كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق  3

كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق 3

الدرس في كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق 3، الدرس الثالث (القسم الثاني المبتدع فإن كان ممن يدعو إلى بدعة ... فإن كان النصح يرده وكان أنفع له , نصح وإلا أغلظ له). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام المبتدعة ومعاملتهم

يتناول المقطع أحكام المبتدعة ومعاملتهم، حيث قسمهم إلى قسمين: من يدعو إلى بدعته ومن لا يدعو. يُنصح بالتلطف في النصح للعوام سريعي التقلب والإعراض عن المبتدع إذا لم ينفع النصح.

حكم هجر أهل البدع والعصاة ومراعاة المصالح

الهجر لأهل البدع والعصاة مطلب شرعي لتحقيق مصالح كردع المبتدع وحماية المجتمع، ويختلف حكمه باختلاف الحالة والمصلحة. ينبغي مراعاة الدقائق والمصالح والمفاسد عند تطبيقه والرجوع إلى أهل العلم.

التعامل مع أصحاب المعاصي والمبتدعة والتوفيق الإلهي

يناقش كيفية التعامل مع أصحاب المعاصي والمبتدعة، مع ضرورة مراعاة المصالح والمفاسد. التوفيق لطلب العلم النافع أمر عزيز لا يناله إلا القليل، ونسأل الله التوفيق لما يصلح ديننا ودنيانا.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فثمة لما سبق مرة معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من أقسام من يصاحب، ثم كذلك ما ذكره رحمه الله تعالى في أقسام المخالفين لأمر الله. ومر معنا القسم الأول، وهم الكفار. واليوم نشرع إن شاء الله فيما ذكره من القسم الثاني، وهم المبتدعة. قال رحمه الله تعالى: المبتدع، فإن كان ممن يدعو إلى بدعته، وكانت البدعة بحيث يكفر بها، فأمره أشد من الكافر؛ لأنه لا يقر، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة. وإن كان ممن لا يكفر بها، فأمره بينه وبين الله تعالى أخف من أمر الكافر لا محالة. ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر؛ لأن شر الكافر غير متعد؛ لأنه لا يلتفت إلى قوله، بخلاف المبتدع الذي يدعو إلى بدعته؛ لأنه يزعم أن ما يدعو إليه حق، فيكون سببًا لغواية الخلق، فشره متعد. فإظهار بغضه، والانقطاع عنه، ومعاداته، وتحقيق بغضه، والتشنيع عليه ببدعته، وتنفير الناس عنه أشد. فأما المبتدع العامي الذي لا يقدر أن يدعو، ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون. والأولى أن يتلطف به في النصح. فإن قلوب العوام سريعة التقلب. فإن لم ينفع النصح، وكان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه، تؤكد استحباب الإعراض عنه. وإن علم أن ذلك لا يؤثر، أو لا يؤثر لجمود طبعه ورسوخ اعتقاده في قلبه، فالإعراض عنه أولى؛ لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها، شاعت بين الخلق، وعم فسادها. شرع رحمه الله في ذكر القسم الثاني من أقسام المخالفين لأمر الله، وهم المبتدعة. وكما مر معنا يذكرها هنا هذه التفاصيل والأحكام؛ لأن لها علاقة ببعض أحكام الصحبة والمعاشرة. فقد يبتلى المسلم في مجتمعه بأمثال هؤلاء، وربما من قرابته. فنبه العلماء في كتب أهل العلم لمثل هذه التفاصيل؛ حتى يسلك فيها بالمسلك العلمي الشرعي الصحيح. وكما رأينا قسم المبتدعة إلى قسمين. وقبل هذا التقسيم أشار رحمه الله إلى أن المبتدع قد يكون في بعض الأحوال أشد من الكافر الذمي والمعاهد؛ وذلك إذا كانت بدعته توصله إلى الكفر. فإذن أولًا المبتدعة منهم من هم مثل الكفار وأشد؛ إذا كانت بدعته توصله إلى الكفر، فهو لا فرق بينه وبين الكافر؛ لكونه قد وقع في الكفر ببدعته. وهذا الكلام على العموم، وأما على التعيين، فلا يجوز الحكم على أحد إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. فمثلًا بدعة الرفض كغلاة الرافضة الذين تصل بدعتهم إلى الكفر، هؤلاء بدعتهم لا فرق بينها وبين الكفار. بل بدعتهم من جنس كفر اليهود. فبدعة الرافضة غلاة الرافضة خصوصًا توافق عقيدة اليهود في الكثير من الخصال. فأمثال هؤلاء ومن كان بمعنى هؤلاء كالباطنية مثلًا من غلاة الصوفية الذين بدعهم توافق بدع النصارى أو توافق الكثير من بدع وكفريات النصارى، فهم يقولون بالحلول والاتحاد، بل بعضهم يصرح بأن معنى الألوهية يقع في عيسى وفي غيره، والعياذ بالله. فأمثال هؤلاء لا شك ما قال المؤلف رحمه الله: أشد من الكفار، خصوصًا وأنهم يضلون الناس بزعمهم أنهم من المسلمين، وأنهم كذلك يدعون الناس إلى ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام وما دعا إليه القرآن، فيلبسون بالشبهات والضلالات على العوام. وقسم آخر من المبتدعة من بدعتهم لا تصل إلى الكفر، فهؤلاء أخف. هذا تقسيم، وتقسيم آخر: أن من المبتدعة من هو داعي إلى بدعته، ومنهم من هو عامي تبع جاهل غرر به، كان ضحية من سبق إليه. ففرق المؤلف رحمه الله في معاملة هذين الصنفين، وأشار إلى أن الأصل في هذا الباب هو مراعاة المصلحة وتتبعها، ودرء المفسدة وتفاديها. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن هذا المقصود هو الذي ينبغي أن يتتبع. وأولًا هجر المبتدعة دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. وليس هذا المقام مقام استقصاء ذلك. وتكفي إشارات تدل على المقصود. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، نص كثير من أهل العلم أن أهل البدع يدخلون في معنى هذه الآية. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، ومن الظالمين أهل البدع، فلا يركن إليهم؛ حتى لا يتضرر بظلمهم، ولا يصيبه ضلالهم. فلا يركن إليهم لا إلى مجالسهم، ولا إلى مذاهبهم ومعتقداتهم وأقوالهم. وفي الصحيح في قصة الثلاثة الذين خلفوا، قصة كعب بن مالك وصاحبيه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يهجروا الثلاثة بضعًا وخمسين يومًا. قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: وفيه دليل على هجر أهل البدع. يعني استدل العلماء به على هجر أهل البدع. وهجر أهل البدع مطلب شرعي يتحقق به مصالح كثيرة، من أهمها مقصدان اثنان: المقصد الأول ردع هذا المبتدع حتى يرجع إلى الحق، وفيه مقاصد ومصالح كثيرة. ومن أهمها أمران اثنان: الأمر الأول ردع هذا المبتدع حتى يرجع إلى الحق، والأمر الثاني حماية المجتمع من بدعته. إذا أمر الناس بهجره، وقوا من بدعته. ولهذا كان بعض أئمة أهل السنة يتعمد إظهار هذا الهجر؛ حتى يتقى المجتمع شر أهل البدع. فربما بعضهم دخل إلى الجنازة حتى وصل إليها، ثم خرج. فيخرج بخروجه أم من الناس حين يرون أن الإمام فلان خرج ولم يصلِ كما وقع لابن المبارك وغيره، ونحوه من المواقف عن أئمتنا. فإذا كان كذلك، فهذا الحكم وهو الهجر ينظر فيه بحسب ما تترتب عليه المصالح من المفاسد. فالأصل هو ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا، وهو أن صاحب البدع المكفرة الأصل فيه الهجر والإغلاظ عليه؛ لأن شره عظيم. وصاحب البدع غير المكفرة نفرق بين العامي والداعي إلى البدع والرؤوس. فالعامي يرجى فيه الخير، فيكسب بالتلطف به ونصحه بعلم وحلم ورفق وحسن خلق، ما يكون إن شاء الله سببًا في خروجه من الباطل والبدع التي ابتلي بها. والرأس يشدد عليه، خصوصًا إذا قويت قائمة أهل الحق؛ حتى يحذره المجتمع. ولعل ذلك يكون سببًا في رجوعه إلى الحق. لكن قد تكون هناك أحوال كما بيّن ذلك بعض أهل العلم، ومعناه موجود في ثنايا سير أئمتنا وعلمائنا، ومواقف من سيرهم وحياتهم، قد تكون هناك أحوال يختلف فيها الحكم. فمثلًا إذا كان أهل الحق في ضعف، وأهل الباطل والبدعة في شدة وقوة لهم، فليس من الحكمة أن تظهر الإغلاظ والتجريح والهجر لأهل البدعة؛ لأن هذا معناه تسلط أهل البدعة عليك، وحرمان المجتمع من خيرك. ربما يكون لأهل السنة مسجد واحد وحيد في بلدة كلها بدع وخرافات. ربما يكون لأهل السنة مسجد واحد وحيد في مجتمع مليء بالبدع والخرافات، والسلطان يؤيد ويتبع هذه البدعة وأهلها. فكونك تدخل في شدة مع أهل البدعة وإغلاظ، هذا يعني تسلطهم عليك، ومنع المجتمع من خيرك. ربما تقتل أو تسجن أو تمنع من التعليم والتدريس والدعوة والخطابة. وفي كل هذا مفاسد أعظم من المصلحة التي أنت ترجوها في الإغلاظ عليهم. فالمقصود من هذا التنبيه أن المسلم عمومًا، وطالب العلم خصوصًا، وأهل السنة على وجه أخص، ينبغي أن يراعي مثل هذه الدقائق والمصالح والمفاسد التي ينبغي أن توزن بها المسائل، ويتعلق بها الأحكام. وما أحسن أن يرجع المسلم إلى أهل العلم؛ وقد نبتلى في مجتمعنا بمن يأخذ عمومات نقلت عن السلف، فيطبقها تطبيقًا خاطئًا في حياته وفي مجتمعه، بما تترتب عليه المفاسد أكثر من المصالح. وهذا هو الواقع. فإن أكثر الأخطاء التي تقع بسبب عدم حسن تطبيق فهم السلف ومواقفهم، فيكون في ذلك مفاسد كثيرة. هذا شيء على وجه الاختصار، وإلا فهذا المبحث تحته مسائل وتفاصيل كثيرة. ثم قال رحمه الله تعالى: القسم الثالث العاصي بفعل لا باعتقاده. فإن كانت بحيث يتأدى بها غيره، كالظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك، فالأولى العراب عنه وترك مخالطته والانقطاع عن معاملته. وكذلك الحكم فيمن يدعي إلى الفساد، كالذي يجمع بين الرجال والنساء، ويهيئ أسباب الشرب لأهل الفساد. فهذا ينبغي إهانته ومقاطعته والعراب عنه. فأما الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو زنا أو سرقة أو ترك واجب، فالأمر فيه أخف. ولكنه في وقت مباشرته إن صودف، وجب منعه بما يمتنع به. فإن كان النصح يرده، وكان أنفع له نصح، وإلا أغلظ له. هذا القسم الثالث من أقسام المخالفين لأمر الله، وهم العصاة. وقسم العصاة رحمه الله في هذا الموضع إلى قسمين: القسم الأول عاص بفعله لا باعتقاده. ومعناه: لأنه إذا كان باعتقاده، فهذا أمر خفي واضح؛ لأنه قد يعصي الإنسان باعتقاده، مثل إنسان عنده عجب وغرور وحب النفس ورياء ونحو ذلك مما هو في القلب، ولا نعلم به، أو تظهر في لحن قوله. ولكنه أمر غيب، فمثل هذا يوكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى. ويخطئ بعض الناس إذ يستعجل الشيء قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه. يعني يدخل في مصادمات مع أمثال هؤلاء، فيكون سببًا في حصول الفتن. لكن الواجب ترك من كان هذا حاله، وإيكال أمره إلى الله. وممكن ينفع مع مثل هذا النصح العام، يعني مثلًا النصح بالإخلاص، النصح بعدم الرياء؛ لأنك لو صارحته - وهذا هو الغالب - لخسرته، ولأفسدت عليك، ولكذبك، ولم يكن عندك حجة وبرهان أنه عنده هذا الخلق. اللهم إلا إن كان إنسان قريب إليك، ورأيت منه ما يدل على تلك الأشياء الخفية، فتنصح نصيحة محب بينك وبينه. وأما من كان ليس كذلك، ويخشى شره، فيتقى شره. ثم بعد ذلك الله سبحانه أغير على دينه. ومن كان صاحب نية فاسدة ومرض في قلبه، فسيظهر ذلك فيفضحه الله. وعند ذلك يكون العلاج ما يناسب. وأما من كان عاصيًا بفعله، فقسمه إلى قسمين: قسم معصيته تتعدى إلى غيره، وقسم معصيته تنحصر في نفسه. فجعل رحمه الله أن من تعدت معصيته إلى غيره يعامل بشيء من الشدة، ما لا يكون في حال من كان مستترًا بمعصيته. وقد تقدم الإشارة إلى شيء من ذلك في أوائل هذا الفصل. من كان من كانت له معصية تتعدى، فيعامل بشيء من الشدة. هكذا قال رحمه الله. ومن كان معصيته مستورة، فإنه يكون معه الحال بشيء من الرفق والنصح الذي هو أخف من الأول. ثم ذكر بعض الاستثناءات في ثنايا ذلك. وظاهر كلامه رحمه الله التسوية بين الظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة. وكذلك من يجاهر بالمعاصي كالجمع بين الرجال والنساء، وتهيئة أسباب الخمر والفساد. والظاهر - والله أعلم - التفريق بين هذين الصنفين أو الوسطين. فيفرق بين من يجاهر بالمعاصي بما يكون سببًا في إفساد المجتمع، فمثل هذا حاله أشد، فكذلك ينبغي أن يشد عليه. وأما من كان له ظلم أو غصب أو غيبة أو نميمة، لكنها ليست في الإفساد كحال أولئك الذين يفسدون المجتمع بتهيئة أماكن الاجتماع المختلطة، وأسباب شرب الخمور وغير ذلك. فأصحاب الغيبة والنميمة والغصب، وإن تعدى فهو تعدي فيه شيء من الخصوصية، فهذا أخف. فإذن هم على قسمين، وكل قسم يعالج بما يظيّن أنه أصلح في حقه. بل قد أحيانًا تكون بعض تلك المعاصي فلتات، يعني شهادة زور فلتة، أو غيبة أو نميمة فلتة. فهنا يكون العلاج كذلك بما يناسبه من الحكمة والحلم والعلم الذي يكون سببًا للإصلاح. بينما ربما يكون التشهير والهجر والفضح في الملأ سببًا لزيادة العناد والتوسع في الفساد. فالمهم يراعى في هذا الباب بحسب المصلحة والمفسدة. ومثله كذلك أو قريب منه فيمن يجاهر بالمعاصي ويفسد المجتمع. الأصل أننا نشد عليه؛ حتى لا يتمكن أمثال هؤلاء في المجتمع. ولكن إذا ترتب على ذلك فساد أعظم، فربما كان تأخير الإنكار أو تحين الوقت المناسب هو الحكمة. كما يروى ويحكى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين مر على بعض المغول وهم يشربون الخمر، فأمر بتركهم؛ لأن ما هم فيه بالنسبة لإفسادهم - ما إذا كانوا غير منشغلين بالخمر من سفك الدماء ونهب الأموال واقتصاب الأعراض - أشد من شرب الخمر. فلهذا كان ترك أمثال هؤلاء يعتبر مفسدة صغرى بالنسبة لغيره. فهو مفسدة كبرى بالنسبة لغيره. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم النافع "السياسة الشرعية" - وهو من أعظم وأنفع الكتب في باب مراعاة المصالح من المفاسد - ذكر مباحث ومسائل نافعة مهمة مفيدة، تفيد طالب العلم في قضية درء المفسدة الكبرى بالصغرى. فإنكار المنكر ليس دائمًا يكون على ظاهره؛ لأنه إذا كان سيؤدي إلى منكر أعظم منه، كان عدم الإنكار هو المعروف. فهو مشروط بألا يؤدي إلى ما هو أعظم منه. وأما القسم الأخير من كان مستترًا بمعصيته، فكما تقدم: الأولى الرفق بأمثال هؤلاء، وإعانتهم على التوبة والطاعة. فإن نصح ينصح بستر، وينصح بحب وإكرام، خصوصًا إذا أظهر الندم والحسرة، وكذلك التأسف. فينبغي أن يعان على توبته. وأما إن كان مجاهرًا، أو كان كذلك مستهترًا، أو عنده شيء من التعالي على أهل الحق، ولم يكن فعله ذلك هفوة، ولم يظهر منه الندم، فمثل هذا يشد عليه بما يكون به انكسار وردعه، وهو إعانة له على الخير، وسبب لرده إلى الحق. والخلاص في هذا الباب: أن القاعدة ها هنا هو مراعاة المصالح من المفاسد. والأمر في هذا وسط بين طرفين فاسدين. ليست مراعاة المصالح من المفاسد معناها تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتقاعص والعجز كما يفعله بعض الناس. ولا كذلك مراعاة المصالح من المفاسد معناها ترك الحكمة والرفق والحلم الذي يجب أن يكون عليه المسلم. فالحق طرف بين أهل الغلو وبين أهل التساهل. وهذا شيء عزيز لا يوفق إليه إلا القليل من الموفقين من أهل العلم والتوفيق، وأتباعهم ممن سدده الله. ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا.