الدرس في كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق 2، الدرس الثاني (واعلم أن من يحب في الله يبغض الله ... ومن المكروه الإسترسال إليه والأنبساط كما يفعل بالاصدقاء). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل آداب التعامل مع المسلمين عندما تجتمع فيهم أسباب الحب والبغض، ويشرح كيفية الجمع بين الحب في الله والبغض في الله في شخص واحد.
يناقش هذا الفصل أقسام المخالفين لأمر الله تعالى ومعاملتهم، ويبين أحكام التعامل مع كل قسم وفقًا للشريعة الإسلامية.
يشرح هذا الفصل أحكام معاملة الكفار المستأمنين والمعاهدين والذميين، ويبين كيفية التعامل معهم بما يحقق مصلحة دعوتهم إلى الإسلام.
يتناول هذا الفصل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن دخول الجنة بالسلاسل، ويبين أن إحسان المسلمين إلى الأسرى سبب في إسلامهم ودخولهم الجنة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنواصل -إن شاء الله- ما يتيسر من القراءة والتعليق على هذه المباحث التي ذكرها الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي -رحمه الله- في كتابه "مختصر منهاج القاصدين" في هذا الفصل. والكتاب كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "واعلم أن من يحب في الله يبغض في الله، فإنك إذا أحببت إنسانًا لكونه مطيعًا لله، فإذا عصى الله أبغضته في الله؛ لأن من أحب لسبب من أحب لسبب أبغض لوجود ضده. ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه، فينبغي أن تحب المسلم لإسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال". فأما ما يجري منه مجرى الهفوة التي يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر. فإذا أصر على المعصية، فلابد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها. جعل -رحمه الله تعالى- هذا كالتوطئة لما سيأتي من مباحث، وهي مباحث مهمة يحتاجها المسلم عمومًا، وطالب العلم خصوصًا. والسلف على وجه الخصوص. فهذه التوطئة ينبه -رحمه الله تعالى- أن الحب في الله والبغض في الله الذي تقدم فضله قد يجتمع في إنسان واحد، وذلك إذا اجتمع فيه سبب الحب وهو الطاعة، وسبب البغض وهو المعصية. ثم بيّن -رحمه الله- أن اجتماع هذين الوصفين يقتضي نوعًا من الحكمة، وكذلك المراعاة للضوابط الشرعية في هذا الباب. وقد أشار إشارة خفيفة، وسيأتي -إن شاء الله- تفصيل ذلك في المباحث الآتية -إن شاء الله تعالى-. وخلاصة ذلك أنه قسم من كان حاله أن اجتمع فيه سبب الحب وسبب البغض إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: من كان الأصل فيه الحب؛ لأن أسباب الحب هي الأصل وهي الكثيرة، كونه طائعًا لله عز وجل، ولكن قد يعرض عليه شيء من أسباب البغض، هفوة وخطأ يعلم من حاله وصدقه أنه نادم على ذلك الخطأ وعلى تلك الهفوة. فهنا أشار -رحمه الله- أنه ينبغي التجاوز عن ذلك بالإغماض والستر. والإغماض والستر يعني أنك لا تشهر به، ولا تفضحه، ولا تؤذيه بكلام جارح. ولا يعني ذلك أنك لا تنصحه، بل تنصحه بحب وبأدب وبرفق وبحلم؛ حتى تعينه وتعين نفسك على الطاعة وعلى بقاء هذه الأخوة والمحبة. وهذا هو الأصل في المؤمن الذي علم منه التقوى، والسني الذي علمت منه الاستقامة والسلامة. والحالة الثانية: أن تقع منه هفوة وخطأ، ولكنه لا يندم، بل يصر ويعاند. فمثل هذا النوع والصنف يحتاج لشيء من الشدة، خصوصًا إن اقتضت المصلحة ذلك، وعلم أن هذا ينفع معه. وهذا هو قوله: "فإذا أصر على المعصية، فلابد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد وتغليظ القول له"، ولكن كما قلنا إذا غالب على الظن أن هذا ينفعه. ولهذا قال: "على حسب غلظ المعصية وخفتها"، فيراعى في ذلك نوع المعصية وقدرها، وكذلك مقدار عناده. والأمر الثالث: العلاج الذي ينفع مع هذا الصنف من الناس. فإن من الناس من ربما يكون التجديد عليه والتغليظ سببًا لزيادة نفرته وعناده. فهنا يسلك معه مسلك آخر؛ لأن المقصود الإصلاح وليس الإفساد. فيراعى في ذلك السبيل والطريق الأصلح. وسيأتي معنى شيء من ذلك في المباحث الآتية -إن شاء الله-. والثالث: من غلبت عليه المعصية وأسباب البغض عنده أسباب الحب وأسباب البغض، لكن غلبت أسباب البغض. فهذا الأصل فيه الحذر منه والتباعد والإعراض. هذا هو الأصل لكثرة أسباب البغض والمعصية التي هي توجب ذلك. ولا يعني ذلك إهماله وتركه بالمرة، ولكن كذلك مع التباعد عنه يحرص ويتتبع الأسلوب المناسب الذي يكون به إصلاحه. وهذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض: نصح المخطئ والعاصي والضال بما يعينه في رجوعه إلى الحق كما سيأتي معنا -إن شاء الله تعالى-. ويراعى في ذلك كله تتبع المصلحة الأعلى ودرء المفسدة الأشد على ما سيأتي -إن شاء الله- التنبيه عليه في المباحث الآتية. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "واعلم أن المخالف لأمر الله تعالى على أقسام. أحدها: أن يكون كافرًا. فإن كان حربيًا فهو مستحق للقتل والإرقاق. وليس بعد هذين إهانة. وإن كان ذميًا فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له، بل اضطرار لأضيق الطريق وترك البداءة بالسلام. فإن سلم قيل له: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومآكلته. ومن المكروه الاسترسال إليه والانبساط كما يفعل بالأصدقاء". ذكر -رحمه الله- ها هنا أن المخالف لأمر الله تعالى -أي الموجب للبغض- على ثلاثة أقسام. وانظروا إلى تقاسيم أهل العلم وتنبيهاتهم؛ لأجل أن تضبط مثل هذه المسائل بالضوابط العلمية، وكذلك التقيد بالأحكام الشرعية. فأول هذه الأقسام: الكافر. ثم قسم الكافر إلى قسمين: كافر حربي -أي بينه وبين المسلمين حرب وهو مشارك فيها-، وكافر ليس بحربي كالذمي. وذكر الذمي على وجه المثال، وإلا فهم ثلاثة: الذمي والمعاهد والمستأمن. وكل هؤلاء الثلاثة يدخلون في معنى غير الحربي. فأما الحربي: فهو الذي بينه وبين المسلمين حرب، أو بين بلده وبلد المسلمين حرب وهو مشارك فيها. وننبه هنا: ليس كون بلد الكافر فيها حرب مع المسلمين معناه أن كل فرد من أفراد هذا البلد هو حربي، هذا ليس بصحيح. وهذا تعميم خاطئ. فإن بعض من ضل من خوارج هذا العصر -دعاة التكفير والتفجير- أخطأوا بهذا الفهم السقيم، فكان ذلك سببًا لاستحلال دماء وأموال وأعراض بعض الكفار بغير حق. لأن الكافر الحربي -فضلا عن من لم يشارك بالحرب- الحرب الذي يشارك بالحرب إذا دخل إلى بلاد المسلمين بأمان أو عهد أو ميثاق فإنه يعطى له الأمان. انظروا إلى ما وقع في صلح الحديبية: كفار قريش كانوا كفار حربيين، ومع ذلك في أثناء الصلح حصل الحفظ لدمائهم وأموالهم وأعراضهم بسبب هذا الصلح، ولو كان صلحًا مؤقتًا. ومثله كذلك إذا وقع الأمان لبعضهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأم هانئ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". وهي إنما أجارت كافرًا حربيًا، فدخل بأمانها. فننتبه لمثل هذا المعنى؛ فإنه قد يستثنى من الحرب بحسب ما تقتضيه المصلحة، خصوصًا إذا رأى ذلك ولي أمر المسلمين، وكان في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين أن يستثني أفرادًا أو طوائف؛ لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، أو ما يكون سببًا كذلك لتأليف هذا الكافر أو غير ذلك من المصالح. ومن باب أولى من كان في بلاد الكفر، ولو كانت هذه البلدة حربية، من نساء وأطفال ونحوهم، وهم لم يشاركوا؛ لا ينبغي أن يعتدى عليهم. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- في أثناء الحرب -كما في حديث سعد بن معاذ- لم يقتل النساء ولا الأطفال. فينبغي أن يراعى مثل ذلك. فالحاصل: الخلاصة إن كان كافرًا حربيًا فهو مستحق للقتل -أي البالغ منهم- كما علم بأدلة كثيرة من السنة، والإرقاق -أي من لم يكن بالغًا كالأطفال أو النساء الذين ليس لهم من المقاتلين- أو كذلك ثالثًا: من رأى الإمام المصلحة في إرقاقه؛ ربما لأجل الفداء أو لغير ذلك. فهذا يرجع إلى الإمام. ثم أشار أن هذا من معاني البغض في الله لكفره؛ فإنه يكون له مثل هذا الحكم. والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة تدل على هذا المعنى. وليس المقصود الدخول في تفاصيل أحكام هذه المسائل، بقدر ما المقصود الاستفادة من هذا التقسيم فيما يتعلق بهذا الباب خاصة، وهو أدب الصحبة والأخوة والعشرة. ثم قال: "وإن كان ذميًا" -وهذا واحد من القسم الثاني- أي من ليس بحربي. وقلنا أنهم ثلاثة: ذمي ومعاهد ومستأمن. كلهم يدخلون في معنى هذا الحكم؛ لما جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في الصحيح: "من قتل ذميًا في غير كنهه لم يجد رائحة الجنة". والأحاديث في هذا الباب تدل على هذا المعنى الذي أشار إليه: "لا يجوز إيذاؤه" -أي الذمي- لا في نفسه ودمه، ولا في ماله، ولا في عرضه. وهكذا كذلك المعاهد كما جاءت بذلك الأحاديث، والمستأمن كما مر معنا في حديث أم هانئ. ففي حديث أم هانئ -والحديث في الصحيح- أراد علي -رضي الله عنه- أن يقتل رجلًا من المشركين يوم فتح مكة، وقد أجارته أم هانئ. فجاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تشتكي علي فيمن أجارت. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". فالمستأمن حكمه حكم الذمي والمعاهد. والذمي هو الذي يدفع الجزية للمسلمين، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. أي إذا فعل ذلك فإنه لا يقتل ولا يؤذى. والمعاهد: من بينه وبين المسلمين عهد وميثاق، كحال المشركين في صلح الحديبية. والمستأمن: من دخل بين المسلمين بأمان أحدهم، وغالبًا ما يكون لمصلحة. ومن هؤلاء دخول بعض الكفار إلى بلاد المسلمين كمهندسين أو غير ذلك مما يكون الانتفاع بهم. ثم قال -رحمه الله-: "فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له، بالإضطرار لأضيق الطريق" -يعني لا يعامل مثل معاملة الكافر الحربي- لكن لا يعني ذلك أنه يعامل معاملة المسلم، لا، بل يعامل معاملة وسط. وذلك بماذا؟ بالتضييق عليه. وهذا لمصلحته؛ حتى يكون ذلك سببًا في دخوله في الإسلام، وتركه للطريق التي هو عليها. ولو كان في أول الأمر يدخل وهو غير راغب في الإسلام، قد يكون ذلك، لكنه فيما بعد سيرغب في الإسلام؛ لأنه قد يدخل لأجل أن ينال بعض الحقوق التي ينالها المسلمون، يريد أن يسقط عن نفسه -مثلًا- الجزية، يريد أن يجد ما يجده المسلم. فإذا كان كذلك فهو بحسب نيته، لكن تتغير نيته إذا دخل في الإسلام، كحال الكثير من الأعراب الذين تألفهم من نبي -صلى الله عليه وسلم-، فدخلوا في أول الأمر للدينار والدينار والشاة والبعير، ثم خالط الإيمان وخصال الإسلام قلوبهم وجوارحهم، فحسنت نياتهم. فإذا هذا التضييق كذلك لأجل مصلحة. ومن هذا التضييق ما أشار إليه، وقد جاءت به الأدلة الصحيحة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: الاضطرار إلى أضيق الطريق، وترك البداءة بالسلام، وغير ذلك من عدم المخالطة والمعاملة والمؤاكلة ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلًا. ولا يعني ذلك أن هذا على الإطلاق؛ لأنه صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على خلاف ذلك في أحوال خاصة. فاستفاد منه العلماء أنه يجوز أحيانًا إذا كان في هذا مصلحة أن تحصل بعض الخلطة التي يرجى منها إصلاح حال هذا الكافر. ومن ذلك زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم- لليهودي الجار -اليهودي الذي أسلم في مرض موته- غلام يهودي زاره النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته، فأسلم بسبب زيارته. وبه نعرف أنه يجوز مخالطة الكافر ومعاملته بالتي هي أحسن؛ بشرط أن لا يتعدى المنهي عنه. ليس من أسباب كسبه ودعوته للإسلام أن نبدأه بالسلام، لا، ما نبدأه بالسلام، ولا نجعل له التمكين، لكن لا بأس أن تتلطف ببعض العبارات، وتكرمه بالهدية بما يكون بذلك دعوته وتحبيبه إلى دين الإسلام، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في زيارة ذلكم اليهودي. وترد بعض الأسئلة في معاملة الكفار: يعني مثلًا إذا دخل المسلم على الكافر ولم يبدأه بالسلام، قد يكون هذا سببًا -كما يقول بعض الإخوان- لتنفيره وعدم رغبته في الدخول في الإسلام. الجواب: أنت لا تبدأه بالسلام، لكن ممكن تبدأه بكلام يلطف الموقف ويصلح أمر هذا الإنسان. وهو إذا علم أنك تفعل ذلك ديانة واستجابة لحكم شرعي -على العكس- يجلك ويحترمك؛ لأنك لا تفعل ذلك عنادًا واحتقارًا له، لأنك تترفق به وتحرص على دعوته للإسلام بأساليب أخرى. فمثلًا لو دخلت على الكافر وكان معك شيء، تقول: تريد من هذا أعطيك هذا، كيف أولادك؟ ونحو ذلك. وتريد بذلك أن تؤلفه إلى دين الإسلام. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أو كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- في إرساله له -رجل وهو كافر حربي- أرسل له وكتب في أول الرسالة: "السلام على من اتبع الهدى". "السلام على من اتبع الهدى". ولأهل العلم كلام في مثل هذا المبحث. فالخلاصة: يراعى مثل هذه المعاني التي يقصد بها تأليف الكافر للدخول في الإسلام. وقد يكون مثل ذلك كذلك أحيانًا للكافر الحربي إذا صار رقيقًا -يعني تحسن إليه في معاملة- وهو رقيق تحتك؛ حتى يكون ذلك سببًا في تحبيب الإسلام له. كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يعجب من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل" -يعني يؤسرون ويكونوا- إحسان المسلمين إليهم ورؤيتهم لمحاسن الإسلام سببًا لإسلامهم.