شرح كتاب تطهير الإعتقاد 24

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 24

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 24، الدرس الرابع والعشرون : فيه (فإن قلت إن الناذر قد يدرك النفع ودفع الضرر ... هذا لا يقوله من له أدنى إدراك). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على المجادلين عن النذر بالقبور وتشبيههم بالمشركين

يناقش الإمام الصنعاني رأيه في الرد على من يجادل عن النذر بالقبور ويشبههم بالمشركين، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يبين أن الشياطين تلعب دورا في إضلال الناس.

انتشار الشرك وعبادة القبور في البلاد الإسلامية وأهمية اتباع الدليل

يصف انتشار عبادة القبور والشرك في البلاد الإسلامية ويحذر من اتباع العادات دون دليل، ويؤكد على أهمية اتباع الدليل والحق في الدين.

أسباب فتنة العامة وعبادة القبور ودور العلماء

يناقش أسباب فتنة العامة وعبادة القبور حيث ينشأ الناس على تعظيم القبور، ويحذر من سكوت العلماء عن المنكر واعتباره دليلا على جوازه.

التركيز على الحق وتجاهل إنكار المنكرين

يوضح أن الحق لا يتأثر بإنكار المنكرين، ويشدد على أهمية التمسك بالحق رغم وجود من ينكره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: إن قلت: إن النادر قد يدرك النفع ودفع الضر بسبب إخراجه للندر وبدله، يعني إذا كنت تقول: إن هذا لا يجوز، وأن هذا شرك، وأن هذا كذا وكذا، فماذا نسمع ونجد أن بعض من يندر النذور ينتفع بهذه النذور؟ فأجاب رحمه الله تعالى قائلا: قلت: كذلك الأصنام، كان يدرك منها ما هو أبلغ من هذا، وهو الخطاب من جوفها والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان. فإن كان هذا دليلا على حقية القبور وصحة الاعتقاد فيها، فليكن دليلا على حقية الأصنام. وهذا هدم للإسلام وتشييد لأركان الأصنام. وبرهان ذلك أحاديث كثيرة، فقد صح أن خالد بن الوليد لما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام لقطع السمرات وهدم وثن من أوثان الجاهلية، خرجت له امرأة عريانة شعرها منشور، شيطانة كانت تحمي ذاك الوثن، فصممها خالد بن الوليد بالسيف فقتلها. ويحكى أنها كانت تكلم الناس وتخبرهم بالمغيبات وأشياء أعظم مما يجده عباد القبور عند القبور التي يعبدونها. فهل هذا يدل على تصحيح عبادة أرباب الأصنام للأصنام؟ فإن كان الجواب لا، فكذلك الجواب لا بالنسبة لعباد القبور. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن تسلط الشياطين والمردة في المجتمعات يكون بقدر انتشار الكفر والفسوق، فكلما عظم الكفر قوي فيهم آثار السحر والشعوذة ونحوها، بسبب وجود ما يعين على ذلك، وهو قلة ما يمنع ويبطل عملهم من ذكر الله عز وجل. بكثرة الكفر، وذكر أمثلة على ذلك في بلاد الهند ونحوها، كيف أن السحر يقوى عندهم حتى أنهم يرون الرجل يمشي في الهواء أو يمشي في الماء أو غير ذلك. ولا يزال الناس يحدثون بهذا، فإنك ترى في بلد الإيمان والإسلام يضعف السحر وأثره، وكذلك شدته في المجتمع، بخلاف المجتمع الذي يكثر فيه الكفر، كما حدثنا من ذهب إلى بعض بلاد الهند أو بلاد الصين أو غيرها من بلاد الكفر والوثنيات، فإنهم يجدون عجائب وغرائب شنيعة من آثار السحر على أهله. وليس كذلك الأمر في بلاد الإسلام، وما ذلك إلا من تسلط الشياطين. ولهذا قال رحمه الله تعالى -أي الصنعاني- بعد ذلك: قال رحمه الله: والتحقيق أن لإبليس وجنوده من الجن والإنس أعظم العناية في إضلال العباد. وقد مكن الله إبليس من الدخول في الأبدان والوسوسة في الصدور. وهذا الدخول إما بدخول الوسوسة كما يفعل القرين، وإما بالتلبس كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك. فمثله كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس. قال: والتقام القلب خرطومه، فكذلك يدخل أجواف الأصنام ويلقي الكلام في أسماع الأفدام. والأفدام جمع فدم، والمراد به العيي الغبي الأحمق من الرجال، ويقال للأنثى فدمة. وقد يقال بالتاء ثدم وثدمة، وهو من فيه عياء وغباء وحمق، فإنه يتلبس عليه أو يلتبس عليه ذلك الأمر. وقد كذلك يتلبس به لجهله ولقلة دينه. قال: ومثله يصنعه في عقائد القبوريين، يعني كما يفعل ذلك في الأصنام، فيفعل كذلك في القبور، ولا فرق، لأن الشيطان غرضه هو صرف الناس عن عبادة الله، ليس صرفهم إلى الأصنام فقط، بل صرفهم إلى ما يمكن صرفهم إليه من صنم أو شجر أو قبر أو حجر أو حتى إنسان حي. أو حتى إنسان حي إذا أمكن ذلك، فإنه سيفعل. قال: فإن الله تعالى قد أذن له أن يجلب على بني آدم بخيله أو يجلب على بني آدم بخيله ورجله، وأن يشاركهم في الأموال والأولاد. ويشير إلى قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. فإن هذا مما امتحن الله عز وجل به بني آدم، وأمكن منه الجن لأجل أن يكون بذلك الامتحان والابتلاء ولله حكما. قال: وثبت في الأحاديث أن الشياطين تسترق السمع بالأمر الذي يحدثه الله تعالى فيلقيه إلى الكهان، وهو ما جاء بالصحيحين بحديث عائشة: أن الشياطين تسترق السمع من أبواب السماوات، فإذا سمعت الكلمة تناقلها الشياطين تناقلها هؤلاء بعضهم عن بعض. وإذا جاءت الشهب فأحرقت بعضهم، وقد وصلت إلى من تحته، فإنها تصل إلى هذا الكاهن. وإذا أحرقته قبل أن يخرجها ويرميها إلى من تحته، فإنها لا تصل. ثم إذا وصلت إلى الكاهن، فإنها تضاف إليها مئة كذبة، فيغتر الناس بالصدق الذي يكون. وكذلك لماذا لا يكون حصول بعض ما يحصل من ندر الناذرين من جنس إخبار الكهان من هؤلاء الشياطين؟ فرب إنسان يقول مثلا: أين غائبتي؟ لا يعلم الغيب إلا الله، أين هذا الذي ضاع مني؟ فيرسل هذا الشيطان الإنس، هذا الشيطان الجني بما يكون من كفره وتقربه إليه بالكفر، فإن الجن لا يخدمون الإنس إلا بشيء من الكفر. فإذا ذهب هذا الجني فاسترق السمع فوجد شيئا من ذلك، أعطاه لهذا الكاهن، فأعطاه الكاهن أو القائم على هذه القبة ممن هو قيوم أو حبيب أو سيد أو غير ذلك، فيما يزعم أنها بشارة جاءت من الولي، وغائبك في المكان الفلاني. وهل هذا يعني أنه يعلم الغيب؟ وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بأن هذا استرقاق يسترقه الشيطان. فإذا كان كذلك، فإذا هذا ما يزيدنا إلا يقينا أنهم الذين حذرنا ربنا ونبينا عليه الصلاة والسلام منهم. قالوا: هم الذين يخبرون بالمغيبات ويزيدون فيما يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مئة كذبة، يعني كما جاء في الحديث الذي تقدم. قال: ويقصد شياطين الجن شياطين الإنس من سدنة القبور بذلك الزور والبهتان، فيقولون للقبوريين: إنه فعل الولي، وفعل، يرغبونهم فيه ويحذرونهم منه. ولهذا تجد أكثر سدنة القبور ومن يقوم عليها هم من الكهنة والعرافين والسحرة أو من يتعامل مع هؤلاء. وهذا إن دل على شيء، دل على صحة ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فهم من جنس عبدة الأصنام ومن حولها من سدنة، وإنما اختلفت المسميات والحقائق واحدة. قال: إنه فعل الولي، وفعل، يرغبونهم فيه ويحذرونهم منه، ويرون ملوك الأقطار مقردين لذلك، ويولون العمال لقبض النذور. وقد يتولاها من يحسنون الظن فيه من عالم أو قاض، فيتم التدليس لإبليس وتقريره بهذا التدليس. ومراد رحمه الله أن هذا وكثرة الناس وتدافعهم عليه لا يعني أنه حق، بل الباطل بحقيقة وصفه لا بكثرة الداخلين والمتعاملين فيه. وأن قيام دول وإقرار علماء أو قضاء من علماء السوء وقضاء الضلال لا يعني ذلك تصحيح لهذا الفعل، بل هذا ينبغي لا يزيد صاحب الحق إلا ثباتا على حقه. فبدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قال: فإن قلت: هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد -ويريد سكان المناطق المنخفضة والمناطق المرتفعة، فالغور منخفض والنجد مرتفع- وطبق الأرض شرقا وغربا ويمنا وشاما وجنوبا وشمالا -يعني جميع الجهات في الجزيرة وفي غيرها-. قال: بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدونها ويعظمونها وينجرون لها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبر ويسرجونه ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها والتعظيم. وهذا بين شرك أكبر وشرك أصغر، وكله مما حرمه الله. قال: بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو في قريب منها -يعني قبرا- وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ حذر أمته من فتنة القبور: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد». فإن نبي عليه الصلاة والسلام، يحذر من هذه الفتنة. ومع ذلك تجد أن ما وقعت فيه الأمم السابقة وقعت فيه هذه الأمة. فصدق عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخْرُوا جُحْرَ ضَبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ». قالوا: آل يهود والنصارى؟ قال: «فَمَنِ الْقَوْمِ إِلَّا هُمْ». قال رحمه الله: أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة. والمشهد كما سبق، فسرناه أنه ما يبنى على القبر أو ما يكون معلما للولي، ولو ليس فيه قبر، ولو ليس فيه قبر، ولكنه يعبد من دون الله عز وجل. وهذا صنيع الذين ضلوا من أهل الكتاب. قال: ويصنعون فيه ما ذكر أو بعضا مما ذكر -يعني من الطواف والإسراج والهتف بالأسماء والحلف بها والاعتقاد والتعظيم والنذر وغير ذلك-. قال رحمه الله تعالى: ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين تفتت لهم الوضعة في جهات من الدنيا. قلت: يعني إذا قال القائل هذا الكلام وأورده وزعم أن سكوت العلماء إقرار بأن هذا صواب حق، كما يظن الجاهل إذا ابتلي بمجتمع لا يسمع فيه إنكار منكر. والجواب على ذلك كما سيأتي من كلام مؤلف رحمه الله: أن العبرة بالحق، وليس العبرة بإنكار المنكرين، لأنه قد يكون هناك تقصير، بل يضاف بأنه قد يكون هناك تقصير في نظر هذا المدعي أنه لم ينكر أحد، إذ أنه لم يطلع على من أنكر ذلك من أهل العلم. قال: قلت: إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف -والمراد بالأسلاف هنا من سبق من الآباء والأجداد، فهو جمع سالف، أو العوائد، أو المراد به العوائد على ما اشتهر من لغة أهل اليمن، فإن مرادهم بالأسلاف أي العادات-. قال: إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف -يعني عوائد الناس- فليس الدين بعوائد الناس، بل هذا دين أهل الشرك والكفر. إن وجدنا آباءنا على أمة وإن على آثارهم مقتدون. أما صاحب الحق فدينه ما أنزله الله وما بعث به رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: وعلمت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل وقبيلا بعد قبيل. والمراد بالعوالم سائر الناس شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. وقوله: جيلا بعد جيل وقبيلا بعد قبيل، يعني أمة من الناس بعد أمة من الناس، وقبيلة بعد قبيلة. فالخلاصة: لا تغتر بالكثرة، الحق أنك ينبغي أن تتبع الدليل. قال: فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها ونسعى في هدم منارها صادرة من العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل ومتابعة لهم من غير فرق بين دبير وقبيل. ومراده بالدبير والقبيل أنهم لا يعلمون شيئا. فهذا مثل يضرب من قديم الزمان يضرب، وهو معروف عند العرب لمن لا يعرف شيئا، يقولون: فلان لا يعرف الدبير من القبيل، أو لا يعرف دبيره من قبيله. واستلف المفسرون لهذا المثل ما هو المراد به؟ فقيل: المراد به أن القبيل هو ما يفتل من القطن، والدبير ما يفتل من الكتان والصوف، فمن لا يعرف الفتلة أصلا فهو لا يميز بين فتيل القطن وبين فتيل الكتان والصوف، لأنه خاض بشيء لا يحسنه ولا يعرفه. وقيل: المراد بالدبير والقبيل هو طرف الخيط من أوله ومن آخره، فالذي يفتل الخيط إذا اختلط عليه الخيط واستشكل عليه الأمر لا يعرف طرف الخيط الذي هو أوله وطرفه الذي هو آخره. وهكذا كذلك حال الكثير من العام، دخلوا في أشياء ليس لهم بها اختصاص ولا معرفة، فصاروا لا يعرفون فيها شيئا ويتابعون ويقلدون. والواجب عليهم متابعة الدليل. قال: صادرة من العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل ومتابعة لهم من غير فرق بين دبير وقبيل -يعني بين صواب وخطأ أو حق وباطل-. قال: ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف بإسم من يعتقدونه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره، ويلطخونه بترابه ويجعلونه على قبره طائفا، فينشأوا وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه. وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير. وهذا من أعظم أسباب فتنة العامة أنهم ساروا على هذا النسق جيلا بعد جيل، فظنوا أن هذا هو الدين، وما خالفه فهو الدين الجديد، وهو كذلك الباطل، وهو ربما سموه وهابية أو غير ذلك من المسميات. قال: وشاخ عليه الكبير، لا يسمعون من أحد عليهم من نكير، بل ترى ممن يتسمى بالعلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس أو الولاية أو الإمارة، معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه. مع أن فعل هؤلاء غالبا يكون بأحد أمرين: إما من رجل جاهل غالب عليه دين هؤلاء لجهله، فصار دينه دين ما اعتاده أهل بلده. أو رجل صاحب هوى يطمع في الدنيا ويعلم أن بقاء ما هو فيه من سلطان وجاه ومنصب وولاية وعلم وقضاء لا يكون إلا بمسايرة الواقع والمجتمع ولو على هذا الباطل. فهم علماء سوء، فمثل هؤلاء ليسوا ممن يعتمد عليهم، لكن لا يعدم المجتمع بالغالب من أناس أهل حق، ولو كانوا قلة، ولو كانوا قلة ينكرون هذا الباطل ويخالفون المجتمع. فالعبرة بالدليل، ليس بالكثرة. وما أكثر أمثال هؤلاء، فقد وجد في اليهود علماء علموا بالنبي عليه الصلاة والسلام وببعثته، بل حدثوا الأنصار بأنه هذا زمان وأوان نبي يخرج صفته كذا وكذا، فلما بلغ الأنصار أن نبيا خرج بمكة سارعوا إليه. قالوا: لا يسبقنا إليهم يهود، فلما آمنوا به وجاءوا به إلى المدينة وسبقهم إليه الأنصار، وعلم اليهود أنه خرج من غيرهم استكبروا واستنكفوا وجحدوا ما كانوا قد تكلموا فيه، هو الهوى والباطل. وهكذا كذلك بعض من امتنع واستكبر من كفار قريش، وهكذا كذلك من عباد القبور من يستنكر ويستنكف ويستكبر، لا يعني ذلك أنه لا يعلم الحق، لكن يعلم الحق وإنما هو الهوى. قال رحمه الله: أو الولاية والإمارة، معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام وأنه رأس الدين والسنام. ولا يغفى -ومعناه أن هذا الفعل هو من أعظم وأحسن أعمال الدين- بل فعل ذلك عباد القبور حتى جعلوا الفضائل في زيارة تلك القبور بالأحاديث المكذوبة والموضوعة والقصص المخترعة المختلقة، فصار دين العامة فعل هذه الأعمال الشركية، وأن من فعلها حسبه بها، ولو لم يعمل شيئا من خصال الدين. فرب رجل تارك للصلاة مفرط في الصيام غير مبالي بحج بيت الله الحرام، ويكتفي أن يأتي إلى القبر مرة في العام، ويرى أنه إن ذلك يكفر عنه جميع الذنوب. قال: الآتي أنه ليس عليه شيء ما دام قد أتى إلى ذاك المكان وزار الولي وقرب وطاف وفعل وفعل. فإذا ليس عليه شيء، صنيع ما يفعله النصارى فيما سبق من صفوق الغفران. ولهذا تجد أن هذا سهل على العامة فيحبونه، لأنهم يفعلون ما يفعلون من الفواحش والمنكرات والمعاصي، ثم يجدون الضمان من علماء السوء ورؤوس الضلال: أنك متى ما أتيت إلى هذه القبة وفعلت وفعلت، خرجتك يوم ولدتك أمك. قال رحمه الله: فيظن أن هذا دين الإسلام وأنه رأس الدين والسنام -يعني أن هذا الفعل هو أعظم ما في الدين- ما أن في الدين في دين الله عز وجل أن رأس الأمر ماذا؟ ها رأس الدين؟ ها أرفع صوتك، الإسلام، وذروة سنامه؟ ها الجهاد في سبيل الله. لكن هؤلاء لا، عندهم زيارة قبة فلان ذروة السنام، وقبة فلان هي رأس الأمر، وكذا وكذا. قال: ولا يغفى على أحد يتأهل للنظر ويعرف بارقة من علم من ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر -يعني عنده شيء من العلم ولو قليل- أن سكوت العالم أو العلماء على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر. يعني أن العبرة بالحق، ليس بسكوت من علم. قال: ﴿وَلْنَضْرِبْ لَكَ مَثَلًا مِنْ ذَلِكَ﴾ وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي، المعلوم من ضرورة الدين تحريمها، قد ملئت الديار والبقاع، وصارت أمرا مأنوسا، لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع. يعني ما أحد يسمع أحد ينكرها، وهي أخذ هذه الأموال لهذه القبور أو لبعض السلاطين، وهو من الأمر المحرم. وسبق معنا قول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث بريدة: «لقد تابت توبة أي للمرأة الزانية لو تابها صاحب مكس لغفر له». وهذا يدل أن صاحب المكس -أي آخذ الضرائب- ذنبه من أعظم الذنوب. ومع ذلك صار الناس يتعاملون به كأنه ليس بحرام، كحال بعض الناس حتى في زماننا هذا، ما أكثر عمال الضرائب لهم نسبة، ويفرحون بهذه النسبة ويتنافسون ويشترون هذه الوظيفة، ربما حدهم يشتري هذه الوظيفة بمئة ألف أو بمليون أو بأكثر من ذلك. قال: لا يلج إنكارا إلى سمع من الأسماع، قد انتدت أيدي المكاسين في أشرف البقع في مكة أم القرى، يقبض من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام، وسكانها من فضلاء الأنام والعلماء والفقهاء ساكتون عن الإنكار. وهذا في زمن المؤلف رحمه الله -يعني غلب هذا الوضع- وليس معناه أنه باق إلى زماننا هذا، إنما هو يحكي ما كان في واقعه، وليس معناه كذلك أنه لم يوجد أحد من أهل العلم ينكر، قد يكون وجد، لكن لم يسمع لقولهم لأنهم قلة، وهذه سنة الله أن أهل الحق غالبا قليل في المجتمعات. قال: معرضون عن إرادة الإصلاح والإصدار، أفيكون السكوت من العلماء بل من العالم -يعني كله- دليلا على جوازها وأخذها وإحرازها؟ هذا لا يقول من له أدنى إدراك -يعني بهذا يعلم أن العبرة بالحق، ليس بإنكار المنكرين ووجودهم، لأنه قد لا يوجد أحد أو يوجد أحد ينكر، ولكن لا يسمع لإنكاره ويغطى، فلا يعني ذلك أن الباطل صار حقا والحق صار باطلا. نكتفي بهذا القدر ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.