الدرس في شرح مختصر السيرة 75، الدرس الخامس والسبعون:من ( فلما فرغ من قضية الكتاب ... وما ينزل به من أمور المسلمين والنصف الآخر قسمه بين المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تم التطرق إلى تفاصيل صلح الحديبية ونزول سورة الفتح وهروب أبي بصير وأبي جندل وتأثير ذلك على قريش. كما تم تسليط الضوء على أهمية الدعوة بالفعل.
تم سرد قصة غزوة خيبر ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند دخولها واستخلاص الدروس منها. كما تم توضيح استحباب الدعاء عند دخول القرى.
تم استخلاص الدروس من فتح خيبر مثل جواز الاستعانة بالكفار وحكم قتل النفس عمدًا أو خطأ. كما تم توضيح بعض الأحكام المتعلقة بذلك.
تم بيان تأثير الإحسان والإساءة على مشاعر الخوف والرجاء لدى الأفراد تجاه الله. حيث يزداد الرجاء بالإحسان والخوف بالإساءة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال في ذكره، في سياق ذكره لما وقع في صلح الحديبية: «قال فلما فرغ من قضية الكتاب» -يعني كتابة الصلح، وقد مر معنا أن أكثر ما ورد في هذه الفقرات التي ذكرها، أصلها في الصحيح في «صحيح البخاري» وغيره، في قصة الصلح، جاء من حديث المسور بن مخرمة، ويصدقه ويؤيده مروان، رضي الله تعالى عنهما- «قال فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم حلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام ولم يكلم أحدا منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه». وجاء في بعض الروايات أنه دخل وهو مغضب على بعض أزواجه، فأخبرها بما صنع أصحابه، حين سألته عن سبب غضبه. ولم يكن تأخر أصحابه، رضي الله عنهم، عن عدم طاعة، ولكن كان تأخرهم طمعا أن ينزل الله عز وجل لهم شيئا يكون فيه إمضاء العمرة، يكون لهم فيه إمضاء العمرة، وهذا من حبهم للخير ورغبتهم فيه، وظن بالله عز وجل الظن الحسن الذي يظنون أن الله عز وجل قد يجعل فرجا ومخرجا. فلما علموا أن الأمر لا بد منه، ولا محالة، امتثلوا جميعا كما سيأتي. فلما دخل على زوجه وأخبرته، بأن يخرج ويحلق، ويأمر الحلاق بالحلق، فيكون في ذلك تأكيدا لهم، أن ما أمرهم به أمر لا بد منه، لا ينتظر فيه تغيير ولا شيء، فعند ذلك تقاتلوا، يحلق بعضهم بعضا -يعني يمتثلون أمر النبي عليه الصلاة والسلام- وفي هذا دليل على أن الدعوة بالفعل أبلغ من الدعوة بالقول، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالفعل أبلغ من الدعوة إلى ذلك بالقول؛ وذلك لأن القول قد تحتف به ما لا يجعله مؤكدا كالفعل. قال رحمه الله تعالى: «فلما لم يقم منهم أحد، قام ولم يكلم أحدا منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه». والبدن: جمع بدنة، وهي الإبل إذا أهديت إلى الحرم، يقال لها: بدنة، ويكون ذلك إما بإشعارها أو تعليق شيء عليها. قال: «فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا» -غما- يعني من ازدحامهم على ذلك، وهكذا كذلك لما وقع عليهم من الحزن، كونهم لم يتموا عمرتهم. قال: «ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حَتَّى بَلَغَ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾». فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم أنزل الله سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية. فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم. قال الصحابة: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآيتين، إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. ومعنى ذلك جاء في الصحيح، وقد ذكر معناه شيخنا مقبل، رحمه الله، في «الصحيح المسند من أسباب النزول». قال: «ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش مسلما، فأرسلوا في طلبه». وفي هذه الآيات ونزولها دليل على أن لفظ الرجل ليس كلفظ المرأة، وأن ما كان من صلح بين المسلمين والكفار يجوز أن يستثنى منه النساء، ولو لم يأت التنصيص على حكم النساء؛ لأن حكم النساء يختلف عن حكم الرجال. قال: «فأرسلوا في طلبه رجلين»، ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش مسلما، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي بيننا وبينك. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلا يأكلان من تمر لهما -يعني هذان الرجلان المشركان- قال: يعني قاما يأكلان. قال: «فقال أبو بصير لأحدهم: إني أرى سيفك هذا جيدا. فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت» -يعني يمدح السيف- فقال: أرني أنظر إليه. فأمكنه به، فضربه حتى برد -يعني مات- وفر الآخر حتى بلغ المدينة، فدخل المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأى هذا ذعرا» -يعني الشيء يخيفه- والحديث جاء في الصحيح، في «البخاري» وغيره، من حديث المسور ومروان كما تقدم. قال: «فلما انتهى إليه، قال: قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول». فجاء أبو بصير، فقال: «يا نبي الله، قد أوفى الله ذمتك، وقد رددتني إليهم» -يعني وفيت بالعهد الذي بينك وبين المشركين- قال: «فأنجاه الله منهم». فقال صلى الله عليه وسلم: «ويل أمه مسعر حرب، لو كان له أحد». وهذه لمحة من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير، أنه يخرج ويغير على المشركين، على أنه ليس من صفوف المسلمين؛ لأنه إن بقي بينهم رده النبي عليه الصلاة والسلام إلى المشركين على العهد والشرط. قال: «فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم» -يعني أبو بصير- «فخرج حتى أتى سيف البحر» -يعني ابتعد عن المدينة حتى لا يكون في ذلك لوم على النبي عليه الصلاة والسلام- قال: «وتفلت منهم أبو جندل، فلحق بأبي بصير» -يعني في سيف البحر- قال: «فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق به» -يعني فصارت جماعة- كل من أسلم وأراد الخروج للمسلمين، حدث بعضهم بعضا أنهم لا يذهبوا إلى جهة المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل عهدا بينه وبين المشركين أن يرد إليهم من أسلم مدة من الزمن، فصاروا يذهبون إلى أبي بصير في سيف البحر. وفي هذا فائدة، وهو أنه متى اضطر المسلمون بعهد وذمة كان فيها الغضاض على أهل الإسلام، أمكن غيرهم أن يفعلوا ما ينصر به الإسلام فيما لا يخالف الذمة؛ كهذا الحال الذي وقع لجماعة أبي بصير. قال رحمه الله تعالى: «وتفلت منهم أبو جندل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق به حتى اجتمعت منهم عصابة» -يعني جماعة- «فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقاتلوهم وأخذوا أموالهم». فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن -يعني انتهى الأمر- أن المشركين طلبوا نقض هذه الخصلة من العهد؛ حتى لا تتضرر تجارتهم -يعني من أسلم يرجع إليك إلى المدينة ولا يتسلط على تجارتنا-. قال رحمه الله تعالى: «غزوة خيبر». قال: «ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية مكث عشرين يوما أو قريبا منها، ثم خرج إلى خيبر، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقدم أبو هريرة حينئذ المدينة مسلما، فوافى سباعا في صلاة الصبح، فسمعه يقرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. فقال -وهو في الصلاة-: ويل لأبي فلان، له مكيالان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص». وقصة سبب نزول الآية من سورة «المطففين» جاءت عند «ابن ماجة» والنسائي بإسناد صحيح، وذكره شيخنا مقبل، رحمه الله، في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، من حديث عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أرضاه، بمعنى ما ذكر الإمام في هذا الموضع. قال: «وسلمة بن الأكوع، خرجنا إلى خيبر، فقال رجل لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك» -يعني من شعرك- «فنزل يحدو ويقول: اللهم لولا أنت هدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا ... فأنزل انع السكينة علينا ... وثبت الأقدام إلا قينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا ... وبالصياح عويلا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا» -يعني يقول هذه الأبيات- وصار بعض من بعده يكرر: أبينا أبينا. قال: «فقال صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟» -ومعنى السائق: الذي يسوق من معه من الناس بشعره؛ لأن الشعر ينشط السائر في سفره إذا طال، والعامل في عمله إذا ثقل، فهو سائق لذاك العمل ولذاك الركب- «قالوا: عامر بن الأكوع. قال رحمه الله» -يعني دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بالرحمة- «فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا متعتنا به». ومعنى وجبت: يعني أنه يؤيد دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أن تكتب الشهادة لعامر بن الأكوع، ولكن هو يقول: لولا متعتنا به -يعني أن لا يموت مبكرا-. قال: «فأتينا خيبر، فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، فلما تصافوا خرج مرحب يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرد ... إذا الحروب أقبلت تلهب». فنزل إليه عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر ... شاك السلاح بطل مغامر. فاختلفا ضربتين -يعني ضرب كل منهم الآخر بضربة بالسيف- «فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فعضه، فذهب عامر يسفل له، وكان سيفه قصيرا، فرجع إليه سيفه، فأصابت ركبته، فمات» -يعني من أثر تلك الطعنة- ولم يمت بضربة مرحب، ولكن مات بخطأه في حركة السيف، وسيأتي. قال: «قال سلمة: فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: زعموا أن عامرا حبط عمله. فقال: كذب من قال ذلك، إن له أجرين، وجمع بين أصبعيه» -يعني هكذا- «قال: إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله». ومعنى الحديث: أن بعض الصحابة ظنوا أنه حيث قتل نفسه خطأ، أنه حبط بذلك جهاده، فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا ليس بصحيح، وأن من قتل نفسه خطأ يكتب له الأجر. وكونه قاتل وجاهد وقتل في أرض الجهاد والقتال، فله أجر الشهادة، وله أجر قتل النفس خطأ؛ فكونه قتل نفسه خطأ له أجر، وكونه قتل في أرض القتال له أجر آخر، ولهذا قال: «إن له أجرين، وجمع بين أصبعيه» مؤكدا أن عامر بن الأكوع ضعف له الأجر. قال: «ولما دنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، قال: قفوا. فوقف الجيش، فقال: اللهم رب السماوات السبع وما أضللنا، ورب الرياح وما أذرينا، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله» -أو قال-: «أقدموا باسم الله» -يعني أقدموا وتقدموا لدخول خيبر- وهذا الحديث كما ترون، سببه هو الدنو من خيبر، وخيبر كانت أرض يهود، وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أن فيه دليل على دعاء دخول القرية بمثل هذا الدعاء. وهذا الحديث ورد في مواضع، وقد ذكره الشيخ الألباني، رحمه الله، في مواضع من كتبه، وحسنه بشواهده، وذكره في «الصحيحة» في حديث «2759» عن صهيب، رضي الله عنه «2759»، وكان قد ضعفه قبل، ولكن صححه في الطبعة الثالثة من «صحيح الكلمة الطيب». وهكذا في «الصحيحة»، وفي مواضع أخرى. ولكن يبقى: هل هذا الدعاء يقال في كل قرية يدخل إليها؟ أم في قرية يتوقع منها الشر؟ الصحيح الثاني: فإن سبب ورود الحديث يبين هذا المعنى، وبه نعرف خطأ من جعل من أدعية الدخول إلى القرى هذا الدعاء عموما؛ فليس هذا بصحيح؛ لأنه لو كان ذلك على عمومه لثبت، ولو مرة واحدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، على كثرة دخوله المدينة وخروجه منها، وهكذا دخوله مكة وخروجه منها، لكن لم يثبت، فدل على أن من دخل قرية يخاف منها شرا، يستحب في حقه أن يدعو بهذا الدعاء، فيقول: «اللهم رب السماوات السبع وما أضللنا، ورب الرياح وما أذرينا، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها». ثم إن كان هو وحده يتقدم باسم الله، وإن كان معه أحد يقول: تقدموا باسم الله. قال رحمه الله: «فأسرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من عشرين ليلة، وكانت أرضا وخمة شديدة الحر، فجهد المسلمون جهدا شديدا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فوعظهم وحثهم على الجهاد». وكان فيهم عبد أسود. والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل إليهم فترة، ثم دخل إليهم، وسيأتي أنه حاصرهم، ودخل على بعضها عنوة -يعني بالقوة- وبعضها دخل إليهم بالصلح. قال: «فقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فوعظهم وحثهم على الجهاد» -يعني الصبر في الجهاد- ويستحب في مثل هذا المقام، إذا كان هناك شدة، أن يكون من الإمام ومن يقوم مقامه، تشجيع المقاتلين وحثهم على الجهاد، وفضل ذلك وخيره في الدنيا والآخرة. قال: «وكان فيهم عبد أسود، فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل، أدخل الجنة؟ قال: نعم. فتقدم فقاتل حتى قتل». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه: «أحسن الله وجهك، وطيب ريحك، وكثر مالك». ثم قال: «لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تتنازعان جبته عنه، وتدخلان فيما بين جلدي وجبته». وهذا الحديث جاء معناه بإسنادين، أحدهما صحيح، وآخر ضعيف، فقد ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» في ترجمته، ونقله عن ابن شاهين، وذكر صاحب «روضة المحدثين» أنه ضعيف، من حديث ابن عمر. وجاء من حديث أنس عند الحاكم معناه بإسناد صحيح، وصححه الشيخ الألباني، رحمه الله، في «صحيح الترغيب». غير أنه قال: «لقد رأيت زوجته» -ولم يقل زوجتيه- يعني من الحور العين. وفيه دليل كذلك -أي هذا- على أن من فعل خيرا، وقصد به معنى من المعاني التي قد يظن أنها ليست خالصة -يعني لله عز وجل- فإنه يكتب له الأجر بما كان من صدق العمل، وبما كان من صدق العمل، ولو كان مع هذه النية الصادقة نية أخرى. فهذا الرجل قاتل كراهية الدنيا، قاتل كراهية الدنيا ورغبة في الآخرة، ليس مثل هذا المقاتل مثل من يقاتل رغبة في الآخرة مع وجود المرغبات في الدنيا؛ واضح: رجل عنده زوجات، وعنده أبناء، وعنده أموال، وعنده ذكر وصيت حسن بين الناس، ومع ذلك يقاتل يريد ما عند الله من أجر القتال والشهادة، ليس هو مثل من ليس له قبول، وليس عنده مال، وليس عنده زوجات ولا أبناء ولا شيء، بل هو ربما يرى نفسه مبغوضا، طريدا في هذه الدنيا، فيرى راحة نفسه: ماذا أن يموت؟ ولكن يموت بصدق في شهادة، فكلاهما يكتب له الأجر، لكن الأول يكتب له الأجر أكثر؛ لماذا؟ لأن الابتلاء حقه أعظم. والشاهد من هذا: هو أنه من وقع منه نحو ذلك لا ينافي ذاك الإخلاص، ولا ينافي ذاك الأجر، بل يكتب له الأجر بقدر صدقه في هذا العمل، وتحقق هذا الصدق. قال رحمه الله: «فافتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها» -يعني عنوة فتحها بدون صلح- «ثم تحول إلى الكتيبة والوطيح والسلالم» -وهي اسم مواضع من أرض خيبر- وقيل: إن الكتيبة فتح بعضها، وبعضها كان فيه صلح، والوطيح والسلالم -أو السلالم- هما حصنان من حصون يهود. قال: «فإن خيبر كان جانبين: الأول الشق والنطاه» -اسم موضعين من خيبر- الذي افتتح أولا -يعني عنوة بدون صلح- قال: «والثاني ما ذكرنا» -يعني الكتيبة والوطيح والسلالم- «فإنها فتحت بالصلح». قال: «فحاصرهم» -ومعنى ذلك جاء في أحاديث- منه ما جاء عند أبي داود من حديث بشير بن يسار، وهو حديث مرسل، فبشير من التابعين، وإسناده صحيح، صححه إسناده الألباني، رحمه الله، في «صحيحة أبي داود». قال: «فحاصرهم حتى إذا أيقنوا بالهلك، سألوه الصلح، ونزل إليه سلام بن أبي الحقيق، فصالحهم على حقن الدماء، وعلى الذرية، ويخرجون من خيبر» -يعني ألا يقتل منهم أحد، ويأخذون معهم أبناءهم ونساءهم، ويخلون ما كان لهم من مال وأرض- يعني لا يأخذ شيء من ذلك- «وعلى الصفراء والبيضاء والحلقة» -والصفراء: الذهب- والبيضاء: الفضة- والحلقة: السلاح- وقد يطلق إذا قرن بسلاح آخر: الدروع خاصة؛ لأنها تكون من الحلق، الدرع الذي يلبسه المقاتل يكون حلق بعضها بذي بعض، فيلبسها احتماء من ضربات السيوف وغيرها، لكن إذا لم يكن معه شيء آخر، فإنه يراد به السلاح عموما -يعني لا يأخذوا ذلك- «إلا ثوبا على ظهر إنسان» -يخرجون بنسائهم وأبنائهم وأطفالهم، وما عليهم من ثياب، لا يأخذون أموالا-. قال: «فلما أراد أن يجليهم، قالوا: نحن أعلم بهذه الأرض منكم، فدعنا نكون فيها. فأعطاهم إياها على شطر ما يخرج من ثمرها وزرعها». وجاء معنى ذلك في الصحيح من حديث ابن عمر وغيره. وفيه سياسة شرعية حكيمة، يستفيد منها أهل الإسلام، وذلك أنه إذا احتاج أهل الإسلام في مبدأ دولتهم، أو مبدأ عملهم إلى بعض الكفار، فلا بأس أن يستعينوا بهم، مع عدم وجود أمثالهم من أهل الكفاءة من المسلمين، وهذا أفضل من تعطيل ما يحتاجه الناس بحجة ماذا؟ الاستغناء بالنفس. فإذا كان كذلك، ففي هذا لفتة لمعض من لم يفقه الدعوة -دعوة أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص- فيظن أنه يستغني بنفسه عن سائر المجتمع، فيقيم مجتمعا بجميع حوائجه بسلفي كامل السلفية على ما يظن، وهذا خطأ؛ فإن مجتمعا واسعا يشمل جميع المسلمين يحتاج منك أن تستعين بجميع الطوائف، لكن من دون أن ينافي ذلك الولاء والبراء، ولا ينافي ذلك الثبات على الحق، والوقوع في شيء من المحظورات. بل أنت تدعو لله وتبين الحق وتحذر من الباطل، وإذا احتجت في دنياك إلى أن تستعين بمعضي هؤلاء، استعنت بهم، استعنت بهم بما لا ينافي الضوابط الشرعية في هذا المقام. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام استعان بكفار فيما تقوم به مصالح المسلمين، فكيف بغير المسلمين؟ وقد جاء في بعض الروايات: جاء في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بهم لعدم وجود من يحسن ذلك من المسلمين؛ كانت أرض خيبر أرض زراعة كبيرة، وليس عند النبي صلى الله عليه وسلم من يستطيع أن يقوم عليها جميعا، فرأى الرأي أن يشاطرهم على أن يعملوا فيها، ويكونوا له شطرها -يعني نصف ما يخرج من ثمرتها- والنصف الآخر يبقى لأهل خيبر، كما جاء في حديث ابن عمر وغيره. قال: «فلما أراد أن يجليهم، قالوا: نحن أعلم بهذه الأرض منكم، فدعنا نكون فيها. فأعطاهم إياها على شطر ما يخرج من ثمرها وزرعها». ثم قسمها على ستة وثلاثين سهما، كل سهم مئة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم. وأخرج نصفها -ثمانية عشر سهما- فيما ينزل من المسلمين، وفيما ينزل بالمسلمين. وجعل لنفسه عليه الصلاة والسلام سهما كسهم سائر من معه عليه الصلاة والسلام -يعني لم يزد على نفسه شيئا- بل جعل لنفسه سهما كسهم سائر الناس. قال رحمه الله: «النصف الآخر قسمه بين المسلمين». وكان قدر ثمانية عشر سهم في ألف بثمانية عشر ألف سهم، كما جاء في مرسل بشير بن يسار الذي مضى معنا، وصححه العلامة الألباني، رحمه الله. نكتب بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: ما حكم من يستدل بفعل أبي بصير ومن معه بفعل أسامة بن لادن؟ الجواب: هذا ليس بصحيح؛ لأن أبا بصير فعل ذلك بما لا يخالف الشرع، وبماذا؟ وبإذن النبي صلى الله عليه وسلم. وورثت الأنبياء من العلماء، ورثت الأنبياء العلماء. فهل العلماء يوافقون فعل بن لادن أم يحذرون من ذلك؟ الجواب: يحذرون من ذلك. فأفعاله تدخل المفاسد لا تدخل المصالح. يقول: هل في هذه القصة قصة من الأكوى دليل على أن من قتل نفسه حبط عمله؟ الجواب: نعم، أقر من نبي عليه الصلاة والسلام لو كان صحا. لكن من قتل نفسه خطأ فإنه ماذا؟ يكتب له الأجر. أما من قتل نفسه عمدا حبط عمله. ليس معناه أنه يكون كافرا، لكن معناه أنه استوجب على نفسه ما يدخله النار بهذه الكبيرة، وهي كبيرة قتل النفس. ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام بأحاديث كثيرة من قتل النفس، وأن من قتل نفسه بشيء لا يزال يقتل نفسه بذلك، ويبعث المرء على ما مات عليه. ومع ذلك ليس معناه أننا نخرجه من تحت المشيئة؛ فإن الله يغفر لمن يشاء، لكن هذه الرحمة وهذا الرجاء إنما هو قريب من المتقين والمحسنين. وكلما كبرت الكبائر وعظمت، فهو أبعد. ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يخافون على المسيء، ويرجون ماذا؟ للمحسن. يخافون على المسيء، ويرجون للمحسن، فيزداد الرجاء بكثرة الإحسان، ويزداد الخوف بكثرة ماذا؟ بكثرة الإساءة. إلى هنا والله تعالى أعلم.