الدرس في شرح الدروس المهمة 45، تابع الدرس العاشر من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع سنن الصلاة وفقًا لرسالة الشيخ ابن باز، ويبين أن الرجل والمرأة يتشاركان في معظم السنن. يُفصّل أيضًا في كيفية السجود والجلوس بين السجدتين.
يتناول شرح سنن الصلاة المتعلقة بالتشهد مثل جلسة الافتراش والتورك، والصلاة الإبراهيمية، والدعاء في التشهد الأخير. يُوضح الكيفيات المختلفة لهذه السنن والأدلة الشرعية لها.
يشرح المواضع التي يستحب فيها الجهر بالقراءة مثل صلاة الفجر والمغرب والعشاء، والمواضع التي يستحب فيها الإسرار مثل الظهر والعصر، ويذكر بعض الأدعية في الصلاة.
يتناول تفاصيل قراءة ما زاد عن الفاتحة في الصلاة، ويشرح آراء أهل العلم حول واجبية قراءة ما زاد عن الفاتحة، خصوصا للإمام، واستدلالهم بالأحاديث النبوية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس الماضي بعض السنن التي ذكرها الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى في رسالته العظيمة النافعة «الدروس المهمة لعامة الأمة». ومما أخذنا في الدرس الماضي ما ذكره رحمه الله عن مجافاة العضدين عن الجنبين والبطن عن الفخذين في السجود، وأخذنا شيئًا من التفاصيل زيادة في إيضاح هذه «السنة». ومما يذكر تتمة للفائدة أن المرأة كالرجل في هذه السنة، ولم يصح شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح صريح يدل على التفريق بينها وبين الرجل في الصلاة. فما يفعله بعض الناس من إلزام المرأة بإلصاق بطنها بفخذيها ويديها في جنبيها لم يرد به شيء يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأصل عموم التشريع، بمعنى أن السنة تشمل الرجل والمرأة في هذه الهيئة من السجود، حتى ربما سجدت المرأة بين ركبتيها من شدة انضمام جسمها بعضه على بعض، وهذا فيه كلفة وحرج عليها ومشقة، وقد نهينا عن التكلف، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمان، ومعناه من حديث عمر رضي الله عنه، أنه نهى عن التكلف. وفي الحديث الآخر: «نهينا عن التكلف». فالأصل كما قلنا عموم التشريع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن، بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها: «النساء شقائق الرجال». فهذا هو الأصل، ومن خرج عن هذا الأصل فعليه الدليل، ولا دليل في هذا الباب. كما أنه لا ينافيه ما جاء في بعض الأحاديث، وسيحسن هذا الحديث بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني من المتأخرين، والحديث مختلف فيه، فبعض أهل العلم ضعفه، وهو محتمل للتحسين. والشاهد على تحسينه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يصيب الإنسان في صلاة الليل من طول السجود، فأمرهم أن يستعينوا بالركب، يعني إذا سجد وتعب اتكأ بأطراف ذراعيه على ركبته، فيضع أطراف الذراعين في آخر الفخذين مما يلي الركب، فهذا يخفف المشقة في السجود إذا طال. والجواب أن هذا يدل على أن المجافاة أصلا سنة وليست واجبة، ثم هذه السنة قد تترك عند المشقة، والمشقة تجلب التيسير. فلما كان طول السجود تكون فيه شيء من المشقة، جاءت هذه الرخصة. وبهذا يكون لا إشكال. ونضيف هنا تنبيهًا، وهو أن بعض الفقهاء ذكر هذا الحكم والتفريق للمرأة إذا صلت أمام الرجال الأجانب، حتى تستر جسدها عن الرجال الأجانب. وهنا ينبه بهذا التنبيه، فهو يتضمن على مسألتين: المسألة الأولى أنه ينبغي للمرأة ألا تصلي أصلا أمام الرجال الأجانب، تحرص على ذلك؛ لأنها عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان. فإذا ابتليت بذلك، كأيام الحج مثلا أو في وقت العمرة أو نحو ذلك، إذا اضطرت إلى الصلاة في الأماكن العامة، فعند ذلك يقال لها: تستتر، لا تجافي المجافاة التي تفعلها، تستتر، لكن بغير هذا الوصف، هذه الكيفية؛ لأنه لم يرد به دليل. يعني ليس بهذا التكلف، صحيح أن الاستتار حسن لها؛ لأن فعلها للسنة في هذا الموضع أمام الرجال الأجانب ربما يكون مدعاة للفتنة، لكن لا بأس أن تضم يديها بعض الشيء، ولكن ليس بالكيفية المبالغ فيها التي يفعلها بعض إخواننا من الحنفية وغيرهم، خصوصا من بلاد الهند، فإن هذه الكيفية فيها أذية للمرأة لنفسها ومشقة شديدة وكلفة. والله عز وجل أرحم بنا من أنفسنا، لكن تستتر بالشيء المعتدل المعقول الذي ليس فيه تكلف. ثم قال رحمه الله تعالى: «رفع الذراعين عن الأرض حين السجود»، يعني من سنن الصلاة أن يرفع المصلي ذراعيه عن الأرض إذا سجد في وقت السجود. وهذه السنة في الحقيقة تبع للسنة التي سبقت؛ لأنه إذا جاف بين العضدين فهو سيرفع الذراعين عن الأرض، واضح أن المجافاة تستلزم رفع اليدين عن الأرض. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله رفع الذراعين عن الأرض، ففي حديث أبي حميد قال رضي الله عنه: «كان لا يفترش ذراعيه»، أي النبي صلى الله عليه وسلم، «بل كان يرفعهما عن الأرض ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه». والأول حديث أبي حميد، والثاني جاء معناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى وغيره. وحديث أبي حميد كما تقدم معنا أصله في صحيح البخاري، وحديث عبد الله بن أبي أوفى كذلك أصله في البخاري ومسلم. و «صح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك من قوله»، فقد نهى عليه الصلاة والسلام أن يبسط الرجل انبساط الكلب، فيضع ذراعيه على الأرض، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس. وجاء من حديث البراء رضي الله تعالى عنه أرضاه في صحيح مسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك». وفي هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في صحيح مسلم من حديث البراء: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك». والمرافق هي المفاصل التي في نهاية الذراع. ففي هذا معنى ما ذكره المؤلف في هذه السنة. ثم قال رحمه الله تعالى: «التاسع: جلوس المصلي على رجله اليسرى ونصب اليمنى في التشهد الأول بين السجدتين»، وهذا يسمى «الافتراش». فهي جلسة يجلسها المصلي في التشهد الأول. وقد صح ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن قوله. فصح أنه جلس عليه الصلاة والسلام مفترشًا، أي في التشهد الأول، من حديث وائل بن حجر. وهكذا جاء معناه من حديث أبي حميد الساعدي، وهو في البخاري كما تقدم: «أنه كان يجلس هذه الجلسة»، وهي الافتراش. والافتراش كما سمعتم: أن يجلس المصلي على رجله اليسرى، يعني يلف القدم اليسرى تحت إليته اليمنى، وينصب القدم اليمنى عن يمين مؤخرة فخذه الأيمن، ويضع ذراعه على فخذه، ويشير بإصبعه. وإن تيسر له أن يلصق مؤخرة الذراع بطرف الفخذ هكذا فهذا حسن؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى»، كما جاء في حديث وائل بن حجر، وهو عند أبي داود والنسائي بإسناد صحيح. فهذه الجلسة تسمى «جلسة الافتراش». وقد صحت من فعله عليه الصلاة والسلام كما سمعنا، وصحت كذلك من قوله. فجاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ومعناه كذلك من حديث رفاعة، وحديث رفاعة عند أبي داود وغيره بإسناد حسن أنه قال عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم المسيء في صلاته، وهي رواية خارج الصحيح: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد». ولهذا سمى العلماء هذه الجلسة «بجلسة الافتراش». وهذه الجلسة تفعل كما ذكر في التشهد الأول. وأما التشهد الأخير، فكما قال في السنة العاشرة: قال: «عاشرا: التورك بالتشهد الأخير مع نصب اليمنى». والتورك له كيفيتان: الكيفية الأولى: أن يدخل رجله اليسرى تحت ساق قدمه اليمنى، ويجلس على الأرض بإليته اليسرى، هذه كيفية. يضع إليته اليسرى على الأرض، ويدخل رجله اليسرى تحت ساق رجله اليمنى، فتخرج أصابع رجله اليسرى من طرف رجله اليمنى. والكيفية الثانية: وهذه كذلك صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان يفعلها أحيانًا، أن يدخل رجله اليسرى بين ساقه وفخذه الأيمن، نفس الكيفية الأولى، لكن بدلًا من أن يدخل رجله اليسرى تحت الساق والفخذ، يدخل الرجل اليسرى بين الساق والفخذ. وهذه الكيفية صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قليلة، يعني أحيانًا. ممكن الإنسان يفعل هذه السنة إذا كان لا يشق عليه، وهي فيها شيء من المشقة، خصوصا مع بعض الناس الذين لا يجدون الليونة في أعضائهم، يعني كرجل بدين، أو كذلك عظامه متصلبة من قلة الحركة أو نحو ذلك. فالمهم إذا تيسر هذا أحيانًا فعله، وإلا اكتفى بالكيفية الأولى، وكلها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأحيلكم إلى تفاصيل ذلك في كتاب الشيخ العلامة الألباني رحمه الله: «الكتاب النافع صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم». ثم قال رحمه الله تعالى: «الحادي عشر: الصلاة والتبريك على محمد صلى الله عليه وسلم وآل محمد، وعلى آل إبراهيم، وعلى إبراهيم وآل إبراهيم في التشهد الأول»، أي كذلك من سنن الصلاة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة الإبراهيمية. وهذه تسمى عند أهل العلم «بالصلاة الإبراهيمية». والصلاة الإبراهيمية: أن يقول المصلي: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وهذه كيفية من كيفيات الصلاة الإبراهيمية. وقد جاءت عدة كيفيات في الصلاة الإبراهيمية، كلها صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإن استطاع المسلم أن يأتي بهذا أحيانًا وهذا أحيانًا فهو حسن، وإن لم يستطع اكتفى بواحد فهو جائز ومشروع. وأشهرها الذي سمعتم، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أرضاه. وجاءت أحاديث أخرى فيها الصلاة الإبراهيمية، وفيها زيادة بعض الألفاظ أو تقديم وتأخير عن عدد من الصحابة بلغوا السبعة. وذكر هذه الكيفيات والصيغ العلامة الألباني رحمه الله في «صفة الصلاة». فمن أحب الاستزادة فليرجع إلى هذا الكتاب النافع المفيد. وفي هذا التنبيه نعرف خطأ الكثير من العامة، فإن الكثير من العامة يقع في هذا الخطأ، خصوصا في هذا الموضع في التشهد الأول، يظنون أن التشهد الأول يقف المصلي فيه عند الشهادة، فإذا تشهد قام المصلي ولم يصل على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا خطأ. صحيح أن التشهد واجب، لكن لا يعني ذلك أنه لا يستحب الزيادة بالصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول، بل الصحيح أنه يستحب. فإن تيسر للإنسان فهو أفضل وأكمل. وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك علم أصحابه أن يفعلوه، فقد ثبت عند النسائي وغيره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي»، أي بالصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول. فكذلك ينبغي لنا أن نفعل هذه السنة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». ثم قال رحمه الله تعالى: «الثاني عشر: الدعاء في التشهد الأخير»، أي من سنن الصلاة الدعاء، أن يدعو المصلي لنفسه ولمن أحب في التشهد الأخير. وأول ما يتأكد من هذه الأدعية تلك الأدعية الأربعة التي كان يواضب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلم أصحابه أن يدعو بها، وهو التعوذ من عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من التشهد الأخير يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». وهكذا جاء معناه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وجاء في حديث في رواية في مسلم: «أنه كان بعد هذه الأدعية الأربع يدعو لنفسه بما بدا له». وهذا الدعاء صح عنه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم كذلك: «أنه كان يعلمه الصحابة رضي الله عنهم»، كما يعلمهم السورة من القرآن. بل كان بعض الصحابة يعلم أبناءه، فإذا لم يأتوا به في صلاتهم أمرهم بإعادة الصلاة، أي الصحابي يأمر أبناءه بإعادة الصلاة إذا لم يأتوا بهذا الدعاء، من باب تأكيد المحافظة على هذا الدعاء لأهميته. ولهذا قال بعض أهل العلم: «بأن هذه الأدعية الأربعة من واجبات التشهد الأخير»، خصوصا وأنهم وجدوا في بعض الروايات صيغة الأمر بهذا الدعاء: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير أو الآخر فليستعذ بالله من أربع». واجب، بعض أهل العلم يقول: استدل بهذه الرواية، رواية الأمر: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع»، فذكر الحديث. وهذه الرواية بعضها للعلم انتقدها، ولو صحت فالصحيح أنها تحمل على تأكيد الاستحباب، على تأكيد الاستحباب. لو صحت هذه الرواية تحمل على تأكيد الاستحباب. وهناك أدعية كثيرة صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ينبغي للمسلم أن يتعلمها، فيستحب أن يدعو بها ولو أحيانًا. وقد جاءت أحاديث كثيرة في ذكر بعض الأدعية التي صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكما سمعتم صح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة وغيره. وجاء من حديث ابن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم علم المصلي إذا انتهى من صلاته بعد التشهد الأخير يتخير من الدعاء ما شاء». والحديث في الصحيحين من حديث ابن مسعود، وجاء معناه من حديث أبي هريرة وغيره. ومعنى أنه يستحب أن يدعو بأدعية بعد التشهد. وبه نعرف خطأ الكثير من العامة، الذين بل بعض الأئمة الذين لا تكاد تستطيع أن تدرك بهم قراءة التشهد بأكمله، فضلا عن الدعاء بعده، من استعجالهم في التسليم في التشهد الأخير. والسنة أن الإنسان يطيل قليلا في التشهد الأخير، خصوصا إذا كان إماما، ليس يطيل فيشق على الناس، ولكن يطيل حتى يعطي فرصة للناس أن يدعوا لأنفسهم بعد التشهد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الأدعية نذكرها للفائدة، ولا يعني نستقصيها جميعًا، لكن نذكر بعض الأدعية، خصوصا المختصرة. ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب العلامة الألباني رحمه الله، فقد ذكرها وجعل لها فصلًا خاصًا في آخر كتابه «صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام». من هذه الأدعية قوله عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عائشة: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل». «اللهم حاسبني حسابًا يسيرا». وهذا جاء في حديث عائشة. وهكذا كذلك من الدعاء الذي صح عنه ما علم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يدعو به، وهو في الصحيحين: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». وهكذا كذلك من ذلك ما أقر الرجل وهو يدعو في صلاته، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في السنن: «أنه سمع رجلًا يدعو: اللهم إني أسألك يا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم». قال عليه الصلاة والسلام حين سمع الرجل يدعو بهذا الدعاء: «قد غفر له، قد غفر له». وهكذا ما صح في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه: «أنه عليه الصلاة والسلام دعا»، أي في تشهده الأخير: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». وغيرها من الأدعية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «الثالث عشر: الجهر بالقراءة في صلاة الفجر، وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء»، أي من سنن الصلاة كذلك الجهر بالقراءة في هذه الصلوات الثلاث، في الركعتين الأوليين. أما الفجر فهما ركعتان، وأما المغرب والعشاء ففي الركعتين الأوليين فقط؛ وذلك لما صح عنه عليه الصلاة والسلام. وهذا أمر مجمع عليه، وقد تواطرت به الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بما يغني عن البحث فيها. بل الأحاديث المروية في هذا الباب بلغت مبلغ التواتر. ومعنى الجهر كما لا يخفى هو إظهار الصوت بالقراءة ضد الإسرار. وهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وعلم أصحابه أن يفعلوه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا من واجبات الصلاة لا من مستحباته، خصوصا مع ما جاء في بعض الروايات في تعليمه أصحابه أن يفعلوه، مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ومع قوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ويتأكد هذا الحكم خصوصا مع الإمام، فإن الإمام يتأكد هذا الحكم معه ما لا يكون مع المنفرد والمأموم. فأما المأموم فهو يستمع للإمام، وأما المنفرد فإنه كذلك لا يتأكد الحال معه، بخلاف الإمام. ولهذا كان الصحيح والله أعلم أن هذا الحكم واجب في حق الإمام، وفي حق المنفرد مستحب. يعني إذا صلى الإنسان وحده يستحب أن يجهر بالقراءة، مثلا إنسان مسافر صلى صلاة الفجر لوحده، فهنا يستحب أن يجهر بالقراءة. بخلاف الإمام إذا صلى بالناس، لو قيل للناس: «مستحب»، إذن كأننا قلنا للناس: «يجوز أن تصلوا الفجر كما تصلون الظهر والعصر». فربما تحذلق بعض المتحذلقين واخترع للناس في صلاة الفجر أن يصليها كما يصلي صلاة الظهر والعصر. وإذا قيل له: «سيقول: أنا قرأت في بعض الكتب أنها سنة». وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا ليس بصحيح، بل الصحيح أنه ما دام هو في مرتبة الإمام يجب عليه أن يجهر بالقراءة. إذا كان ما يحفظ إلا القليل يقرأ هذا القليل، ولكن لا يسر بالقراءة، يجب أن يجهر بالقراءة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقال: «من عمل عملًا ليس عليها أمرنا فهو رد». وهذا يتأكد في حال الإمام؛ لأنه لم يثبت أبدًا أنه عليه الصلاة والسلام صلى ولا مرة واحدة صلاة جهرية بغير جهر بالقراءة، ولم يثبت أن أحدًا من الصحابة فعله، فدل على أن هذا على القول الصحيح بالنسبة للإمام من واجبات الصلاة والله أعلم. وطبعا هناك تفاصيل كذلك هي من السنن، ولكن المؤلف رحمه الله يذكر أهم السنن وأصول السنن التي يتفق فيها كل الناس فيذكرها، وإلا فهناك تفاصيل في القراءة وما يستحب أن يقرأ في صلاة الفجر، وما يستحب أن يقرأ في صلاة العشاء، وما يستحب أن يقرأ في صلاة المغرب، فإن هذا من فقه الصلاة، معرفة ما يقرأ في هذه الصلوات والأفضل، هذا من فقه الصلاة؛ لأن المؤلف لم يذكره، لا نطيل في هذه الرسالة المختصرة، فنخرج كثيرًا عن المقصود. لكن من أحب الاستزادة فليرجع إلى كتاب «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم» للشيخ الألباني رحمه الله، فقد ذكر وأشار إلى مثل هذه المسائل. والله تعالى أعلم. وهكذا مما يضاف في مواضع الجهر بالقراءة ما صح عنه عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يجهر بالقراءة كذلك في صلاة الجمعة والعيدين، وصلاتي الاستسقاء والكسوف». فهذه أربعة مواضع أخرى كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة فيها. وبه نعرف أن ما ذكره بعض الناس من أن القاعدة: «أن الصلوات الليلية يجهر بها، والصلوات النهارية يسر بها»، ليس على إطلاقه، بل ممكن يقال: هذا هو الأصل، لكن ورد ما يخالف الأصل في مواضع، فهو من الاستثناء، ونعمل به. فصلاة الجمعة في النهار، ومع ذلك تجهر. وصلاة العيد في النهار، عيد الفطر وعيد الأضحى، وكذلك يجهر بالقراءة فيها. وصلاة الاستسقاء كذلك في أول النهار، ويجهر بالقراءة فيها. وهكذا الكسوف لا فرق بين الليل والنهار، يجهر بالقراءة فيها، سواء كسوف الشمس أو القمر. ثم قال رحمه الله تعالى: «الرابع عشر: الإسرار بالقراءة في الظهر والعصر، وفي الثالث من المغرب، والأخيرتين من العشاء»، يعني من سنن الصلاة الإسرار في هذه المواضع، في صلاة الظهر والعصر، يعني الركعات الأربع. وفي المغرب الركعة الثالثة، وفي العشاء الركعة الثالثة والرابعة، فهذه المواضع يستحب الإسرار فيها. وهذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة بلغت مبلغ التواتر، بعضها في الصحيحين، وبعضها خارج الصحيحين. وهذا أمر مجمع عليه بين الأمة، لا يخفى على الصغير فضلا عن الكبير: أن هذه المواضع من مواضع الإسرار في الصلاة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر بالقراءة فيها. لكن إسراره بالقراءة ليس معناه أن لا يحرك فمه، بل كان يحرك الفم بالقراءة. ويدل عليه ما جاء في البخاري وغيره من حديث خباب بن الأرت: «أنهم كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر بالطراب لحيته»، يعني أن لحيته كانت كثة، فترى من الخلف، فإذا قرأ كانت تضطرب، أي تحتز. وهذا يدل أن قراءة النبي عليه الصلاة والسلام كانت فيها تحريك للفم، ليست قراءة في الصدر، ولا باللسان فقط. وهذا هو المستحب. وأما تحريك اللسان بالقراءة فهو واجب. بل قال بعض أهل العلم: «لا تصح القراءة إلا إذا حرك اللسان؛ لأن عدم تحريك اللسان معناه أنه لم يقرأ، وإنما قرأ قراءة قلبية». تعرف إذا لم يتحرك اللسان، والقراءة القلبية هو حديث النفس، وحديث النفس ليس مما يقع فيه ثواب، ليس مما يسقط به واجب، ولا يقع به إثم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». فالحديث النفسي لا يسقط الواجب، ولا كذلك يقع به حرام. فلذلك نقول: القراءة السرية على ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: قراءة سرية مع حركة الفم، وهذا السنة، وهو المستحب. الثاني: قراءة سرية بحركة اللسان، وإن لم يتحرك الفم، وهذا جائز، وهو خلاف السنة. والثالث: قراءة سرية بغير حركة الفم ولا اللسان، وهذا لا يجوز، والصلاة به على القول الصحيح باطلة. يعني إذا لم يقرأ الفاتحة، ولا شيء إلا بهذه القراءة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهذا لم يقرأ؛ لأنه قرأ بقلبه. وهنا تنبيه: ما ذكره المؤلف رحمه الله هذا الذي وردت به أكثر الأحاديث. وورد في بعض الأحاديث، وهذا يدل أنه كان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا أحيانًا: «أنه كان يجهر ببعض القراءة في صلاة الظهر والعصر»، بعض القراءة، يعني يفهم بعض الكلمات من الصلاة. فجاء في حديث جابر بن سمرة: «أنه كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في صلاة الظهر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، والليل إذا يغشى، ونحوها من السور». كيف علموا أنه يقرأ هذه السور وهو كان يسر بها؟ كانوا يعلمون من خلال جهره ببعض ألفاظ هذه الآيات، يعني يستحب أحيانًا، أحيانًا، ليس دائمًا، أن يقول الإمام مثلا وهو يقرأ في صلاة الظهر بعد أن يتلو كم آيات يقول مثلا: «والسماء والطارق»، ثم يسكت، يسكت معناه لا يسكت، إنما يقرأ سرًا، ثم يقرأ بعض الآيات في وسط السورة، يعني يرفع قليلا الصوت، ثم يسكت، ثم بعض الآيات يرفعها قليلا، يرفع الصوت في آخر السورة، وهكذا فيفهم الناس أنه يقرأ الآن في سورة «والسماء والطارق»، وهكذا كذلك سورة البروج، وسورة الليل، وهكذا. وهذا كان يفعله عليه الصلاة والسلام أحيانًا. ونحوه صلاة العصر، وهكذا صلاة المغرب والعشاء، يسر، ولكن في المغرب والعشاء في الركعة الثالثة والثالثة والرابعة من العشاء، لم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يجهر بالقراءة أحيانًا، بخلاف الظهر والعصر. قال العلماء: «أراد بجهره أحيانًا أن يعلم أصحابه المستحب الذي ينبغي أن يقرأ في هذه الصلوات»، واضح، يعني يريد أن يبين، كأنه يقول لمن يريد أن يسأل: «ما هو الأفضل؟ ماذا نقرأ في مثل هذه الصلاة؟» فبين لهم بهذا الجهر: «أن هذا مما يستحب أن يقرأ في مثل هذه الصلوات». ولهذا ذكر بعض العلماء: «أن من السنن كذلك ومن فقه الإمام والمصلي أن يتعلم ما هو الذي يقرأ بعد الفاتحة في هذه المواضع». وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يقرأ في صلاة الظهر قدر ثلاثين آية في الركعتين». وفي العصر كان يقرأ قدر خمسة عشر آية في الركعتين، ثلاثين آية، قدرها الصحابي بقدر سورة «الم تنزيل السجدة»، «الم تنزيل السجدة»، ثلاثين آية، لكنها ليست من الآيات القصيرة مثل «والنجم» أو «والواقعة» أو «والرحمن»، لا، إنما من الآيات المتوسطة. فممكن نقدره بالمصحف المدني اليوم، نقول: «يستحب أن يقرأ في صلاة الظهر قدر الصفحة ونصف الصفحة تقريبًا»، أو نقول: «صفحتين في الركعة الأولى؛ لأنه كان يطيل الركعة الأولى ويقص الر الثانية»، نقول: «صفحتين بالمصحف المدني في الركعة الأولى، وصفحة في الركعة الثانية». وفي صلاة العصر نصف ذلك، يعني يقرأ صفحة في الركعة الأولى، ونصف صفحة في الركعة الثانية. وهذا الحديث يدل أنه كان كثيرًا ما يفعل هذا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا كما جاء في حديث أبي سعيد وغيره. قال بعض أهل العلم: «كان يطيل في الظهر ما لا يطيل في العصر؛ لأجل أن يدرك من تأخر عن الصلاة الصلاة في صلاة الظهر؛ لأن الصلاة الظهر وقت رجوع الناس من أعمالهم». فرفقًا بالناس عليه الصلاة والسلام، وحبًا لهم في الخير، كان يطيل في الركعتين الأوليين في الظهر ما لا يفعل في صلاة العصر. وهذا من فقه الإمام في مثل هذا الموضع. هذه نبد مختصرة تذكر في هذا الموضع، وبه نكتفي. بقي السنة الأخيرة، نمر عليها مرورًا خفيفًا. قال رحمه الله: «الخامس عشر: قراءة ما زاد عن الفاتحة من القرآن مع مراعاة بقية ما ورد من السنة في الصلاة سوى ما ذكرنا». ومعناه أن من سنن الصلاة كذلك قراءة ما زاد عن الفاتحة من القرآن. وقراءة ما زاد هو في الركعة الأولى والثانية من الفجر، وهكذا كذلك الأولى والثانية من كل صلاة من صلاة من الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقراءة ما زاد عن الفاتحة من سنن الصلاة. وذكر بعض أهل العلم: «أنه من واجبات الصلاة». واستدلوا بحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه معنى الأمر به. وبهذا استدل من استدل من أهل العلم: «أن القراءة بالزائد عن الفاتحة لمن يستطيع ذلك من واجبات الصلاة»، خصوصا الإمام. وهذا هو الصحيح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، مع كذلك ما صح عنه عليه الصلاة والسلام من الأمر بالزيادة عن الفاتحة، خصوصا بالنسبة للإمام: «بأن يقرأ ما يتيسر من القرآن». وجاء في بعض روايات «المسيء في صلاته»: «أنه أمره أن يقرأ ما يتيسر من القرآن». وهذا هو الصحيح: «أن من تيسر له القراءة بالزائد عن الفاتحة فهو واجب عليه». ومن لم يتيسر، كالأمي وحديث العهد بالإسلام، فهذا يرخص له؛ فالمشقة تجلب التيسير. وأما قوله: «مع مراعاة بقية ما ورد من السنن في الصلاة سوى ما ذكرنا»، إشارة منه إلى أن السنن كثيرة، وقد سمعنا في تناية هذه التنبيهات بعض السنن التي لم يذكرها. فهو ذكر رحمه الله ها هنا أهم السنن، وليس كل السنن. وبهذا القدر نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.