الدرس في شرح مختصر السيرة 59، الدرس التاسع والخمسون:فيه( أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ... حتى بلغوا الخرار فوجدوا العير قد مرت بالأمس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ في عقد الألوية للسرايا، وكان أولها لواء عقده لحمزة بن عبد المطلب لاعتراض عير لقريش في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة. كانت هذه السرايا بداية لمواجهة قريش عسكريًا.
غزوة السويق كانت إحدى الغزوات التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم، وسميت بذلك لما رمى به المشركون من السويق. لم يشارك الأنصار في هذه الغزوة لأن مبايعتهم كانت على الدفاع عن المدينة فقط.
في بداية الدعوة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج في سرايا لملاقاة قريش، منها سرية عبيدة بن الحارث وسرية سعد بن أبي وقاص. كانت هذه السرايا تهدف إلى مواجهة قريش عسكريًا وتأكيد وجود المسلمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: «أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم». مر معنا فيما سبق بعض الخصائص والأحداث التي وقعت عقيب الهجرة، وأخذنا من ذلك ما كان يأخذه النبي عليه الصلاة والسلام من بيعه على أصحابه بيعات القتال، وهكذا كذلك بيعات أخرى على التوحيد والإسلام، ومر معنا شيء من ذلك. وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم بايع على الحرب، كما في البخاري من حديث ابن عمر، وبايع كذلك على الإسلام وعلى أن لا يسأل الناس، وعلى إقامة الشعائر الدين والطاعة، وأن لا يسأل الناس شيئا، كما جاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أصبح في صحيح مسلم. وهكذا كذلك ما كان من أمور أخرى هي بهذا المعنى، كما أخبر عليه الصلاة والسلام كذلك في إرسال من أرسل من العيون، وهكذا تفقد أحوال الكافرين، كما قال يوم الأحزاب: «من يأتينا لخبر القوم؟» قال الزبير: «أنا» ثلاثا، كما جاء في حديث جابر البخاري وغيره. فناسب أن يذكر بعد ذلك رحمه الله شيء من الألوية، أي ما ابتدأ به عليه الصلاة والسلام في إرادة قتال المشركين بعد أن علمنا أنه أذن له وأمر بذلك: «وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة». قال رحمه الله تعالى: «وأول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول موسى بن عقبة، لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى، بعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين خاصة، يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل، حتى بلغوا سيف البحر». أي ساحل البحر، وهو لفظ يطلق على الساحل، ولكنه ليس أي ساحل، وإنما الساحل المنبسط، وهو إلى يومنا هذا يقال كذلك، فعندنا يقال السيف، ويقال السيف للساحل المنبسط، فلا يقال لساحل البحر الذي فيه صخور أو منطقة جبلية سيف، وإنما يسمى بأسماء أخرى. ماذا يقال؟ أي شيء يسمى؟ لا، المكان الذي يكون فيه صخور الساحل لفرعان، لكن إذا أردنا أن نخص هذا المكان الجرف، نعم، ربما قال الجرف، أو نسمع بعض العامة يقولون قشار، نعم، ونحو ذلك. فالسيف لفظ عام يشمل المستوي وغير المستوي، نعم، الساحل لفظ عام يشمل المستوي وغير المستوي، وأما السيف فلا يطلق إلا على المستوي. قال: «حتى بلغ سيف البحر من ناحية العيص»، والعيص موضع معروف في المدينة، أو على طرف المدينة في مداخلها من جهة طريق بدر، وإلى جهة رابغ، وهو يطلق في اللغة على كل موضع له مسيال واد كبير إلى البحر، فليس العيص مكان محدد بعينه، ولكنه وصف يطلق على معنى يوجد مثله في أماكن كثيرة، عندنا بهذه البلاد، وفي غير هذه البلاد، يطلق العيص على هذا المعنى، عندنا هنا عيص الشحر، وعيص صيحوت، وعيص المكلا، عيص، يعني يسمى في أماكن أخرى كثيرة، وهو ما كان بهذا المعنى. قال: «فالتقوا واستفوا للقتال، فحجز بينهم مجدي بن عمر الجهني، وكان موادعا للفريقين، فلم يقتتلوا»، يعني منعهم من القتال؛ لأنه كانت بينه وبينهما موادعة، يعني بمعنى الصلح، فلم يكن قتال؛ لأن هذا الرجل بينه وبين المسلمين موادعة، وبينه وبين قوم قريش موادعة، فتركوا القتال. أصل هذه القصة ذكرها أهل السير في مواضع، فذكرها ابن كثير في السيرة، وهكذا كذلك قبله غير واحد، وذكر أن اللواء كان أبيض، وأن خروجهم كان بعد سبعة أشهر من الهجرة، وكان حامل اللواء هو أبو مرثد الغنوي. وأما قوله: «في ثلاثين رجلا من المهاجرين دون الأنصار»، ذلك لأن أول ألوية النبي عليه الصلاة والسلام وسرياته كانت في أوائل الهجرة، وأوائل الهجرة لم يكن الأنصار قد بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال خارج المدينة، وإنما كان على حمايته مما يحمون أنفسهم وأهليهم في المدينة، وهذا هو السبب. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخرج، يأمر أصحابه بالخروج، ولا يطلب ذلك من الأنصار، حتى كان يوم بدر، فكان الذي كان، كما جاء في الصحيح: أن قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «امضي بنا حيث شئت»، فمضوا معه، فكان القتال. قال رحمه الله تعالى: «سرية عبيدة بن الحارث»، ثم بعث عبيدة بن الحارث ابن المطلب ابن عبد مناف في شوال من تلك السنة، في سرية إلى بطن رابغ، في ستين رجلا من المهاجرين خاصة، فلقي أبا سفيان عند رابغ، فكان بينهم الرمي، ولم يسل السيوف، وإنما كانت مناوشة، وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله، ثم انصرف الفريقان. وقدم ابن إسحاق سرية حمزة، يعني المسألة فيها خلاف، فقد ذكر غير واحد أن هذه قبل هذه، يعني بعضهم ذكر أن سرية حمزة قبل، وبعضهم ذكر أن سرية عبيدة بن الحارث قبل، وذهب بعضهم إلى أن سرية عبيدة بن الحارث كانت ضمن لواء حمزة. والراجح ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا، وهو الذي اعتمده أكثر أهل السير والتاريخ، فإنها كانت سرية أخرى، فالأولى لم يقع فيها قتال، والثانية وقع فيها مناوشة ورمي، ولم يقع فيها قتال واشتباك للفريقين. وأصل هذه القصة في صحيح البخاري من حديث سعد رضي الله تعالى عنه، ذكرها أو أشار إليها في مواضع، وذكرها في غزوة الطائف، وهكذا كذلك بعض هذا الذي وقع ذكر في أحاديث أخرى. قال: «سرية سعد بن أبي وقاص»، وكانت هذه السرية لمتابعة عير قريش التي خرج بها أبو سفيان، كما ذكر هنا وأشار. قال: «سرية سعد بن أبي وقاص، ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القاعدة من تلك السنة إلى الخرار من أرض الحجاز، يعترضون عيرا لقريش»، والخرار اسم موضع، وهو وادي فيه ماء، يقولون أنه قرب موضع يقال له خم. قال: «من أرض الحجاز يعترضون عيرا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار، وكانوا عشرين، وقيل ثمانية من المهاجرين». لكن ذكر ابن القيم في «زاد المعاد» أنهم كانوا على عشرين. قال: «فخرجوا على أقدامهم، يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، حتى بلغوا الخرار، فوجدوا العير قد مرت بالأمس»، يعني فاتتهم أو فاتهم العير، فرجعوا. فهذه كانت لمتابعة العير، ولهذا قال بعضهم: أن هذه السرية هي فرع عن سرية عبيدة بن الحارث، ومنهم من قال: بل هي سرية أخرى، وذكر هذا الواقدي، والواقدي ممن لا يعتمد عليه. لكن ذكر بلا شك خروج سعد مع سرية عبيدة رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم. وفيه أنهم خرجوا بلواء أبيض يحمله المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم.