الدرس في شرح الدروس المهمة 29، الدرس الخامس من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ناقش الدرس أركان الإسلام الخمسة وهي الشهادتان، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، مبينًا أهميتها في قيام الإسلام. وأوضح أن هذه الأركان أساسية في بنيان الدين.
الصلاة عمود الدين وأعظم فريضة بعد الشهادتين، وهي الفاصل بين الإسلام والكفر. وهي صلة بين العبد وربه، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعتبر سببًا لإعانة العبد على أمور الدين والدنيا.
المحافظة على الصلاة تقترن بالنهي عن الفحشاء والمنكر، بينما إضاعة الصلاة علامة على حرمان العبد وتقترن بالشهوات. ويشير المتحدث إلى دروس قادمة حول أحكام الصلاة وأركانها واجباتها وسننها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحن اليوم في الدرس الخامس من درس شيخنا الوالد العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، في كتابه «الدروس المهمة لعامة الأمة». وجعل رحمه الله تعالى هذا الدرس في الكلام على أركان الإسلام. قال رحمه الله تعالى: أركان الإسلام وهي خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإيقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا. ذكرها هنا رحمه الله تعالى هذه الأركان الخمسة، والأول منها الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وثانيها إقام الصلاة، وثالثها إيتاء الزكاة، ورابعها صوم رمضان، وخامسها حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا. وقد ناسب ذكر ذلك بعد ذكر أقسام التوحيد وأقسام الشرك، فناسب أن يشرع في ذكر أركان الإسلام الخمسة، والتي هي مباني هذا الدين دين الإسلام. فالركن هو جانب الشيء القوي الذي لا يقوم الشيء إلا به، كأركان البنيان الذي لا يقوم البنيان إلا بتلك الأركان. وكذلك هذا الإسلام يقوم على هذه الأركان الخمسة، فلا يقوم إلا بها. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل العظيم الذي جاء يعلم الناس أمور دينهم ذكر أركان الإسلام، قال: «أخبرني عن الإسلام»، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه عمر، رضي الله تعالى عنهم جميعًا. وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث بن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا». فهذا كذلك حديث آخر، والأحاديث كثيرة في بيان أن هذه الأركان الخمسة هي مباني هذا الدين العظيم دين الإسلام. وهذه المباني هي من أعظم ما أمر الله عز وجل به العباد من الأوامر، ولهذا صارت مباني هذا الدين، فلا بنيان إلا بأركان، وكذلك لا دين ولا إسلام إلا بهذه الأركان. وهل هذه الأركان شرط للصحة أم شرط للكمال؟ قولان مشهوران رويا عن سلف الأمة، ذكرهما الحافظ بن رجب رحمه الله في شرح الأربعين ومتممتها. وقوله في الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أي أول أركان هذا الدين الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله. وعلمنا معناها في دروس سابقة: أي لا معبود بحق إلا الله. وشهادة أن محمدًا رسول الله، ومعناها: أي لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهادة أن لا إله إلا الله هي كما سمعنا: أن يوحد الله جل وعلا، فمعناها لا معبود بحق إلا الله، وهذا هو توحيد الألوهية المستلزم لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فلا ينافي ذلك أن تمام التوحيد بتوحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته كما تقدم. ولهذا جاء في بعض الروايات، في رواية لمسلم، قال في أركان الإسلام ومبانيه وأولها الشهادة، قال: «على أن توحد الله عز وجل». وفي رواية: «على أن توحد الله وتكفر بما دونه». وهذا يدل على أهمية التوحيد، وأن كلمة ﴿لا إله إلا الله﴾ هي التوحيد بأنواعه الثلاثة كما تقدم تفصيله، والكلام عليه في الكلام على أقسام التوحيد. ولعظم هذا المبنى كان أول هذه الأركان الخمسة؛ لأن ما بعده يقوم عليه، فإن صح التوحيد في القلب وصدقه اللسان وأتبعته الجوارح ثبت إسلام المرء، وإن لم يصح فإنه لا ينتفع بأعمال الإسلام إن كان توحيده غير ثابت. وهنا كذلك يقال في شهادة أن محمدًا رسول الله: أي لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن المسلم ينفي الاتباع على وجه التعبد عن كل ما سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والرسل، فضلًا عن من دونهم؛ لأن رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام أتى بدين الإسلام الذي ختم الله عز وجل به الأديان، ولا يقبل دينًا سواه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وكما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وكما قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وهكذا كذلك يقال في تفاصيل هذا الدين: فإن الدين إنما يؤخذ بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، ولا ينافي هذا ما جاء من الأدلة من أخذ بسنة بعض الأنبياء والمرسلين، كقول الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ بعد أن ذكر الأنبياء والمرسلين بسورة الأنعام؛ لأن هذا مما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام أن نأخذ بسنة الأنبياء والمرسلين التي توافق سنته عليه الصلاة والسلام والتي لا تخالفه. وأما ما خالف فالعبرة بما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني»، يعني أن يكون تابعًا لما جاء به عليه الصلاة والسلام؛ لأن ما جاء به نسخ الله به ما سبق من أديان. ولهذا ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه الصلاة والسلام حين ينزل في آخر الزمان ينزل متبعًا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيصلي مأمومًا خلف المهدي، حتى إن المهدي يريد أن يقدمه فيأبى. وهكذا كذلك تفاصيل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الأخذ به من تمام الشهادة له بالرسالة عليه الصلاة والسلام، وهو من تمام الشهادة لله بالألوهية؛ فإن الموحد لله حق توحيده هو الذي يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام تمام الاتباع. ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. فلا يوجد مؤمن بالله وهو كافر بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي بعد رسالته. بعد أن علمنا أن الركن الأول من أركان الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وعلمنا أن شهادة أن لا إله إلا الله الشهادة بأن لا معبود بحق إلا الله. وقد فسرت في حديث عبد الله بن عمر في رواية مسلم: «بني الإسلام على خمس: على أن يعبد الله ويكفر بما دونه». وهذا معناه: على أن يوحد الله عز وجل ويكفر بما دونه. فلما علمنا ذلك ينبغي أن نعلم العبادة، وقد تقدم الكلام عليها بدروس سابقة، التي أمرنا بإفراد الله عز وجل بها، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وأعظم هذه الأقوال والأفعال وأعظم هذه العبادة الصلاة؛ فإنها الرقم الثاني من أركان الإسلام، والرقم الأول من الأركان العملية من أركان الإسلام، وهي أعظم ما فرض الله عز وجل على عباده وأهم وأوكد الأركان بعد الشهادتين. ولهذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم «عمود الدين»، كما جاء في حديث معاذ المشهور الذي رواه الإمام الترمذي رحمه الله وغيره، وهو من أحاديث الأربعين المشهورة، قال عليه الصلاة والسلام: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة». فالصلاة عمود هذا الدين، ولما كان عمود هذا الدين كان من أقامه قام دينه، ومن لم يقمه لم يقم دينه، فهي الفاصل بين الإسلام والكفر، وبين الإيمان والشرك. ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وفي مسند الإمام أحمد وعند أبي داود وغيره بإسناد حسن عن بريدة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». فهذه الأحاديث تدل على أن العمود والعلامة العظمى والحد الفاصل بين الإسلام والكفر والإيمان والشرك الصلاة. فعلامة المؤمن الصلاة، فهي من أول ما يطالب بها العباد في الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». فانظر القتال بعد الشهادتين يكون على إقام الصلاة، فهو أول ما يحاسب عليه العباد في الدنيا بعد الشهادتين. وهكذا كذلك أول ما يحاسب عليه العباد في الآخرة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك المعنى، أي أن أول ما يحاسب عليه العباد يوم القيامة الصلاة. فقد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن ماجة وغيره بإسناد حسن، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها - أي إن أتى بها تامة كاملة لفروضها وواجباتها - قال: وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك». وهذا يدلنا على أن الصلاة لها شأن عظيم في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك يجب على المسلم أن يحافظ عليها، فالمحافظة عليها محافظة على الإسلام والإيمان؛ لأنها صلة بين العبد وربه، فالعبد يصل ربه سبحانه وتعالى بهذه الصلاة، فهو يناجي ربه جل وعلا فيها. كما روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، قال تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال تعالى: مجدني عبدي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». فالصلاة صلة بين العبد وربه، وبها يناجي العبد ربه سبحانه وتعالى، ولهذا فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. وهي كذلك سبب عظيم لإعانة العبد على أمور الدين والدنيا؛ لأنها تعطيه قوة وتكسبه يقينًا وتزيده كذلك إيمانًا. ولهذا أمر الله عز وجل بالاستعانة بها في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وغير ذلك مما فيه هذا المعنى. وفي المقابل المضيع لهذه الصلاة لا يضيعها إلا وضيع أضعافه من دينه؛ فهي صفة ملازمة؛ لأن الصلاة عون للعبد على الخير، والتفريط فيها على العكس علامة على حرمان العبد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. روي عن ابن عباس كما تقدم في أوائل هذا الدرس أو هذه الدروس: أنهم لم يضيعوها ويتركوها بالكلية، ولكنهم أخروها، وأخروها عن وقتها. ومع ذلك توعدهم الله بالويل، وهو العذاب الشديد، أو واد في نار جهنم، وهو عذاب شديد في الدنيا وفي الآخرة. فالمضيع للصلاة محروم، ليس في الصلاة فقط، بل في جوانب أخرى كثيرة. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. انظر إلى هذا الاقتران وتأمل فيه: أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فإضاعة الصلاة مقترنة باتباع الشهوات، والعكس بالعكس، المحافظة على الصلاة مقترنة بالنهي عن الفحشاء والمنكر. ولا يعني ذلك أن المصلي لا يقع منه شيء من الفحشاء والمنكر، قد يقع، لكنه ما دام يحافظ على الصلاة، فصلاته تعينه على أن يترك الفحشاء والمنكر وأن يتوب منها، الصلاة تعين المصلي على التوبة وتعين المصلي على الإحسان. ولهذا كما ذكر العلماء: لا تكاد تجد مسلمًا محافظًا على صلاته بمعنى الكلمة إلا وقد ختم له بخاتمة حسنة، والعكس بالعكس، من القليل النادر أن تجد رجلًا مضيعًا لصلاته يختم له بخاتمة حسنة. وهذا إن دل على شيء، دل على أهمية الصلاة. وللصلاة فضائل كثيرة يشق ذكرها في مثل هذا المقام، لكن حسبنا أن نذكر شيئًا يسيرًا منها، مذكرين لنا بفضلها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: «لا يبقى من درنه شيء»، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يكفر الله بهن الخطايا». والحديث معناه في الصحيحين. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وقال عليه الصلاة والسلام: «من حافظ على الصلوات، كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة». وهكذا أثنى ربنا جل وعلا على خلص من المؤمنين، وجعل من أعظم صفاتهم وأول صفاتهم أنهم أهل خشوع في صلاتهم، قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، ثم ذكر صفات أهل الإيمان إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فتأمل هذه الآيات، وانظر كيف أن الصلاة تقترن بالإيمان اقترانًا عظيمًا، وأن من أعظم علامات تمام إيمان المرء محافظته على هذه الفريضة وإحسانه فيها. ولهذا كان تاركها في دين الإسلام يعد كافرًا كفرًا أكبر على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، يخرجه من دين الإسلام لحديث جابر الذي تقدم، وحديث بريدة رضي الله تعالى عنهما، بل ونص القرآن، قال الله عز وجل: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، مفهومه: أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم ليسوا لنا بإخوة. وفي السنن من حديث عبد الله بن شقيق رحمه الله: أنه كان يقول: «لم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة». وفي هذا نقل عن جماعة من الصحابة: أنهم كانوا يرون أن ترك الصلاة من الكفر. وظاهر الحديث يدل أنه الكفر الأكبر؛ لأنه قال: «من الأعمال تركه كفر»، وإلا هناك أعمال أخرى سميت كفرًا وهي ليست كفرًا أكبر، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، فهذا كفر دون كفر، وغير ذلك كثير. فهذه الفريضة فريضة عظيمة، وركن مهم، ولهذا كان الركن الثاني من أركان الإسلام. نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على القيام بها على الوجه الذي يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وتمام القيام بها على الوجه الذي يحب ويرضى، بأدائها كما أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث، قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وسيأتي معنا إن شاء الله في دروس لاحقة الكلام على شيء من أحكامها وأركانها واجباتها وسننها. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أدائها على الوجه الذي يحب ويرضى. والله تعالى أعلم.