شرح مختصر السيرة 112

شرح مختصر السيرة 112

الدرس في شرح مختصر السيرة 112، الدرس الثاني عشر بعد المائة:من( ذكر مسير خالد إلى بزاخة وغيرها ... وكنا كلما أغرنا على قوم سبينا الذراري واقتسمنا الأموال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسير خالد بن الوليد إلى بزاخة

يتناول هذا الفصل قصة مسير خالد بن الوليد إلى بزاخة لقتال المرتدين ودور عدي بن حاتم في ثني قبيلة جديلة عن الارتداد. كما يبرز تفاصيل المواجهة والتعامل الحكيم مع القبائل المهتزة بين الإسلام والارتداد.

معركة بزاخة وهزيمة طليحة

يصف هذا الفصل تفاصيل معركة بزاخة بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد وطليحة بن خويلد الأسدي، حيث هزم طليحة وأتباعه. كما يذكر تطورات المعركة وفرار طليحة بعد هزيمة أصحابه.

التحقيق في صحة الأحداث

يشير هذا الفصل إلى شهرة قصة التحريق لكنه يشكك في صحة إسنادها، ويطلب من المستمعين البحث عن أسانيد صحيحة لتأكيد الأحداث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال: ذكر مسيري خالد إلى بزاغة وغيرها. وبزاغة -أو بزاخة- يقال بالغين ويقال بالخاء، هو اسم موضع في البحرين فيه ماء، تنزل فيه بعض القبائل، ومن أشهرها بنو أسد وغطفان. وقد كان أهلها ارتدوا في زمن أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم خالدًا، كما سيأتي إن شاء الله، وقاتلهم حتى جاءوا تائبين ويطلبون الصلح. وأصل هذه القصة في صحيح البخاري، فقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله في باب الاستخلاف حديثًا عن طارق بن شهاب، عن أبي بكر، وذكر فيه قصة وفد بزاخة حين أتوا إلى أبي بكر يطلبون الصلح، فأمرهم أبو بكر أن يتتبعوا أذناب الإبل -يعني يخرجوا خارج المدينة- حتى يرى الله عز وجل خليفة نبيه صلى الله عليه وسلم والمهاجرين أمرًا يعذرون به الوفد -يعني يكون به الصلح-. قال رحمه الله: ولما سار خالد إلى بزاخة كان عدي بن حاتم معه، وقد انضم إليه من طيء ألف -يعني من المقاتلين- فنزلوا بزاخة، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام، وهي قبيلة وهي بطن من طيء، وكان عدي بن حاتم رضي الله عنه من الغوث -بطن آخر-. قال: وقد همت جديلة أن ترتد، فجاءهم مكنف بن زيد الخيل فقال: تريدون أن تصيروا سبة على قومكم -أو أن تكون سببًا لإدخال المسبة على قومكم- تصيروا -يعني تدخلوا-. قال: ولم يرجع رجل واحد من طيء، وهذا عدي معه ألف الرجل من طيء، فكسرهم -يعني لم يتركهم على ما يريدون-. قال: فلما نزل خالد بزاخة قال لي عدي: ألا نسير إلى جديلة؟ قال: يا أبا سليمان، أقاتل معك بيدين أحب إليك أم بيد واحدة؟ فقال: بل يدين. قال: فإن جديلة إحدى يدي، فكف عنهم. ومعنى أن عدي بن حاتم قد غلب على ظنه أن جديلة إذا تركت قليلًا ترجع، وهو خير من قتالها، فكان كما تفرس عدي بن حاتم رضي الله عنه. قال: فإن جديلة إحدى يدي، فكف عنهم، فجاءهم عدي فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد. فلما رآهم صاحب أصحابه السلاح، فلما جاءوا حلوا ناحية، فجاءهم خالد ورحب بهم، فاعتذروا إليه وقالوا: نحن لك حيث شئت، فجزاهم خيرًا -يعني أكثر لهم المجازاة-. قال: فلم يرتد من طيء رجل واحد، فسار خالد على تعبئته، وطلب إليه عدي أن يجعل قومه مقدمة أصحابه، فقال: خاف أن أقدمهم، فإذا ألجمهم القتال انكشفوا، فانكشف من معنا، ولكن دعني أقدم قومًا صبرًا لهم سوابق. فقال عدي: الرأي ما رأيت. ومعناه أن عدي أحب أن يكون في أول الجيش، فلم يوافقه خالد رضي الله عنه خشية أن يصير في الجيش شيء من الخوف فيتراجعون، ولا يجدون خلفهم من يحفهم على التقدم، فرأى أن يدع في المقدمة أقوى القوم، وهم الصبر المذكورون والذين لهم سوابق -يعني ثبات في الإيمان- ويكون عدي ومن معه في مؤخرة الجيش حتى يدفع الناس إلى القدم في الجيش. قال: فقال عدي: الرأي ما رأيت، فقدم المهاجرين والأنصار، ولم يزل يقدم الطلاع منذ خرج من بقعاء، وبقعاء اسم بلدة معروفة في بلاد طيء، وهي تبعد من حائل اليوم قرابة مئة كيلو تقريبًا. قال: حتى قدم اليمامة، وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا بهم عند مواقيت الصلاة بالأذان لها، فيكون ذلك دليلًا على إسلامهم. وقد مر معنا أن مثل هذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تعرف البلاد بلاد إسلام بالأذان. قال: فلما انتهوا إلى طليحة الأسدي وجدوه وقد ضربت له قبة وأصحابه حوله، وطليحة الأسدي كما سيأتي هو من أهل بزاخة. قال: فضرب خالد خيام عسكره على ميل أو نحوه -يعني مسافة الميل- وقيل: إنها الميل المعروف اليوم، وقيل: إنها مسافة لا يميز فيها بين الرجل والمرأة، وهي تقارب مسافة الميل اليوم -يعني ما يعادل تقريبًا ألفًا وستمائة متر-. قال: أو نحوه، وخرج يسير على فرس معه نفر من الصحابة، فوقف قريبًا من العسكر ودعا بطليحة، فخرج إليه، فقال: إن من عهد خليفتنا إليك إلينا أن ندعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أن تعود إلى ما خرجت منه، فأبى طليحة. وكان علقمة بن حصن قد قال له: لا أبى لك، هل أنت مرينا -يعني نبوتك-؟ فقد رأيت ورأينا ما كان يأتي محمدًا. وهكذا يصنع الشيطان بمن لم يدخل العلم والإيمان التام في قلبه. قال: نعم، فبعث عيونًا له لما أقبل خالد إليهم قبل أن يسمع الناس بإقباله، فقال: إن بعثتم فارسين في فرسين أغرين محجلين من بني نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين. فبعثوا كذلك، فلقيَا عينًا لخالد فأتوا به، فزادهم فتنة. ومعناه أنه أراد أن يفتن قومه، فأرسل عيونًا يتحسسون خبر المسلمين، أي: من ارتد أرسلوا عيونًا يتحسسون خبر المسلمين. فلما رأوا أن عينًا ستأتي بالوصف المذكور -قال ما قال لقومه ادعاء أنه يعلم الغيب- فكان في حصول ما قد أخبر به فتنة للناس خصوصًا، والناس الكثير منهم أهل جهل، وهذا غالب الأعراب. قال: قال: فلما أبى طليحة أن يجيب خالدًا انصرف خالد إلى عسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل وعدي بن حاتم. فلما كان من السحر نهض خالد فعبأ أصحابه ووضع ألويته مواضعها، ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب، فتقدم به، وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، وطلب الطيء لواءً، فعقد لهم خالد لواءً ودفعه إلى عدي. فلما سمع طليحة الحركة عبأ أصحابه، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة، فأخرج طليحة أربعين غلامًا جلدًا -يعني قويا- فأقامهم في الميمنة، وقالوا: اضربوا حتى تأتوا الميسرة فتضعضع عن ناس، ولم يقتل أحد. حتى أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال خالد: يا معشر المسلمين، الله الله، واقتحم وسط القوم وكر معه أصحابه، فاختلطت الصفوف، ونادى يومئذ مناد من طيء: يا خالد، عليك بسلما وآجا جبلي طيء. وسلما وآجا جبلان متوازيان متقاربان في حائل اليوم، وللناس فيها خرافات واعتقادات وقصص وأخبار، وكان بعض أهل طيء يلجئون إليها في الشدائد. فثارت ثائرة حين اشتد عليهم القتال، فقال بعض من قل علمه وقلت معرفته بالدين مثل هذه المقولة، وهذا حال الناس إذا كثروا وكثر فيهم الأعراب أهل الجهل. قال: يا خالد، عليك بسلما وآجا جبلي طيء. فقال: بل إلى الله الملتجأ، ثم حمل، فما رجع حتى لم يبق من الأربعين رجل واحد، وتراد الناس بعد الهزيمة واشتد القتال. وأسر حبال بن أبي حبال رجل من أولئك، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبي بكر، فقال: اضربوا عنقي ولا تروني محمديكم هذا، فضربوا عنقه. ولما اشتد القتال تزمل طليحة بكساء له، وهم ينتظرون أن ينزل عليه الوحي، فلما طال ذلك على أصحابه وهدأتهم الحرب، جعل عيينة يقاتل ويحرض الناس، حتى إذا ألح المسلمون عليهم السيف -يعني اشتدت عليهم سيوف المسلمين-. قال: أتى طليحة وهو في كسائه، فقال: لا أبى لك، هل أتاك جبريل بعد؟ قال: لا والله. قال: تبًا لك سائر اليوم، ثم رجع عيينة فقاتل. وهذا حال أهل الكذب والدجل، فإنهم يفضحون في الشدائد. قال: وجعل يحث أصحابه على القتال، وقد ضجوا من وقع السيوف، فلما طال ذلك عليهم جاء عيينة طليحة متلففًا بكسائه، فجبذه جبذة شديدة جلس منها -يعني شد عليه وجره جرا شديدًا-. قال: وقال: قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شيء؟ قال: بلى، قد قيل لي: عيينة، إن ذلك رحًا كرحاه، وأمرًا لن تنساه. فقال عيينة: أظن أن قد علم الله أنه سيكون لك حديث لن تنساه يا بني فزار. هكذا وأشار تحت الشمس: انصرفوا، هذا والله كذاب -يعني علم أنه مدعي وحي كاذب-، ولكن متى حين لم ينفع الندم. قال: ما بورك لنا ولا له فيما يطلب، فانصرفت فزارة وذهب عيينة وأخوه في آثارهما، فأدرك عيينة فأسر، وأفلت أخوه. ولما رأى طليحة ما فعل أصحابه خرج منهزمًا، وجعل أصحابه يقولون: ماذا تأمرنا؟ وقد كان عد فرسه وهي امرأته، فوثب على فرسه وحمل امرأته وراءه، ثم ولَّى هاربًا حتى قدم الشام. وذكر أنه قال لأصحابه لما رأى انهزامهم: ويلكم، ما يهزمكم؟ فقال له رجل: إنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله، وإن نلقى قومًا كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه -يريد بذلك المسلمين من المهاجرين والأنصار-. قال: ولما ولَّى طليحة هاربًا تبعه عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، وكان طليحة قد أعطى عهدًا ألا يسأله أحد النزول إلا فعل، فلما أدبر ناداه عكاشة بن محصن: يا طليحة، فعطف عليه فقتل عكاشة، ثم أدركه ثابت فقتله أيضًا طليحة، ثم لحق المسلمون أصحاب طليحة فقتلوا وأسروا. وصاح خالد: لا يطبخن رجل قدرًا ولا يسخن ماء إلا وأثيفته رأس رجل. ومعنى أثيفته -يعني ما يتكىء به كالأحجار التي يقف عليها القدر-. قال: وتلطف رجل من بني أسد حتى وثب على عجز راحلة خالد، فقال: أنشدك الله ألا يكون هلاك مضر على يدك يا خالد، حكمك في بني أسد. فنادى خالد: من قام فهو آمن، فقام الناس كلهم. قال: وسمعت بذلك بنو عامر فأعلنوا الإسلام. وأمر خالد بالحضائر أن تبنى، ثم أوقد فيها النار، ثم أمر بالأسرى فألقيت فيها، وألقي فيها يومئذ حازم بن أبي حازم -الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه-. وأخذت أم طليحة فعرض عليها الإسلام فوثبت، وأخذت فحمة من النار وهي تقول: يا موت، عم صباحًا، كافحته كفاحًا إذ لم أجد براحًا. قال: وذكر الواقدي أن خالدًا جمع الأسرى في الحضائر، ثم أضرمها عليهم فاحترقوا أحياء، ولم يحرق أحدًا من فزارة، فقيل لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ فقال: بلغته عنهم مقالة سيئة، وثبتوا على ردتهم. وهذه المقالة السيئة ادعاء النبوة في صاحبهم والطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في قتل من سبه عليه الصلاة والسلام، حتى قال بعض أهل العلم: هذا القتل هو حد. قالوا: عن ابن عمر قال: شهدت بزاخة مع خالد، فأظهرنا الله على طليحة، وكنا كلما أغرنا على قوم سبينا الذراري واقتسمت الأموال. وهذا التفصيل الذي ذكر في هذه القصة ومسير خالد إلى بزاخة ذكره أكثر أهل السير، ولا أعرف له إسنادًا بهذا التفصيل مستقيما صحيحًا. وأما أصل القصة فهو في صحيح البخاري، وأما هذا التفصيل فليس فيه إسناد مستقيم، وأسانيد الواقدي كما علمتم فيها ما فيها، وهو نفسه مطعون فيه. وقصة التحريق كذلك اشتهرت وذكرت، لكن لا أعرف لها إسنادًا مستقيمًا، ويحتاج -إن شاء الله- إلى زيادة مراجعة. وانظروا أنتم كذلك من جهتكم إذا تيسر الوقوف على شيء من الأسانيد الصحيحة فذاك. إلى هنا والله تعالى أعلم.