الدرس في كتاب الحج 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن شروط وجوب الحج خاصة شرط وجود المحرم للمرأة، وعن النيابة في الحج لمن يعجز عنه. يشرح أن المرأة لا يجوز لها السفر للحج بدون محرم وإذا عجزت جاز لها أن تنيب.
يتناول حكم تأخير أداء فريضة الحج ويبين أنه فرض على الفور وليس على التراخي. يذكر حديث ابن عباس أن النبي قال: «تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له».
يشرح أحكام الإحرام ومحظوراته للرجل والمرأة ومعاني الإحرام الثلاثة. يبين استحباب الاغتسال قبل الإحرام وصلاة ركعتين في مسجد ذي الحليفة.
يتحدث عن القصواء ناقة النبي التي حج بها وبين هجرته وحجه سنوات كثيرة. تم التطرق إلى هذا الموضوع في درس ديني.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في أول كتاب الحج من مباحث، ومنها ما يتعلق بالاستطاعة. وعلمنا أن من الاستطاعة -وهذا آخر ما وقفنا عليه- أن يكون للمرأة محرم إذا احتاجت إلى سفر، وأنه لا يجوز لها أن تسافر إلى الحج بدون محرم، بل نص بعض أهل العلم أن حجها لا يصح. وإن كان هذا القول قولاً مرجوحًا، إلا أنها آثمة في حجها وهي عاصية، وحجها ناقص. فلذلك لا تذهب المرأة إلى الحج إلا ومعها محرم لها. فهل إذا كانت لا تستطيع تنيب عن الحج؟ الجواب: لا تنيب؛ لأنها غير مستطيعة. ومن الاستطاعة كما سمعنا: وجود المحرم، فتنتظر لعل الله يسر لها بمحرم، فإن تيسر لها محرم فتذهب معه، فعند ذلك تحج. وإن لم يتيسر فعجزت عجزًا مع عجزها، فعند ذلك -يعني عجز عن المحرم وعجز آخر من المرض أو غيره- فعند ذلك يجوز لها أن تنيب. فقد ثبت في الصحيح في قصة المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم -المرأة من خثعم- قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على الراحلة -يعني من كبر سنه ما يتحمل أن يركب الراحلة- أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه. والحديث في الصحيحين. وهكذا كذلك الميت يحج عنه، لكن بشرط أن لا يكون هذا الميت مفرطًا في الحج. أما إذا كان مفرطًا في الحج، فليس له حج، ولو حج عنه أحد لم ينفعه؛ لأنه ترك الحج عمدًا. ويدل عليه ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في قصة المرأة التي سألت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج -وهذا يدل أنها كانت حريصة على الحج- فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالوفاء. والحديث في البخاري عن ابن عباس. ويجوز للإنسان الحي أن ينيب إذا كان لا يستطيع الحج، يعني يجوز أن يحج عن من لا يستطيع. ويجوز أن من لا يستطيع أن ينيب غيره في الحج. ودليله ما جاء عند أبي داود وابن ماجة وغيرهما بإسناد يحسنه الكثير من أهل العلم، في قصة الرجل الذي سمعه النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لبيك عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي -أو قال: ابن أخ أو ابن عم لي- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة. حين سأله الحج عن نفسه. واستدل به أئمة أهل العلم على أن من لم يحج عن نفسه حجة الإسلام فلا يحج عن غيره، وهذا هو الصحيح، وهو الأحوط، وهو الذي تقتضيه عمومات الشريعة، حتى على قول من قال بتضعيف هذا الحديث. وإن كان قد قال به بعض أهل المعرفة بالحديث. والصحيح أن الحديث يرتقي إلى الحسن بمجموع طرقه، وقد اعتمده الكثير من الحفاظ. ثم قال رحمه الله تعالى: وقد جعل المؤلف رحمه الله أصل أحكام الحج في هذا الموضع حديث جابر بن عبد الله في الحج، وهو من أجمع الأحاديث في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. حديث جابر الطويل. وهذا يدل لك أن المؤلف رحمه الله له نفس حديثي، وهو كذلك يجري على ما جرى عليه العلماء، ولا سيما ممن حرصوا على أخذ الفقه من أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: وحديث جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم يشتمل على أعظم أحكام الحج، وهو ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في المدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة. هذا الحديث المسمى حديث الجابر في الحج حديث مشهور طويل، فيه صفة الحج التي حج فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا الحديث كما نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم حج في السنة العاشرة. وقد اختلف العلماء: متى كان فرض الحج؟ فقال بعض أهل العلم: في السنة العاشرة. وقال بعض أهل العلم: بل في السنة التاسعة. وقال بعض أهل العلم: في السنة السادسة. فمن استدل أنها في السنة السادسة استدلوا بنزول قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]، فإنها نزلت في الحديبية، وكانت الحديبية في السنة السادسة. والصحيح أن الآية ليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها وجوب إتمام الحج والعمرة لمن دخل في هذين النسكين. وأما الفرضية فليس في الآية معنى ذلك. وهذا هو الصحيح الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم، وهو قول جماعة من الأئمة، بل أكثر أهل العلم. وبقي كونه في السنة التاسعة أو العاشرة؟ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يحج في السنة التاسعة بالناس. قال العلماء: في هذا حكمة؛ أن يكون فيه توطئة لتطهير البيت من بقايا أهل الجاهلية. ولهذا أرسل عليًا مع أبي بكر؛ أن ينادي: أن لا يحج بالبيت مشرك ولا عريان -يعني كان من أعراف أهل الجاهلية في حجهم أن يأتي المشرك مع المسلم- ولو قد دخلوا في الإسلام ما يمنعون المشرك من الإتيان إلى الكعبة والطواف بها. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما أمره الله. فكان بهذا توطئة. وكذلك ألا يطوف البيت عريان؛ لأن من أهل الشرك من بقي على عادته. ومن عوائد أهل الشرك في ظنهم الجاهلي -وسيأتي معنا إن شاء الله التنبيه عليه- أنهم كانوا يطوفون عراة، ظنًا منهم أنهم لا يلقون الله سبحانه وتعالى بثوب قد عصوا الله فيه، زيادة في طلب التوبة والمغفرة. إلا أن يعيرهم أحد أهل الحرم ثوبًا يطوفون به؛ لظنهم أن ثوب الحرم معظم، ثياب الحرم معظمة. وهذا من اعتقاد أهل الجاهلية الفاسد. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وغير ذلك مما كان توطئة؛ لأن يحج الناس بعد ذلك حجة الإسلام. ومع هذا فهل هذا فيه دليل أن الحج فرض في السنة التاسعة؟ أو هل فرض في السنة العاشرة؟ ليس هناك شيء صحيح صريح. ولهذا لم يرجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا تلميذه ابن القيم أي السنتين كان فرض الحج. ويقول شيخ الإسلام: فرض في السنة التاسعة أو العاشرة. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: فرض في السنة التاسعة أو العاشرة. وسواء قلنا هذا أو قلنا حتى في التاسعة، لقلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه من أن يحج في التاسعة عذر، وهو وجود بقايا المشركين التي ينبغي أن تطهر؛ حتى لا يكون ذريعة لبقاء تلك العوائد السيئة والعبادات الباطلة، فيطهر البيت. وكذلك يعلم ما يجب أن يكون عليه أهل الإسلام في منسك الحج. فإذن ليس في هذا دليل. وهذا هو المقصود من هذا التنبيه: ليس في هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبادر بالحج. بل الصحيح أن فريضة الحج فريضة واجبة على الفورية، واجبة على الفورية. إذا تيسر لك يا أيها المسلم الحج فلا يجوز لك أن تؤجله إلى السنة التالية. لا يجوز لك أن تؤجله إلى السنة التالية إلا بالعذر. إن كان عندك عذر فبالعذر يجوز لك تأجيل الحج. وأما إذا لم يكن لك عذر فلا يجوز. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه من الواجبات على الفورية. ولو قيل: أن الحج فرض في السنة التاسعة، لقيل: منع من حج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة ماذا؟ عذر عظيم، وهو وجود بقايا الشرك في حج الناس في ذاك الزمان. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يحج ويعلم الناس. حجا خالصًا من بقايا المشركين. فلهذا أخر إلى السنة العاشرة. وإن قلنا: أنه لم يؤمر ولم يفرض عليه -وهذا هو الظاهر من الأدلة؛ لأن كما تقدم معنا حديث خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «إن الله فرض عليكم الحج فحج» -كان في السنة العاشرة. كان في السنة العاشرة. وإخباره بفريضة الحج في هذه السنة، في سنة حجه، دليل على تأكيد قول من قال: أنه كان في العاشرة. وأن ما أمر به أبا بكر كان توطئة قبل فرض الحج. ولو قلنا: أنه بالتاسعة لعدم وجود الشيء الصحيح الصريح؛ لأن حديث أبي هريرة ليس صريحًا في كونه في السنة العاشرة. فإذن يكون هذا لوجود المانع. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالتعجيل بالحج. فعن ابن عباس رضي الله عنه وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». رواه أحمد بإسناد حسن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء وغيره. فيجب على المسلم إذا لم يكن عنده عذر أن يبادر ويعجل بأداء فريضة الحج. وقوله رضي الله عنه: «فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم». في هذا دليل على حرص المسلمين على أداء هذه الفريضة، والإتساء والإئتمام بالنبي صلى الله عليه وسلم. مع أنه لا يخفى علينا أنهم كانوا أشد منا فقرًا، وأقل من استطاعة. ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من الحج، بل حرصوا جميعًا على الحج. حتى قال جابر -كما في رواية في مسلم-: «فنظرت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مد بصري من الناس -يعني منهم الراكب ومنهم الماشي- قال: وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، مد البصر، كلهم يريدون أن يحجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم». وأحصي وقدر من حج مع النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع في السنة العاشرة: أنهم كانوا قرابة مئة ألف. كانوا قرابة مئة ألف، حج مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفيهم الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والراكب والماشي على رجليه. قال رضي الله عنه: «كلهم يلتمسون أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعملون مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة». وهو ميقات أهل المدينة. وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام على المواقيت في موضعه. فإن للحج مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية يدخل بها الحاج في إحرامه بالحج. فأما المواقيت الزمانية فهي: أشهر الحج -شوال وذي القعدة وذي الحجة-. وأما المواقيت المكانية فما وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مواضع يحرم منها الحاج إذا مر بها، فهي حدود إحرام المحرم بالحج أو العمرة. وكل ما وازى تلك المواضع برًا وبحرًا وجوًا فهو مثلها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة». فكل من مر بهذه المواقيت -وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام عليه في موضعه- يكون له هذا الحق. ومن ذلك: أن أهل المدينة ميقاتهم من ذي الحليفة، من ذي الحليفة. وهو موضع قريب من المدينة اليوم معروف، يسمى بأبيار علي. وهذه التسمية خاطئة؛ لأنها مبنية على قصة لا تصح عن علي رضي الله عنه، ومقاتلته الجن في ذلك الموضع، وهي قصة لا تصح. وينبغي أن تبقى التسمية على ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: هو ذو الحليفة. قالت أسماء بنت عميس: «وَلَدتُ محمد بن أبي بكر -يعني أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما- فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي». وانظروا إلى حرص الصحابة رضي الله عنهم رجالًا ونساءً. امرأة في الشهر التاسع، ومع ذلك لم يمنعها ذلك من أن تحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، بل وولدت في الطريق. وذو الحليفة قريب من المدينة اليوم، بالسيارة قدر عشر دقائق أو ثماني دقائق، سبع دقائق من مسجد قباء إلى ذي الحليفة خط مستقيم، ومسافة ليست بعيدة. ومع ذلك لم ترجع، بل استمرت في حجها مع النبي صلى الله عليه وسلم. فأمرها أن تغتسل وتستثبر -ومعناه: تحتفظ وتلبس ثوبها وتحرم-. والإحرام سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في إحرام الرجل وإحرام المرأة. فالإحرام يأتي بثلاثة معان: يأتي الإحرام بمعنى ترك محظورات الإحرام. ترك محظورات الإحرام، فإحرام الرجل: بألا يلبس ما يكون محيطًا بجسده، وهو ما يسميه الفقهاء بالمخيط -ما يسميه الفقهاء بالمخيط- فلا يلبس القميص ولا العمائم ولا القلانس ولا السراويل، ولا ما كان بمعناه مما يحيط بالجسد. فلا يستر رأسه، ولا يحيط بجسدي بشيء. والمرأة لا تلبس القفازين -أي في اليدين- ولا تستر وجهها بنقاب، وما كان بمعناه مما يشد على الوجه -نقاب لثام لجام- كل ما يشد على الوجه تمنع منه. وأما ما يرسل من أعلى إلى أسفل -الستار الذي يرمى من فوق الرأس إلى أسفل- فهذا الأفضل ألا تلبسه إلا إذا وجد الرجال الأجانب، فنفصل. النقاب واللثام واللجام وكل ما يشد على الوجه لا تلبسه أبدًا. وأما ما يرسل ويرمى من فوق الرأس إلى أسفل فعند الرجال الأجانب تلبسه، وعند عدم الأجانب يُستحب أن تكشفه. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه بأدلته في موضعه. والجميع -الرجل والمرأة- يجتنبون الطيب وما كان بمعناه، يجتنبون الطيب وما كان بمعناه. وأما المعنى الثاني للإحرام: فهو الدخول في النسك، بأن يقول من قد تخلى عن محظورات الإحرام: «لبيك اللهم عمرة -أو: لبيك اللهم حجًا-» فيقال: فلان أحرم -يعني ماذا؟ دخل بالإحرام- دخل بالإحرام. مع أنه من قبل ربما يكون قد ترك محظورات الإحرام ولبس لباس الإحرام. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لبس إحرامه من بيته، لبس الإحرام من بيته. ودخل في نسك الإحرام من أين؟ من ذي الحليفة. ودخل في نسك الإحرام في الحج من ذي الحليفة. فإذا هناك فرق. هذا إحرام، وهذا إحرام بلبس لباس الإحرام وترك محظورات الإحرام. وهذا إحرام بدخوله في النسك حجًا أو عمرة. فيكون يسمى بهذا: أحرام. وأما المعنى الثالث للإحرام: فهو معنى أوسع يطلق في الحج وفي غير الحج، يطلق في الحج وفي غير الحج. وهو: من دخل في شيء حرم عليه ما كان حلالًا قبل ذلك. حتى يقول العامة: لمن دخل في الصلاة: أحرم، فلان قد أحرم -يعني أحرم بالصلاة- يعني لا تكلمه ولا تأتي عنده؛ لأنه أحرم بالصلاة. وهكذا في غيره. فهذه ثلاثة معان مشهورة في معنى الإحرام. قال رحمه الله تعالى: «فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد». طيب، قبل هذا هل في هذا دليل على استحباب الاغتسال للمحرم؟ الجواب: نعم، فيه دليل على استحباب الاغتسال لمن يريد الإحرام؛ لأن أسماء بنت عميس لا تستفيد في الأصل أنها لا تستفيد في هذا الاغتسال؛ لأنها في جنابة ماذا؟ جنابة النفاس. ولكن أمرها أن تغتسل؛ كما قال العلماء: لأن هذا مما يستحب في حق المحرم. وهل يستحب للمحرم صلاة؟ الجواب: لا، لا يستحب للمحرم أن يصلي لأجل الإحرام؛ إلا أن يوافق صلاة فليصلي. فليس هناك صلاة خاصة بالإحرام -ركعتين أو أربع أو أقل أو أكثر- إلا أن يوافق صلاة فيصلي. فإذا لم يوافق صلاة لا يصلي. هذا في كل مواضع الإحرام؛ إلا موضع واحد، وهو ماذا؟ وهو ميقات أهل المدينة؛ لأنه واقع في واد مبارك، واد مبارك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتاني آت من ربي؛ أن صلي بهذا الوادي المبارك». فيستحب لمن مر بذي الحليفة أن يصلي فيه؛ لأنه واقع في واد مبارك. فالصلاة ليس لأجل الإحرام، بل لأجل المكان؛ لأنه مكان مبارك. ولهذا يستحب الصلاة في ذي الحليفة؛ حتى ولو كنت غير محرم؛ حتى ولو كنت لا تذهب للحج أو العمرة. فننتبه لهذا. أما بقية المواضع من المواقيت المكانية -ميقات أهل اليمن وميقات أهل نجد وميقات كذلك أهل العراق وغيرها- ليس فيها شيء من الصلاة. قال رحمه الله تعالى: «قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء؛ حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد». والقصواء اسم ناقته عليه الصلاة والسلام، سميت قصواء؛ لأن أذنها فيها إقصاء -مقطوعة قطعًا يسيرًا على العرض- يعني هكذا من هنا من الأسفل. تسمى قصواء. فإذا زيد في القطع تسمى جدعاء. وإذا قطعت أكثر؛ حتى كادت أن تضيع تسمى عضباء. وللنبي صلى الله عليه وسلم ناقة قصواء وعضباء وجدعاء. واختلف أهل العلم: هل هي أوصاف لشيء واحد؟ أم هي يعني هل هي ناقة واحدة تسمى قصواء وتسمى عضباء وتسمى جدعاء جدعاء؟ قال بهذا بعض أهل العلم؛ كما يروى عن محمد بن إبراهيم التيمي وغيره. وقال بعض أهل العلم: بل هي مختلفات. وهذا الثاني لعله أظهر؛ لأن الجدعاء هي التي هاجر بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ كما في حديث عائشة في الصحيحين. والقصواء هي التي حج بها النبي عليه الصلاة والسلام. وبين هجرته وحجه كم سنة؟ سنوات كثيرة بين هجرته وحجه سنوات كثيرة. نقف إلى هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.