شرح كتاب تطهير الإعتقاد 25

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 25

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 25، الدرس الخامس والعشرون : فيه (بل أضرب لك مثلاً آخر ... فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتشار الباطل وعلاقته بالحق

يشرح الشيخ ابن بريك كيف أن انتشار الباطل لا يعني تحوله إلى حق، مستدلاً بأمثلة من التاريخ الإسلامي. ويبين أن عدم إنكار الباطل لا يعني أنه أصبح حقاً.

مفهوم الاجتهاد والإجماع في الدين

يناقش المقطع مفهوم الاجتهاد والإجماع، ويبين أن الاجتهاد مفتوح لقيام الساعة وأن الإجماع المعتبر هو الذي لا يقع فيه خلاف. كما يفرق بين الإجماع والاتفاق في المسائل المستجدة.

انتقاد الاستدلال بالسكوت على الباطل

يناقش المقطع انتقاد الاستدلال بالسكوت على الباطل، ويبين أن السكوت قد يكون بسبب العجز أو خشية المفسدة. كما يشرح أن العلماء ينظرون إلى الأمور باعتبار مصالحها ومفاسدها.

تحذير من الشرك بسبب القباب والمشاهد

النص يحذر من أن القباب والمشاهد أصبحت مدخلاً للشرك والإلحاد، ويذكر أن من يعمرها غالباً هم الملوك والسلاطين. ويشير إلى أنه سيتم مناقشة هذا الموضوع بشكل أكبر في الدرس اللاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الصنعاني، رحمه الله تعالى: «بل أضرب لك مثلا آخر، هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء -يعني أنه أفضل البقاع- أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الظلال...» وذكر أنه كما ذكر المعلق فرج بن برقوق الجركسي، وكان مشهورا بالظلم والتجبر ومنهمك بالكبائر والمعاصي. وقال الشوكاني، رحمه الله، كما في «البدر الطالع»: «والعجب أن هذا السلطان المجتمل على هذه الأوصاف هو المحدث للمقامات في بيت الله الحرام، التي كانت سببا لتفريق الجماعات واختلاف القلوب والتباين...» إلى آخر كلامه، رحمه الله. ويريد المؤلف، رحمه الله، أن يبين أن انتشار الباطل في المجتمع وعدم وجود المنكرين ليس معناه أن ذاك الباطل صار حقا، بل الباطل باطل، ويعرف بطلانه بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ثم بعد ذلك، إذا وقع أن بعض الناس أو كثير من الناس وافق هذا الباطل وأقره وسكت عنه، لا يعني ذلك أن الباطل صار حقا، بل الباطل باطل. ويضرب المؤلف، رحمه الله، أمثلة، وقد مرت معنا بعض الأمثلة، ومن هذه الأمثلة هذا الذي الآن يذكره، قال رحمه الله تعالى: «أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادات العباد واجتمعت على ما لا يحصيه إلا الله من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين...» وذلك أنهم جعلوا محرابا للشافعية، وآخر للحنابلة، وآخر للمالكية، وآخر للحنفية. فصار بعضهم يقول لأهل الحق: «أنتم ليس لكم محراب، إذن ليس لكم دين»، حتى يسر الله عز وجل من أزال هذه البدعة المنكرة، فأراح المسلمين من شرها. قال رحمه الله تعالى: «بل قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، شياطين الجن وشياطين الإنس...» صاروا يسخرون من المسلمين على تفرقهم هذا التفرق. قال: «وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها...» ومراده أن أصنافا من الناس وردوا إلى الحرم المكي، وفيه تلك البدعة المنكرة: أربعة محاريب، وفي كل لحظة يصلي أهل كل مذهب. أولا أهل مذهب كذا، ثم مذهب كذا، ثم مذهب كذا، وليس معنى ذلك إذ وفد العلماء أنه إقرار منهم وموافقة، لأنه قد يكون من العلماء من هو منكر، لكن ليس السبيل إليه، وإنما السبيل إلى السلاطين الذين بيدهم زمام الأمور. ولهذا لما يسر الله عز وجل بدولة التوحيد في تلك البلاد المباركة أزالوا هذه البدعة المنكرة، فارتاح المسلمون من شر وآثار هذه البدعة المنكرة. وقوله: «الأبدال والأقطاب إليها» هي ألفاظ اشتهرت أنها من ألفاظ الصوفية المتصوفة والقبورية، وهو -والله تعالى أعلم- قد يكون يريد بها ما اصطلح عليه بهذا المعنى، ويكون بذلك على وجه التنزل. وكذلك إضاحة الحال: أنه لو قدر أن أبدالا وجدوا -مع أن المؤلف أنكر ذلك في بعض كتبه الأخرى- أو هناك أقطاب، لو كان هناك أقطاب، لما كان هذا مبررا لتصحيح هذه البدعة، فإنهم قد يكونوا في أنفسهم أنكروا أو وافقوا، فليس العبرة بموافقتهم أو إنكارهم، ولكن العبرة بموافقة الحق أو بمخالفته. لو كان على الحق هذا رجل واحد فقط، ولو كان على الحق رجل واحد، ويحتمل أنه يريد بالأبدال والأقطاب المعاني المصححة، ليس بمعاني المتصوفة والباطنية والقبورية، ولكن بالمعاني المصححة. فالمراد بهم من بلغ مرتبة في العبادة أو مرتبة في العلم والدين، بغض النظر أن بعض هذه الألفاظ استخدمها بعض هؤلاء الضلال من المتصوفة والباطنية والقبورية. وربما يريد ما أشار إليه المعلق: أن المراد بالأقطاب علماء الدين الذين أطلقوا بقطب الدين، فالله أعلم ما هو الذي أراد به، لكن على أحد هذه الاحتمالات الثلاث، فالمقصود ليس هو إقرار هذه الألفاظ بمعناها الفاسد عند المتصوفة والباطنية والقبورية. ولكن المقصود هو بيان أن إتيان من أتى -مهما بلغ منزلة- فإن ذلك لا يعني تغيير الحقائق، بل الحق يبقى حقا والباطل يبقى باطلا. كأن تقول مثلا: حتى لو جاء فرعون، هل أنت تقر بفرعون وما هو عليه؟ أم أنك تريد أن الحق يبقى حقا ولا يتغير حتى لو جاء من جاء وأقر من أقر ونصر من نصر؟ المراد هذا المعنى الصحيح. قال رحمه الله تعالى: «وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟» هذا لا يقول من له إلمام بشيء من المعارف، لماذا؟ لأن الحق لا يعرف بكثرة الموافقين أو قلة الموافقين، ولكن الحق يعرف بموافقته الصواب، ولو لم يكن عليه أحد. فيأتي النبي، وليس معه أحد، هل معنى أن هذا النبي على باطل؟ الجواب: لا. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين...» بمثل هذا المثال، وصل المؤلف رحمه الله إلى ما سبقت الإشارة إليه من أن ما فعله بعض القبوريين في أنحاء بلاد الدنيا الواسعة لا يعني ذلك أنهم على حق أبدا. هذا لو قدر أنه قد سكت عنهم، وإلا فالغالب لا يخل زمان ومكان من أهل حق ينافحون عن الحق وينكرون المنكر، لكنهم قلة، وهذه سنة الله: «وقليل من عبادي الشكور». قال: «فإن قلت: يلزم من هذا أن الأمة قد أجمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة...» يعني قد يقول قائل: إذن إذا قلتم هذا، أجمعت الأمة على ضلالة، وورد في الأحاديث أن الأمة لا تجتمع على ضلالة. فالجواب عليه قال: «قلت: الإجماع الحقيقة، وإتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره، وفقها المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد لأمة الأربعة...» وتعريف الإجماع عند الأصوليين له حدود مختلفة، وأصحها وأصوبها أن الإجماع المعتبر هو الإجماع الذي لا يوجد معه خلاف. ولم يعرف إجماع وصفه كذلك إلا ما كان من القرون الثلاثة المفضلة، فإن بعدهم كثر الخلاف وتفرقت الأمة، فعني بهذا أن الإجماع المعتبر هو ما كان بهذين القيدين. قال رحمه الله تعالى: «وقوله عفوا، قوله: وفقها المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد -يعني يمنعون من بعد لأمة الأربعة أو ينكرون وجود- وهذا ليس بصحيح...» فإن هذا من قول بعض المتأخرين من المتمذهبة، وإلا في الصواب أن الحق ضالة المؤمن، لو قاله الأول أو قاله الآخر. ثم ما أكثر المسائل المستجدة المستحدثة التي تحتاج إلى الاجتهاد في كل زمان ومكان، فإن قلنا أن الاجتهاد انقطع، فهذا في الحقيقة إضلال للناس، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر حكما عاما في أن الاجتهاد مفتوح لقيام الساعة. إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، وكما دلت الأدلة الشرعية فإن الواقع يفرض نفسه في ضرورة الاجتهاد، ولا ينكر الاجتهاد إلا في الحقيقة من خرج عن حد الشرع والفطرة والعقل. يقول رحمه الله تعالى: «قال: وإن كان هذا قولا باطلا، وكلاما لا يقول إلا من كان للحقائق جاهلا...» لأنه في الحقيقة ليس بواقعي، ولا ذا معرفة بالأدلة الشرعية، وإلا ما كان يقول مثل هذا القول -يعني من أن الاجتهاد مغلق- قال: «فعلى زعمهم لا إجماع أبدا من بعد لئمة الأربعة، فلا يريد السؤال...» فإن هذا الابتداع والفتن بالقبور لم يكن على عهد لئمة المذاهب. وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال، يعني لو كان الأمر كما يقول السائل، إذن معناه أن هذا الذي وقع مما لم تجمع عليه الأمة، لماذا؟ لأنه لم يكن في عهد لئمة القبور هذه، وإنما حدث متأخرا. قال: «فإن أمة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كل أرض وتحت كل نجم...» فعلماء المحققون لا ينحصرون، ولا يتم لأحد معرفة أحوال، يعني من إنكار هذه البدعة. فمن أين يدعى أنهم أجمعوا على هذه الضلالة؟ ومن أين؟ وهذا الإمام الصنعاني، رحمه الله، واحد من الذين أنكروا هذه البدعة، وقبله وبعده أناس كثر لا يعدون ولا يحصون من علماء المسلمين العاملين العارفين الراسخين الذين أنكروا هذه البدعة. فكيف يدعى الإجماع؟ فهو إجماع باطل، وكما قال إمام الشافعي: «إنما الإجماع المعتبر الذي إذا قلت: أجمع، لم تجد أحدا يخالفك». قال رحمه الله تعالى: «فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين، فإنها دعوة كاذبة...» كما قال أئمة التحقيق، وهذا هو الصواب: أن الإجماع المعتبر هو الذي لا يقع فيه خلاف. وعند التحقيق والبحث لا تكاد تجد أن الإجماع يخرج عن القرون الثلاثة المفضلة، فإن خرج فله أصل في القرون الثلاثة المفضلة. فإن قيل: ماذا تقولون في المسائل المستجدة المستحدثة إن وقع فيها إجماع؟ فالجواب: أن هذا اتفاق، وقول أهل الحل والعقد، وقول أهل العلم الذين أمرنا بطاعتهم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. لكننا لا نستطيع أن ندعي الإجماع، لا نستطيع أن ندعي الإجماع، وما أدرانا أن أحدا في الشرق أو في الغرب يخالف في هذه المسألة؟ لكن من حيث الإلزام نعم، قد نلزم بها هذا الاتفاق، قد نلزم به طاعة لله ولرسوله، بطاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء، خصوصا إذا كانت فيه مصلحة متحققة للمسلمين. قال رحمه الله تعالى: «ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر، وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره...» وهذا من باب التنزل، وهذا من باب التنزل، وإلا في الحقيقة فإن هذا المنكر العظيم مما فعله عباد القبور قد أنكره العلماء قديما وحديثا، ولم يخل زمان -كما سمعنا- إلا وأنكره منكر. بل أول المنكرين في أمة الإسلام هو نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد أنكر ما سيكون في هذه الأمة: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حدى القذة بالقدة...» وهو القائل: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال رحمه الله تعالى: «ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر، وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لما دل سكوتهم على جوازه...» لأن الساكت ليس موافقا. قال: «فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاث...» يعني طريقة الإنكار المشروع شرعا ثلاث: أولها الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته أو تخفيفه إذا لم يزل بالكلية. قال: «وثانيها الإنكار باللسان، ما عدم استطاعته التغيير باليد...» ولا يلزم أن يكون الإنكار باللسان مباشرة، قد يكون بواسطة، قد يكون بواسطة. قال: «وثالثه الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان...» وقد يظهر ما في هذا القلب في مجلس خاص أو في غيره. فإذا كان كذلك، إذن الساكت قد يكون من المنكرين بقلوبهم، الساكت قد يكون من المنكرين بقلوبهم، فكيف يدعى الإجماع؟ هذا لو قدر أن العلماء سكتوا، والحقيقة أنهم لم يسكتوا. فما أكثر المؤلفات والفتاوى التي فيها الإنكار على طريقة عباد القبور. قال رحمه الله تعالى: «فإن انتفى أحدهما لم ينتفي الآخر...» يعني إذا انتفى أحد هذه الثلاثة لم ينتفي الآخر، أقلها أن يوجد من ينكر بماذا؟ بقلبه. قال: «ومثاله: مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين...» وهو يأخذ أموال المظلومين، فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير باليد على هذا الذي يأخذ أموال المساكين، ولا باللسان، لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا الظالم ربما اعتدى عليه، بل ربما قتله، ويدعي أنه يهيج الشعوب على الملوك. قال: «لأنه إنما يكون سخرية لأهل العصيان...» فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين، ولم يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان، فيجب على مرأى ذلك العالم ساكتا عن الإنكار -مع مشاهدة ما يأخذ ذلك الجبار- أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان، وأنه قد أنكر بقلبه. خصوصا إذا علم أن هذا العالم من العالمين العاملين العارفين الراسخين، فإن حسن الظن بأمثال هؤلاء يقتضي أن يقال فيه بمثل ما سمعنا. قال: «فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم -مهما أمكن- ضربة لازم...» والمراد: يعني أمر لا بد منه. قال: «فالداخلون إلى الحرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية -يعني تلك القباب التي فرقت شمل الدين وشتتت صلوات المسلمين- معذورون عن الإنكار إلا بالقلب...» يعني معذورون إذ لم ينكروا بألسنتهم ولا بأيديهم، لأنهم لا يستطيعون، ولأن السلطان في ذاك الزمان لا يسمح بمثل ذلك. قال: «كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين لا فرق...» الذي يمر على المكاسين الجبارين الظالمين، أو الذي يمر على عباد القبور وهم يفعلون ما يفعلون. ما المجتمع مليء بإنكار أهل الشجاعة من أهل الحق، فمنهم من هدم، ومنهم من أنكر بلسانه، ومنهم من كتب بيده، وما أكثر ردود أهل التوحيد على عباد القبور على مر الأزمان والعصور. قال: «ومن هنا يعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في بعض ما يستدلون عليه بالإجماع: إنه وقع ولم ينكر فكان إجماعا...» ووجه اختلاله: أن قولهم: «ولم ينكر» رجم بالغيب. يعني ما أكثر المسائل العلمية -فضلا عن العوائد الشركية والبدعية- التي يستدل بالسكوت فيها أو عدم العلم بالمخالف على الإجماع، وهذا ليس بصحيح. فعدم العلم بالمخالف ليس نقلا للإجماع، لأن عدم النقل ليس نقلا للعدم، عدم النقل ليس نقلا للعدم. فما أكثر الأشياء التي لم ينقل فيها، ووجد المخالف فيها. أنا سبيل المثال: ثبت في الصحيح في حديث عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأعدت البيت على أساس إبراهيم...» الحديث، وذكر أربع خصال كان يريد أن يفعلها عليه الصلاة والسلام، ولم يفعلها: إعادة البيت على أساس إبراهيم، بإدخال الحجر، وإخفاض الباب، وجعل باب آخر -لأن الكعبة كان لها بابان- وجعل باب آخر يدخل منه الناس، وآخر يخرج منه، وتوزيع كنزها في سبيل الله. أربع خصال أراد أن يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لم يفعلها خشية المفسدة، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من بيده زمام الأمر، ومع ذلك لم يفعله خشية المفسدة. فإذا ليس سكوت الساكتين إقرار لفعل أهل الباطل أبدا، وهذا هو الذي ينبغي ويجب في حسن الظن بأهل الحق، والعبرة بالحق بكونه حقا، موافقته للصواب، لا بكثرة القائلين والموافقين أو قلتهم أو قلتهم. قال رحمه الله تعالى: «فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان...» وأنت تشاهد في زمانك: أنه كم من أمر يقع، لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت منكر له بقلبك. أنت تمر أحيانا في طريقك وشارعك على منكرات كثيرة، ما تستطيع أحيانا أن تنكر هذه المنكرات، إما للمفسدة أو كذلك لأن هذا مما عمت به البلوى، ويشق على الإنسان الاستمرار بهذا الإنكار. وأنت عندك ما هو أعظم من هذا، خصوصا أن هؤلاء تعودوا هذه المنكرات، وهم في الغالب لا يستجيبون. فكم في الشارع من حالق لحية، وكم في الشارع من مسبل ثوبه، وكم في الشارع كذلك من مدخن، وكم من مخزن، وكم من سامع للغناء؟ لكن إذا وافق الزمان والمكان والحال أن تنكر على أحد هؤلاء بالرفق واللين والسكينة والهدوء، فعلت. وإذا لم يناسب، فإنك تمشي في طريقك، وهل مشيك في الطريق يصح أن يقال: مرة فلان ابن فلان في هذا الشارع، وكان فيه مدخن ومخزن ومسبل وحالق لحية وصاحب استيريو مغني، وآخر صاحب صور... إلخ، ولم ينكر على أحد، إذن هذا كله عنده حلال؟ هل يصح هذا؟ هل يقول هذا عاقل؟ الجواب: لا، ما يقول هذا عاقل. قال رحمه الله تعالى: «وأنت تشاهد في زمانك: أنه كم من أمر يقع، لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت منكر له بقلبك...» ويقول الجاهل: إذا رأىك تشاهده سكت فلان عن الإنكار، يقول: فأنا، فالسكوت لا يستدل به عارف، وإنما يستدل به جاهل أو مجادل بالباطل. قال: «يقوله إما لائما أو متأسيا بسكوته...» فالسكوت لا يستدل به عارف، وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال: «فعل فلان كذا، وسكت الباقون، فكان إجماعا...» كذلك هذا خطأ. كونه يقول: «فعل فلان، وسكت الباقون» ليس دليل على صحة هذا الأمر. قال: «مختل من جهتين: الأولى: دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان...» لما عرفت من عدم دلالة السكوت على التقرير، لأنه قد يكون أنكر بقلبه، ولوجود مانع لم ينكر بلسانه أو بيده. قال: «الثانية: قولهم: فكان إجماعا...» فإن الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف، حتى يعرف عنه لسانه -أي يبين لسانه- هل هو موافق أو مخالف؟ قال: «قال بعض الملوك: وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله، وفيهم رجل ساكت...» ما لك لا تقول كما يقولون؟ فقال: «إن تكلمت خالفتهم، بل السكوت أحيانا علامة على عدم الرضا...» لأنه يعلم مع وجود علم ملوك السوء الذين يبطشون ويفسدون: أنه لو أنكر حصل له ما فيه شر. والعلماء أحيانا ينظرون إلى الأمور في مصالحها ومفاسدها، ليس هذا جبنا منهم وعدم شجاعة، لكن هذا منهم حذق وحلم وحسن تصرف وذكاء، وهو من السياسة الشرعية الصحيحة. لأنه يسعى العالم ولا يعجز، ولا يبالي لو كان هذا الذي يحبه الله أن يقوم لظالم من الظالمين، ويقول: «هذه القبور منكرة، ويجب أن تغيروها...» وكذا وكذا، ثم يقتل ويذهب العالم من الأرض، وانتهى، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى. لكن هل انتفع المجتمع بموت العالم صاحب الحق؟ هل انتفع المجتمع؟ الجواب: لا، من انتفع أنكر مرة ومات، وأتت بعده أجال شهدت الباطل ولم تسمع صوته منكرا. لكن لو أنه أنكر في المجالس الخاصة، وفي دروسه، وفي كتاباته، وبين طلبته، فإن هؤلاء سينشرون في المجتمع ذاك الحق، وسيكون -بإذن الله- في وجوده وبقائه نفع للناس. وهذا هو الحامل على سكوت الكثير من العلماء عن كثير من المنكرات، ليس إقرارا للمنكر، ولا عجزا عن إظهار الحق، ولا جبنا في مواجهة أهل الباطل أبدا. ولكنهم ينظرون للأمور باعتبار أرجحها مصلحة، وأدناها مفسدة، فما كان أرجح مصلحة طلبوه، وما كان أدنى مفسدة -ولا بد منه- فعلوه. قال رحمه الله: «فما كل سكوت رضا...» فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه وقوله وكلمة -أو وكلمه- فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد؟ يعني كما يقول القائل: «شخطت قلم، وزالت نفس فلان...» يسهل على ذاك السلطان الجائر أن يقول: «اقتلوا فلان» بلسانه، أو برسم ببنانه. قال: «فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم دريعة إلى الشرك والإلحاد...» غالب من يعمرها -بل كل من يعمرها- الملوك والسلاطين. نترك هذا -إن شاء الله- لطول هذا الفصل إلى الدرس اللاحق، وإلى هنا والله تعالى أعلم.