناس لا يستطيع أن يسجد، يكبر وبعد ذلك سجد بين أرجل الناس أو فعل ما فعل، هذا خطأ عظيم، بل هذا من الاعتداء على محل الطائفين. ولا أحرمه لمن هذا حاله، لو أن إنسانًا صلى في طريق الطائفين، فلا تتورع في المرور بين يديه، بل انصحه، إذا مررت بجانبه، ارجع إلى الخلف، بارك الله فيك، هذا طريق المعتمرين، طريق الحجاج، طريق الطائفين، ونحو ذلك، تنصحه حتى يرجع إلى الخلف. وإذا مرت بين يديه امرأة قطعت صلاته؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة ثلاثة». قال رحمه الله: «ثم رجع إلى الركن واستلمه»، يعني بعد أن صلى ركعتين، فإن تيسر له ذلك فعل، وإن لم يتيسر فلا حرج عليه؛ لأنه قد جاء في بعض الروايات أنه لا يفعل مثل ذلك، يعني في طواف القدوم، طواف العمرة، فدل على أنه إن فعله فهو حسن، وإن لم يفعله فلا حرج، لا يضر بطوافه. قال: «ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾». ويستحب قبل ذلك أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه، كما جاء في بعض الروايات الأخرى. ومعنى يتضلع: يعني يشرب شربًا يملأ ما بين أضلاعه، ويصب على رأسه منه من ماء زمزم. فإن كان صائمًا، كأن تكون عمرته مثلًا ليست حجًا، جاء معتمرًا في نهار رمضان، فيكفي أن يصب على رأسه. وهذا الطواف يسمى طواف العمرة أو طواف القدوم. والنبي عليه الصلاة والسلام كما مر معنا قارن، فالقارن والمتمتع والمفرد، وهؤلاء هم أهل الأنساك الثلاثة، الجميع إذا جاء قبل يوم عرفة، يعني عنده مجال أن يأتي بطواف القدوم. وطواف العمرة بالنسبة للقارن والمتمتع طواف عمرة، وهو يسمى طواف قدوم، وبالنسبة للمفرد طواف قدوم؛ لأن ليس له عمرة، فهؤلاء الثلاثة إن جاءوا وفي الوقت سعى، طافوا هذا الطواف، ويسمى في حق القارن والمتمتع طواف عمرة، وهو طواف قدوم، وبالنسبة للمفرد طواف قدوم. قال رحمه الله: «فلما دنى من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾». واختلف أهل العلم هل قراءة هذه الآيات سنة لذات الطواف والسعي أم هو للتعليم؟ فمن أهل العلم من قال: للتعليم، فإذا علم الحكم أو لم يكن معه أحد يحتاج أن يذكره بهذا الحكم، فلا حرج إذا لم يقرأها. ومن أهل العلم من قال: بل هو من سنن الطواف والسعي أن يقوله، إذا جاء إلى مقام إبراهيم إلى مقام إبراهيم قرأ الآية، وإذا جاء إلى الصفا قرأ الآية، ومن قرأه فهو حسن، ومن لم يقرأ فلا حرج عليه إن شاء الله. قال: «أبدأوا بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا، فرقى عليه، ومعناه علمهم أن البدء يكون بالصفا، بدء الطواف أو بين الصفا والمروة أو نسميه السعي بين الصفا والمروة. فإن السعي بين الصفا والمروة سمي في بعض الأحاديث طوافًا، كما أن العمرة قد تسمى حجًا لمعنى الحج، فإن معناه القصد والزيارة. ففي الحديبية سمي تلك العمرة حجًا، كما جاء في حديث أبي قتادة بالصحيحين، قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم حاجًا»، يعني في يوم الحديبية، فهذا من باب التوسعة في المعنى اللغوي. كذلك الطواف إذا وجدنا في بعض الأحاديث تسمية ما بين الصفا والمروة طوافًا، فهو من باب التوسعة في المعنى اللغوي، فهو سعي، وقد يسمى طوافًا، والعمرة عمرة، وقد تسمى حجًا. وفي هذا كذلك دليل على أن ما بدأ الله به فإنه يبدأ به، فترتيب ما في القرآن مقصود، وهو الأصل إلا أن تدل قرينة على عدم الترتيب. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام استدل بالآية على الترتيب. قال: «حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ودعا بين ذلك، يعني يستحب إذا توجه إلى الصفا بعد أن يتلو الآية يتجه إلى القبلة ويوحد الله ويكبره. فيقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم يرفع يديه ويدعو دعاء طويلًا، إن لم يكن فيه مشقة عليه أو على من معه. فقد كان ابن عمر رضي الله عنه يطيل في الدعاء في سعيه حتى إن بعض من معه يمل ويطول عليه ذلك، ويقول: إنه كان كذلك يدعو النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن من عرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه بأمته وبمن كان معه وبعمومات الأدلة في الشرع، علم أن التخفيف مطلوب، خصوصًا عند المشقة على النفس أو المشقة على الغير. ففي وقت الزحام الشديد اختصر الدعاء؛ لأن الدعاء في ذلك الوقت حتى لا تجد له لذة ولا تجد له عبرة، أنت تدعو والناس تأخذك، ذات اليمين وذات الشمال، ذات اليمين وذات الشمال، وربما ترتفع رجليك من شدة الزحام، ليس من الحكمة أنك تطيل فتزيد في الزحام. لو كل الناس دعوا مع هذا الزحام بهذا الدعاء الطويل، صار زيادة في المشقة عليك وعلى غيرك، خفف في الدعاء، معك أناس، نساء، أطفال، حججت بأهلك، خفف في الدعاء، أرفق بهم وأرفق بنفسك. فإن الرفق مطلوب، والتيسير محبوب إلى الله سبحانه وتعالى في حدود الشرع. فتدعو ثلاث مرات باختصار، فإذا انتهى من الدعاء أخفض يديه، ثم كرر مرة ثانية: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير». وهكذا حتى آخر الدعاء، ثم يرفع يديه ويدعو. ثم إذا انتهى من الدعاء خفض يديه وقال مرة ثالثة، ثلاث مرات، ثم يذهب إلى المروة. وإذا وصل إلى المروة فعل مثل ذلك، وإذا رجع إلى الصفا فعل مثل ذلك، في كل مرة يفعل حتى إذا أتى إلى المروة في الشوط السابع، فلا يدعو؛ لأن الدعاء قبل الشوط، الدعاء قبل الشوط، فهو دعا سبع مرات، وطاف أو سعى سبعة أشواط. فإذا انتهى في الشوط السابع من الصفا إلى المروة انتهى الشوط السابع، لا يدعو في الصفا في المروة بعد وصوله إلى المروة، لا يدعو في المروة؛ لماذا؟ لأن الدعاء قبل هذا السعي. قال رحمه الله تعالى: «قال: ثم دعى بين ذلك»، قال: مثل هذا ثلاث مرات، كما مر معنا ووضح. «ثم نزل ومشى إلى المروة، حتى إذا صبت قدما في بطن الوادي سعى». وبطن الوادي اليوم غير موجود؛ لأن البنيان قد غطى الوادي، فالدور الأول والدور الذي فوقه والذي فوقه كله بلاط. لكن وضع أهل العلم لأهل الحل والعلامات بما علموا مما كان من قبل، هذه العلامات اليوم تبين من أين يبتدئ بطن الوادي، وهي الأميال الخضراء، لم باتت خضراء؟ في السقف وفي الجوانب، تبين لك من أين يبدأ بطن الوادي، فمن حين أن يصل إليه يسعى سعيًا شديدًا كما سعى النبي صلى الله عليه وسلم. يعني تجري جريًا لا تضر نفسك، وفي نفس الوقت ليس هو بمشي، بل جري، حتى إنه عليه الصلاة والسلام ربما حسر عن إزاره كما فعل في بعض سعيه، وقد سعى في الحج وفي العمرة عليه الصلاة والسلام. وهذا خاص بالرجال، أما النساء فالصحيح من أقوال أهل العلم ليس عليهن هذا السعي في بطن الوادي، يعني بين العلمين الأخضرين. لما فيه من سبب لتكشف المرأة إذا سقطت أو كذلك إذا جرت ونحو ذلك. فإن قال قائل: «كيف والسعي أصلا شرع من أجل سعي أم إسماعيل وهي امرأة؟ وقد قال بهذا بعض أهل العلم». الجواب: «أم إسماعيل سعت وليس عندها رجال، كانت وحدها»، هذا أولًا. وثانيًا: نحن في دين الإسلام، ودين الإسلام ليس أحكامه كأحكام الأديان قبله، وقد أمر ربنا سبحانه وتعالى أهل هذا الدين بأوامر تختلف عما كان عليه حال الأمم من قبل. ومن ذلك ما جاء في شريعة الإسلام من طلب ستر المرأة وحفظها. ومن ذلك هذا الباب، فالمرأة تنهى عن الكلام الذي هو ليس بعورة، ولكنه فتنة، حتى في الصلاة لا تسبح، ولكنها ماذا تصفق؟ حفظًا وصيانة للمرأة ألا تفتن ولا تفتن. وهكذا كذلك في هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: «حتى إذا صعدتا مشى»، يعني إذا صعد من بطن الوادي مشى مشيًا. وهذا المشي يكون إلى منتهى الحد الواجب، وهو كما قلنا من مر العربات. وإذا صعد أعلى قليلًا فهو أحسن؛ لأنه سيدعو، سيصعد قليلا، اليوم يوجد مرتفع قليل، ثم أرض منبسطة، يأتي إلى الأرض المنبسطة المستوية، وينظر له مكان خالي لا يضر بالساعين، ويدعو الله عز وجل فيه كما فعل عند الصفا. يكبر ثلاثًا، ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، هو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم يدعو دعاء طويلًا، إن لم يكن فيه مشقة ولا ضرر، ثم يخفض يديه ويقول مرة ثانية، ثم يدعو، ثم يخفض يديه، ثم يقول مرة ثالثة، ثم يدعو، ثلاث مرات، يكرر ذلك كما فعل في الصفا، يفعل في المروة. قال رحمه الله: «قال: حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا»، يعني من الدعاء على الهيئة التي سبقت. قال: «حتى كان آخر طواف على المروة»، يعني أنه سبعة أشواط من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط، وهكذا حتى ينتهي الشوط السابع إلى المروة. قال: «فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة». فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. وهذا الحكم فيمن لم يسق الهدي، كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة، تعليمًا للناس؛ لأجل أن يبطل ما كان عند الناس من ظن أنه لا يصح التحلل في أشهر الحج. فمن لم يسق الهدي أمره أن يتحلل ويجعلها عمرة، ومن ساق الهدي فلا يتحلل ولا يجعلها عمرة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام ممن ساق الهدي، ولهذا قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي». وسوق الهدي قد يكون من نفس البلد، يعني مثلًا أهل المدينة من المدينة، وقد يكون من الطريق، يسوق الهدي من الطريق. أهم شيء أنه يدخل مكة وهديه معه، يأتي به مثلًا من الميقات، فيسوق هديه معه، هذا يسمى ساق الهدي؛ لأنه قد يقول قائل: «كيف نسوق الهدي في هذا الزمان؟» يقال: «تسوقه مثلًا تشتريه من خارج مكة، من جدة، من الميقات، إذا كنت من أهل اليمن مررت به لملم، من حولك لملم، تسوق الهدي معك». وهذا طبعًا إذا لم يكن فيه مشقة. فإذا سقت الهدي فأنت قارن، لا تتحلل حتى تنتهي من حجتك. وإذا لم تسوق الهدي فالأفضل في حقك أن تتمتع، وليس بواجب على الصحيح على كل من لم يسوق الهدي أن يتمتع، ليس بواجب. ويدل عليه أن أهل الأعذار ومن كان مثلهم لا يجب عليهم أن يتحللوا. ما وقع لعائشة رضي الله عنها، فإنه كان لها عذر؛ لأنها لما وصلت موضع يقال له سرف حاضت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم قد حزنت على ذلك، فأمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوف في البيت، وأن هذا مما كتب على بنات آدم. فالشاهد: هي لم تسوق الهدي، ومع ذلك لم تتحلل؛ للعذر الذي وقع لها. قال: «فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة». في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم كان على وجه الإلزام والوجوب، ألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وهل هو كذلك إلى يومنا هذا؟ كما قلنا: الصحيح ليس بواجب، الصحيح ليس بواجب. فالتمتع ليس بواجب، بل الصحيح للمسلم أن يختار الأيسر له من الأنساك الثلاثة. قال: «فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد». ومعنى هذا الحديث على الصحيح ليس وجوب حج التمتع لأبد الأبد، ولكن معناه شرعية حج التمتع لأبد الأبد. أي أن حج التمتع مأذون مشروع إلى قيام الساعة، بخلاف ما كان يظنه أهل الجاهلية أنه لا يصح التمتع في أشهر الحج، لا يصح التمتع في أشهر الحج، هكذا كانوا يظنون، وليس الأمر كذلك، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الأمر. ولهذا أنكر الصحابة على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إذ منعا من التمتع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يسمعا هذا الحديث، ظنًا رضي الله عنهما أن هذا كان خاصًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وأرادا للناس زيادة الأجر حتى يأتوا للحج ويأتوا للعمرة، فيعمر البيت الحرام بالزائرين، حجاجًا ومعتمرين. ولكن الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة شرعية التمتع بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأبد الأبد، كما في هذا الحديث. فإذن هنا ثلاثة مسائل: الأولى: هل يشرع التمتع في أشهر الحج؟ الجواب: يشرع، بل أمر به أمرًا عليه الصلاة والسلام في زمنه. المسألة الثانية: هل هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام خاصة أم بعده إلى أبد الأبد؟ الجواب: بعده إلى أبد الأبد، بنص هذا الحديث. المسألة الثالثة: هل بعده إلى أبد الأبد على وجه الوجوب أم الاستحباب؟ في هذا خلاف، الصحيح أنه على وجه الاستحباب. نعم. قال: «وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة ممن حل ولبست صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها؛ لأنه لم يكن يعلم أن مثل هذا يجوز». فكان في عرف أهل الجاهلية من قبل لا يمكن أن يتحلل الحاج، بل الحاج يبقى محرمًا إلى أن ينتهي الحاج، فاستغرب وتعجب من ذلك، فلهذا أنكر على فاطمة. فقالت: «إن أبي أمرني بهذا»، يعني بالتحلل؛ لأنها ليست ممن ساق الهدي. قال: «فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشًا على فاطمة للذي صنعت»، يعني بعد ذلك علي يحدث بهذا الحديث، حين كان في العراق، فكان يقول: «ذهبت محرشًا»، يعني أريد النبي عليه الصلاة والسلام ينكر على فاطمة ما صنعت. قال: «مستفتيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت عليها، فقال: صدقت، صدقت»، يعني هو أمرها عليه الصلاة والسلام. قال: «ماذا قلت حين فرضت الحج؟» فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عليًا: «ماذا قلت لما فرضت بالحج؟» أي: دخلت في نسك الحج. قال: «قلت: واللهم إني أهل بما أهل به رسولك»، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم. وفي هذا دليل على جواز الإحرام بإحرام الآخر، تقول مثلًا: الإبن ما يدري ماذا سيهل؟ الأب كان بعيدًا منه، ضاع منه، افترق منه، فقال: «اللهم إني أهل بما أهل به أبي»، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، بدليل هذا الحديث. فعلي رضي الله عنه من شدة حرصه ومتابعته، وفي هذا فضل العلم على أهله، وهكذا كذلك السلامة بمتابعة أهل العلم، فعلي أهل بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فإن معي الهدي فلا يحل». قال: «فكان جماعة الهدي الذي قدم بي علي من اليمن، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مئة، الكل مئة، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فهؤلاء لم يتحللوا ولم يقصروا، ولم يقصروا، فبقوا على ذلك حتى أتموا الحج». وأيهما أفضل: المتمتع أو القارن أو المفرد؟ اختلف أهل العلم في ذلك، ولكن بنص هذا الحديث يُعلم أن الأفضل هو التمتع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة». قال رضي الله عنه: «والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مئة». قال: «فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي». فلما كان يوم التروية توجه إلى منى. نترك هذا إن شاء الله في الدرس اللاحق. طيب، هذا سؤال عن من حج بالمال الحرام. الجواب: حجه صحيح، حجه صحيح مع الإثم، وهو حج ناقص بسبب المال الحرام. قد يقول قائل: «كيف نصنع بحديث: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا؟» الجواب: هذا فيما يتعلق بالنفقة، أما الحج فليست أعماله قائمة على المال، فهو يعمل أكثر شيء بجسده، يعمل بجسده، فلذلك فحجه صحيح. والصحيح من أقوال أهل العلم أن ما تعلق بالعبادة من محظور، ما دام منفكًا، فهو لا يبطلها، لا يبطلها. يقول: مرة معنا في دروس سابقة أن لفظة «بالعراق» ليست في الحد، فما هو الصواب؟ كيف «بالعراق» ليست في الحد؟ ما معنى هذا؟ تريد هذا الذي مر معنا بالدرس أو شيء آخر من الكاتب؟ نعم، «بالعراق» أي شيء؟ يعني قصدك أنها مدخلة؟ طيب ننظر. هذا هي من كلام الراوي: أن عليًا كان يحدث بذلك فيما بعد، يحدث بذلك فيما بعد؛ لأنه ظاهر ليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هو وصف لما كان يقوله علي بعد ذلك. نعم، طيب لهنا والله تعالى أعلم.