الدرس في شرح مختصر السيرة 27، الدرس السابع والعشرون : وفيه : ( أول من آمن : ولما دعا إلى الله ... حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بدأ النبي دعوته سرا ودخل الناس في دين الله واحدا بعد واحد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أكمل الناس خلقا حتى مع أعدائه. لم يكن سبابا ولا فاحشا، وأعطى مثالا على ذلك تعامل الصحابة مع أعدائهم.
كان أبو طالب عم النبي يحميه بسبب منزلته العظيمة في قريش، بينما حمى الله أصحابه إما بعشائرهم أو بثباتهم على الإيمان رغم التعذيب. تحدث المقطع عن حماية الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى المشركين.
يذكر فضل أبي بكر الصديق في عتق العبيد الذين كانوا يعذبون في سبيل الله، مثل بلال بن رباح، كما يشير إلى تكذيب أبي لهب للنبي ورميه بالحجارة. كان أبو بكر يشتري هؤلاء العبيد واعتقهم لوجه الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم» قال: أول من آمن، قال: ولما دعا إلى الله استجاب له عباد من كل قبيلة، وكان حائد السر، صديق الأمة، أبا بكر رضي الله عنه، فوازره في دين الله ودعا معه إلى الله، فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلح وسعد. هل قرأنا أولا قرأنا الشأنزين الحاردة؟ ودخل الناس طيب، قال رحمه الله تعالى: ودخل الناس في دين الله واحدا بعد واحد، فقريش لا تنكر ذلك حتى بادأهم بعيد دينهم وسب آلهتهم وأنها لا تضر ولا تنفع. ومراده رحمه الله أن أول دعوة النبي عليه الصلاة والسلام كانت سرا، وكان الناس يدخلون فيه واحدا بعد واحد، فكانوا قلة كما سيأتي معنا إن شاء الله. وقوله: بادأهم بعيد دينهم وسب آلهتهم وأنها لا تضر ولا تنفع، ليس مراده بالسب المذموم شرعا، فإن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان منزها عن ذلك، فهو القائل عليه الصلاة والسلام كما حكي حديث بن مسعود: «ليس المسلم بالسباب ولا الطعان ولا الفاحش ولا البذيء». وهكذا حديث «بالله» من عمر في الصحيح: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، حتى مع الباطل ما كان ذاحشا ولا متفحشا». ولكن المراد بالسب ما يسميه هؤلاء بأنه سب، من أن الآلهة لا تنفع ولا تضر كما بينه رحمه الله. وعلى هذا لا حاجة للانتقاد على عبارة المؤلف كما فعله بعض المتأخرين، فإن المؤلف رحمه الله بين بقوله: «وأنها لا تضر ولا تنفع»، فليس مراده أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه ما ينافي الخلق، بل كان عليه الصلاة والسلام أرفع الناس وأكمل الناس وأعدل الناس، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ يعني لا يجرمنكم، لا يستهينكم عداوتكم لقوم على أن لا تعدلوا فيهم، اعدلوا فيهم. ولهذا لما كان أهل الإسلام قد علموا ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا على غاية الخلق، حتى ما أعدائهم، حتى ما أشدي الناس عداوة لهم. وكما مر معنا وسيأتي أنهم عذبوا هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام أولا عذابا شديدا لأجل إسلامهم، خصوصا من كان مستضعفا منهم. وما منعهم ذلك من العدل والإنصاف وحسن الخلق. ومن عجاب ما يذكر بذلك أن النهدية وهي امرأة كانت أما عند بعض أهل قريش لامرأة منهم، عذبتها سيدتها ومولاتها عذابا شديدا، فقالت: لا أفارقك -يعني في العذاب- حتى تفارقي حياتك -يعني حتى تموت-. فمر بها أبو بكر رضي الله عنه، وقال لها: كم تريدين بها -يعني أشتريها منك-؟ قالت: لكذا وكذا، طلبت شيئا خياليا. فاشتراها أبو بكر رضي الله عنه وأعتقها. الشاهد أنها كان عندها طحين لم تستكمل طحنه، كما ذكر عروة رحمه الله تعالى: كان عندها طحين لم تستكمل طحنه لسيدتها. فقال لها أبو بكر: قومي وردي لها طحينها، فقالت: حتى أستكمل طحنه لها ثم أذهب، فإنه لم يمنعهم -لم يمنعهم أذية أعدائهم لهم- من إنصافهم لهم، وكذلك حسن معاشرتهم وخلقهم لهم، لما رأوه وتعلموه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام أكمل الناس خلقا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقوله: «وسب آلهتهم» يعني فيما يسميه المشركون سبا، وإلا ما كان نبينا عليه الصلاة والسلام فاحشا ولا متفحشا. وكان يقول: «ليس المسلم بالسباب ولا اللعان ولا الفاحش البذيء». ما أثير عنه عليه الصلاة والسلام شيء مما يوقع بالنفوس، بل كان عليه الصلاة والسلام أكمل الناس خلقا حتى مع أعدائه. قال: فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب، لأنه كان شريفا معظما. وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاءه على دين قومه -يعني من إرادة الله الكونية- ومن حكمة الله عز وجل كذلك في خلقه أن بقي أبو طالب مشركا. لو أسلم أبو طالب لبادر العداوة لأبي طالب وللنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنه بقي على دين أبائه وأجداده، فكان ذلك سببا في استحياء المشركين من عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب خصوصا. وأبو طالب كانت له منزلة عظيمة في أهل قريش، لما كان من منزلة أبي عبد المطلب كما مر معنا. وكان عبد المطلب يوصف بأنه سيد أهل مكة كما مر معنا، حتى أن أبره لم يفاوض أحدا ولم يجسر أحد على مفاوضته إلا عبد المطلب. قال: فكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاءه على دين قومه، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها. وهذا المعنى ذكره عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيما رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، بل هو على الصحيح لغيره، لأنه جاء كذلك مرسلا عن مجاهد وهو صحيح، فيرتقي هذا الحديث الحسن إلى مرتبة الصحيح لغيره. أن عبد الله بن مسعود فيما رواه الإمام أحمد كما قلنا بإسناد حسن قال: أول من أضار إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم لأنهم كانوا من الضعفاء، فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم بالشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا -يعني وافقهم على ما يريدون من التلفظ بكلمة الكفر-. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. قال: وما قال «وهانا» فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أراده إلا بلالا، فإنه هانت عليه نفسه بالله وهان على قومه -يعني هان على قومه ليس لو أحد يحميه-. قال: فأعطوه الولدان يعذبوه بالصحراء ويصهروه بالشمس بأدرع الحديد، ويضعون عليه الحجارة، ثم يعطوه الولدان يعبثون به بالضرب وغير ذلك. قال: فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: «أحد أحد». وكان هذا عبرة للآخرين، وفي هذا حكمة، فإن وجود مثل هذا الظلم مع صبر هؤلاء على الدين سبب لاستثارة الآخرين أن يطلعوا ويتعرفوا ما هو هذا الشيء العظيم الذي جعل هؤلاء يصبروا على هذا الشيء. قال رحمه الله: أما أصحابه فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، مثل أبي بكر، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام وخديجة، وكل من كان له عشيرة احتمى بعشيرته. قال: وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب، منهم عمار بن ياسر وأمه سمية وأهل بيته عذبوا في الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول: «صبرا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». ما يملك النبي عليه الصلاة والسلام أن يمنع عنهم شيئا، ولكن صبرهم ويعدهم أن الدنيا قصيرة وأن الله عز وجل ليعدهم إن صبروا وثبتوا على دين الله الجنة. قال: سمية أول شهيدة. ما أدري هذه العناوين من المؤلف أو أنها من أهل النسق والطبع، تباعا عندكم بالنسخة الأخرى القديمة موجودة هذا العنوان نسخة الأخرى موجودة. طيب، قال: ومر أبو جهل في سمية أم عمار رضي الله عنهما وهي تعذب وزوجها وابنها، قطعنا بحربة في فرجها وقتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام. وكما قال مجاهد فيما جاء عنه مرسلا وهو صحيح أنها كانت سابع سبعة في الإسلام وأنها كذلك بهذا المعنى شهيدة. قال: وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه وأعتقه، منهم بلال، فإنه عذب بالله أشد العذاب، فاشتراه الصديق رضي الله عنه وأرضاه. فرويا عن قيس بن أبي حازم مرسلا وهو مرسل صحيح، رواه بن أبي شيبة بإسناد صحيح قال: اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواق وهو مدهون بالحجارة -يعني أن بلالا كان مدهونا بالحجارة من شدة ما عذب-. فمر به رضي الله عنه وأرضاه واشتراه بخمس أواق. وكم الأوقية؟ كذا الأوقية. ها، لا، مر معنا كمل الأوقية. ها، لا، ليست أوقيتنا اليوم، لكن أوقية النبوية في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أربعون درهما. نعم، مر معنا قريبا بحديث عائشة: هيا أبا يوسف، كم لا موضع اليوم بالدراهم؟ اثنى عشر ونصف. كم قالت عائشة: كان مهرها؟ ها، كم كان مهرها؟ ما يعادل خمسمائة درهم، وهي تساوي اثنى عشر أوقية ونشا. قالت: ونش نصف الأوقية. أبسموها اثنى عشر، بسمك خمسمائة. بكم؟ اثنى عشر أوقية ونصف؟ كم يابهم قد حسبتها؟ اثنى عشر أوقية ونصف. فقوله: اشتراه بخمس أواق، يعني خمس أوقيات. إذا قلنا العشر الأوقيات بخمسمائة، يعني الأوقية بكم؟ بعشرة دراهم. بعشرة دراهم، فهي أقل من ذلك. هي أقل من ذلك. وكان هذا ها، لا، قالت: اثنى عشر أوقية ونشا مهر عائشة خمسمائة درهم، ها، ما تعادل تقريبا خمسمائة درهم. نعم، خمس أواق مئتي درهم. خمس أواق مئتي درهم. نعم، صحيح مئتي درهم. فقوله: اشتراه بخمس أواق، يعني بما يعادل بزماننا هذا تقريبا عشرة آلاف، وهو نصاب الفضة. ما عاد بزمانه هذا عشرة آلاف نصاب الفضة في هذا الزمان، فإن نصاب الفضة اليوم مئتي درهم، خمسمائة وخمسة وتسعين جراما من الفضة. قال رحمه الله تعالى: ومنهم عامر بن فهيرة، وجارية لبني عدي -يعني هؤلاء كلهم اشتراهم أبو بكر رضي الله عنه وعتقهم-. قالت: كان عمر يعذبه على الإسلام، فقال أبو قحافة عثمان بن عامر لابن أبي بكر: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو اعتقت قوما جلدا يمنعونك؟ فقال: إني أريد ما أريد. التقوى أنه نزل بحقه، وحسنه بعض أهل العلم. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسن يسره لليسرى إلى مع آخر السورة. وكذلك جاء ذكر بعض الناس الآخرين الذين اعتقهم أبو بكر رضي الله عنه. فجاء عن عروة مرسلا صحيحا، رواه بن أبي شيبة أنه قال: أعتق أبو بكر ممن كان يعذب في الله سبعة: عامر بن فهيرة، وبلال، ونذيرة -أو نذيرة-، وأم عبيس، والنهدية، وأختها. وجاء في طريق أخرى ذكرى ابن إسحاق قال: وابنتها. قال: وأختها، وجارية لابن عمر بن مؤمل. وجاء كذلك في رواية أخرى عند ابن إسحاق: وأمه حمامة -يعني أم بلال-، وزنيرة. ولعل هي التي ذكرتها هنا نذيرة، وقيل أم عبس، ولعل هي التي ذكرتها هنا بأنها أم عبيس. قال رحمه الله تعالى: ابتداء الدعوة. قال: وقال الزهري: لما ظهر الإسلام أتى جماعة من كفار قريش إلى من آمن من عشائرهم فعذبوهم وسجنوهم وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. وهذا مرسل عن الزهري. وكما قلنا أن أكثر ما يروى في السير مراسيل، لكنها مراسيل صحيحة، يوجد فيها كثير من الصحيح، ويشهد المرسل بعضه لبعض، يؤيد ثبوت تلك الأخبار، يؤيد ثبوت تلك الأخبار. قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهم قالوا: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين مستخفيا، ثم أعلن بالرابعة، فدعا الناس. عشر سنين يواعد المواسم كل عام -يعني يأتي موسم اجتماع الناس في الأسواق وفي تلك الحج-. قال: يواعد المواسم كل عام، يتبع الناس في منازلهم في المواسم: بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز، يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالة ربه، ولهم الجنة -يعني يطلب منهم أن أحدا يمنعه من الكفار الذين كرهوا دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أعرضوا عنها-. وهذه عكاظ ومجنة وذي المجاز أسماء أسواق كان يجتمع العرب فيها، فتأتي القوافل وفيها رجال من شتى قبائل العرب. قال: فلا يجد أحدا ينصره ويحميه، بل كما سيأتي أنهم كانوا يتابعونه ويكذبونه. ويأتي بعده عمه أبو لهب خلف عقبيه يرميه بالحجارة ويكذبه. ما قال نبينا عليه الصلاة والسلام شيئا إلا كذبه من خلفه. طيب، نستأنف ونكمل إن شاء الله بدرس اللاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. شكرا.